السوريون يرفضون أشباه الحلول

أصدر وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك السوري طلال البرازي قراراً يحمل رقم 1293، والذي يسمح بتصنيع منتجات أشباه الألبان والأجبان، وهي منتجات «يدخل في تركيبها الحليب ومشتقاته ويضاف إليه الزيوت غير المهدرجة والنشا المعدل وأملاح الاستحلاب».

ولكن وبعد ردود الفعل والجدل والانتقادات الواسعة للقرار، اضطر الوزير إلى تجميد العمل بالقرار.

وكان رئيس جمعية الألبان والأجبان، عبد الرحمن الصعيدي، قد أكد ما كان قد سرب سابقا من أن أشباه الأجبان والألبان كانت حاضرة وتباع في الأسواق منذ أكثر من 10 سنوات، وكان الناس يشترونها على أنها ألبان وأجبان حقيقية.

إذن كل ما في الأمر كان محاولة لتشريع الغش وقوننته، وكان تبرير الوزارة للقرار بأنها محاولة لتوفير نوعين من الألبان للمواطنين الأول هو الطبيعي وبسعر «مرتفع نسبيا»، والثاني هو «الشبه»الذي يمكن أن يتمتع به «أصحاب الدخل المحدود»!

ردة الفعل على القرار في صفحات التواصل كانت لافتة، فالغالبية العظمى ممن يعيشون في مناطق يسيطر عليها النظام اعتبروا أن أشباه الألبان مخصصة لمن يعتبرهم المسؤولون أشباه مواطنين وأشباه بشر، يعيشون شبه حياة ويتقاضون شبه راتب.

تزامن ذلك مع تصاعد الخلافات بين النظام ورجال أعمال، بعد أن طلب النظام منهم دفع مبالغ ضخمة كنوع من «الإتاوة»، وتحدثت بعض المعلومات عن هروب بعضهم عبر بيروت إلى دولة عربية بعدما رفضوا الاستمرار في الدفع. أما على صعيد التجار، فقد نشر أحد أصحاب محلات الحلويات في مدينة حلب على سبيل المثال إعلانا جاء فيه: إلى الزبائن الكرام أعلن إغلاق المنشأة الحضارية «محل لاغراند»حتى إشعار آخر، وذلك بسبب مطالبتي (بأتاوة) مبلغ مالي كبير مقابل عدم تشميع وإغلاق المنشأة من قبل التموين والصحة ظلما وعدوانا.

 وإن كان استهتار النظام السوري بحياة المواطنين ليس بالأمر الجديد، من دفن النفايات السامة في عهد حافظ الأسد، إلى كل ما عاناه السوريون من جوع وقتل ودمار وتهجير وحصار في ظل ابنه بشار، إلا أن اللافت هو أن أصوات من كانوا يسمون بالفئة الصامتة أو الرمادية باتت تُسمع كثيرا؛ فهل طفح كيلهم؟

قبيل مهزلة الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخرا في سوريا، كان السوريون يقفون ساعات طويلة أمام الأفران للحصول على ربطة خبز، وبدأت حينها أصواتهم بالارتفاع وإن قليلا، وحتى من كانوا معروفين بدفاعهم المستميت عن بشار الأسد ونظامه من فنانين وصحافيين، صار انتقادهم للوضع علنا، بعضهم ممن كان يبرر قتل السوري الآخر وتهجيره بات لا يطيق العيش وهو ينتظر الحصول على جرة غاز أياما وأسابيع، وبعضهم الآخر صار يحلم بالكهرباء أو اللحمة، ليس غريبا أننا بتنا نسمع عن نزوح حتى بعض الشباب المؤيد للأسد من مناطق النظام إلى مناطق المعارضة، أقله لن يجوعوا هناك كما يقولون، هذا عدا الهروب في البحر من جحيم الوضع الاقتصادي الذي وصلت إليه سوريا.

الحملة على قرار وزير التجارة الداخلية، تزامنت مع حملة في المقلب الآخر من شباب الثورة ضد قرار إعادة انتخاب أنس العبدة رئيسا لهيئة التفاوض، مطالبين بإسقاطه، فالمعارضة الرسمية بتسمياتها: ائتلاف، وهيئة تفاوض، وحكومة مؤقتة، وبدل الالتفات إلى كيفية الاستفادة من شكاوى السوريين في مناطق الأسد، وبدل تلقف لهفتهم لحياة كريمة، وإن جاءت متأخرة، وبدل الالتفات إلى ما آلت إليه الأوضاع في المناطق المحررة، وأوضاع السوريين في دول اللجوء، وبدل البحث عن كيفية الخروج من حالة الموت السريري التي تعيشها المعارضة نفسها وانفصالها الكامل عن السوريين وقضيتهم، ها هي تنشغل مجددا كما دوما بلعبة الكراسي والتجديد والتبديل بين قياداتها.

لم يعد بإمكان أحد إخفاء صوت السوريين، وإن اختلفت المطالب ونسبة ارتفاع الصوت، إلا أن السوريين عرفوا تأثير صوتهم وعادت صفحات التواصل الاجتماعي لتكون منبرا لهم، في المطالبة ببناء دولة وطنية حديثة لا مكان فيها للقتلة أو المجرمين أو الفاسدين، لقد توحدت مأساة السوريين وإن اختلفت طرق التعبير عنها وهو ما سنشهد تصاعدا له في كل مناطق سوريا سواء تلك التي تحكمها ميليشيات بشار أو تلك التي تحكمها ميليشيات أخرى.