مؤتمر دعم الجيش اللبناني... تأهب دولي منعاً لاستفراد حزب الله بالأمن والعسكر!

الجيش اللبناني

تتدحرج الأزمات المعيشية والاقتصادية في لبنان ككرة نار «أكلت الأخضر واليابس»... «جهنّم» حقيقية يعيشها اللبنانيون المتروكون لمصيرهم المجهول، أما السلطة الحاكمة فهي في عالم آخر همّها مقعد وزاري ومكاسب سياسية تحصلها من «الطبخة» الحكومية.

لكن أخطر ما في الانهيار الاقتصادي المتسارع والذي لم يشهد له لبنان مثيلا في تاريخه الحديث، هو وصول كرة النار إلى واحدة من القوى القليلة التي توحد لبنان وهي المؤسسة العسكرية، إذ أصبح راتب الجندي بالكاد يكفي أسبوعين في ظل التضخم الكبير وفقدان الليرة الوطنية أكثر من 90 في المائة من قيمتها أمام الدولار الأميركي، في وقت تتصاعد فيه التوترات الطائفية ومعدلات الجريمة وسط الفقر المتزايد.

وفي سابقة تاريخية تعكس مدى «مأساوية» الوضع، دفعت هذه الأزمة بقيادة الجيش اللبناني منذ ما يقارب العام التوقف نهائيا عن استخدام اللحوم في وجبات الطعام التي تقدم للعسكريين أثناء وجودهم في الخدمة، جراء ارتفاع غير مسبوق في ثمنها، عدا عن الحديث المتنامي عن عمليات فرار من المؤسسات العسكرية والأمنية، وامتناع عدد من الضباط والعسكريين من الجيش والأمن العام عن الحضور إلى مواقعهم ومهامهم من جهة، ومن جهة ثانية ارتفاع نسبة طلبات العسكريين والضباط لإنهاء خدماتهم.

 

مؤتمر افتراضي لدعم الجيش

 

هذا الوضع دفع بالعديد من الدول الغربية والعربية إلى دق ناقوس الخطر، خوفا على وجود واستقرار هذه المؤسسة العسكرية وانعدام قدرتها على الصمود بوجه هذه الأزمات، وبالفعل أقيم يوم الخميس الفائت مؤتمر افتراضي لدعم الجيش اللبناني لتأمين مساعدات طارئة بدعوة من فرنسا ودعم من الأمم المتحدة وإيطاليا وبمشاركة 20 دولة من بينها الولايات المتحدة ودول الخليج وعدة دول أوروبية فضلا عن ممثلين من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقد أكدوا جميعا  على ضرورة مساندة الجيش لأنه الركيزة الأساسية للاستقرار في لبنان.

 

مساعدات إغاثية للجيش

 

وتأسف وزير الداخلية السابق مروان شربل في حديثه لمجلة «المجلة»، من الحقيقة المرة التي يعكسها هذا المؤتمر، والمتعلقة بوضع المؤسسة العسكرية والقوى الامنية في لبنان إلى حد طلب مساعدة دول العالم، ليس لتأمين العتاد والذخيرة بل لتوفير المأكل والطبابة وحد أدنى من متطلبات الحياة الاجتماعية.

وتساءل: إلى متى ستكفي هذه المساعدات لشهر أو شهرين أو أربعة أشهر؟، لا شيء واضح حتى الساعة، مؤكدا أنه "من المعيب على المنظومة السياسية السماح بسقوط آخر عمود من بناء هذه الدولة».

وعن سبب الاهتمام الدولي بالقوى الأمنية، رأى أن «المجتمع الدولي يرغب في أن يبقى الوضع الأمني مستتبا في لبنان، ويحرص على صمود كافة الأجهزة الأمنية أمام هذه الأزمات»، لافتا إلى أن «حرص هذه الدول على استتباب الأمن في لبنان لأسباب تتعلق بهم وأهمها وجود مليون ونصف المليون نازح سوري في لبنان، وبالتالي تفادي هروبهم إليها في حال انتشرت الفوضى الأمنية والتوترات ولم يستطع الجيش والقوى الأمنية تهدئة الأوضاع».

إلى ذلك توقع شربل أن تعم الفوضى الأمنية لبنان وأن تتضاعف معدلات الجرائم والسرقات، في حال تفاقمت الأزمات الاقتصادية والمعيشية.

ولم يكشف البيان الصادر عن وزارة الدفاع الفرنسية في نهاية «المؤتمر (الافتراضي)  تفاصيل المساعدات التي تعهدت بها الأطراف. بيد أن المعلومات تفيد بأن هذه المساعدات ستكون كلها «عينية»، وسوف تتم ثنائياً بين لبنان والجهات المعنية في حين تتولى التنسيق هيئة لبنانية - أممية لتحاشي الازدواجيات في المساعدات

وعلى الرغم من ذلك يكرّس المؤتمر حقيقة في غاية الأهمية وهي مدى الاهتمام الغربي والعربي بجيش لبنان وقواه العسكرية الشرعية بوجه منظومة حزب الله، وبالتالي إصرار المجتمع الدولي على الحفاظ على استقرار وأمن لبنان مهما بلغ الانهيار الاجتماعي في المرحلة المقبلة من جهة، ومن جهة ثانية، تفاديا لاستفراد حزب الله بالأمن والعسكر في حال انهيار الجيش اللبناني.

وبحسب المعلومات، فإن  المؤتمر سيؤمن المساعدات اللازمة والتي تقدر بنحو 120 مليون دولار اميركي تحتاجها المؤسسة العسكرية،  أما المساعدات فستشمل قطع غيار للآليات والذخيرة، والمحروقات، والطبابة من ادوية ومعدات استشفائية للمستشفيات العسكرية وغذاء. كما أن المؤتمر لن يقتصر على كل هذه الاحتياجات بل سيؤمن مساعدات مالية ستصل إلى قيادة الجيش ضمن آلية محددة وسوف تتوزع هذه الأموال على العناصر والعسكر للتعويض عن الراتب المنخفض.

 

3 رسائل حملها مؤتمر دعم الجيش

 

في السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي، إلياس الزغبي، أن «المؤتمر الدولي الذي دعت إليه باريس وضم نخبا دولية مميزة بهدف دعم الجيش اللبناني، حمل في الواقع ثلاث رسائل، الأولى ان الجيش يشكل الضمانة الأكيدة والأخيرة لاستمرار الدولة اللبنانية وحماية مفهوم السيادة الوطنية. والرسالة الثانية موجهة إلى السلطة الحاكمة، بحيث إن المؤتمر تجاوز شكليات إشراك هذه السلطة بمواقعها العليا واكتفى بالواجهة الإدارية التي تمثلها وزارة الدفاع، وهذا يعني عزل هذه السلطة وجعلها في وضع منبوذ يمهد للتخلي عنا في اللحظة المناسبة. أما الرسالة الثالثة، فهي موجهة إلى حزب الله، بحيث إن «المجتمع الدولي يؤكد مرة بعد مرة أن قيام الدولة اللبنانية لا يقوم على الإصلاحات الاقتصادية والمالية ومكافحة الفساد فقط، بل في الأساس وقبل أي أمر آخر على قاعدة السيادة الوطنية التي يجسدها الجيش في الدستور والقانون والواقع».

وهذا يعني بحسب الزغبي أن «المجتمع الدولي يقول لحزب الله إنه لم يعد مسموحا له الاستمرار في مصادرة القرار الوطني اللبناني والسيادة اللبنانية واستباحة الحدود البرية والبحرية والجوية»

 وتابع: «هذه الرسائل الثلاث من شأنها أن تمهّد لمؤتمر دولي أوسع وأشمل يحاكي عمليا الطرح الذي تقدمت به بكركي سابقا لعقد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة بهدف إنقاذ لبنان عبر تحييده عن الصراعات الخارجية، لافتا إلى أن «بشائر هذا التوجّه سوف تظهر تباعا بدءا من أول يوليو (تموز) المقبل، من خلال المؤتمر اللبناني- الكنسي في الفاتيكان تمهيدا للتأسيس عليه في اتجاه بلورة صيغة أممية دولية تطرح خارطة طريق لإنقاذ سياسي مثلث للبنان سياسيا وماليا واقتصاديا».

ومن جهة ثانية، أشار الزغبي إلى أنه «لا شك في أن نوعية هذه المساعدات التي أقرها المؤتمر محدودة في تأثيرها لأنها تقتصر على الجانب الإغاثي وليس على الجانب الدفاعي وتقوية الجيش عسكريا، لكنها كفيلة بمدّ المؤسسة العسكرية اللبنانية بالأكسجين الكافي عبر المساعدات الغذائية والطبية والاجتماعية ربما عبر تعزيز وضع العسكريين الاجتماعي»، مضيفا: «هذه البداية تشكل خطوة أولى يتم التأسيس عليها لنقل مستوى الاهتمام بالجيش اللبناني إلى مستوى أرفع أي الاهتمام بالدولة اللبنانية وهذا يعني حكما التأسيس والسعي نحو مؤتمر دولي لإنقاذ لبنان».

 

قائد الجيش يدق ناقوس الخطر

 

وأشار قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون خلال المؤتمر إلى أن «الأزمة الاقتصادية التي يمر بها أثرت بشكل كبير وسلبي على الجيش، وبخاصة على مهماته العملانية ومعنويات عسكرييه، رغم كل الجهود التي تقوم بها القيادة وبالحد الأدنى من المهمات للمحافظة على الأمن والاستقرار»، مشيرا إلى أن «تدهور قيمة الليرة في مقابل الدولار أدى إلى تدني قيمة رواتب العسكريين بنسبة 90 في المائة، والنسبة عينها تنسحب على التغذية والطبابة والمهمات العملانية وقطع غيار الآليات، علما أن الجيش اعتمد ولا يزال سياسة تقشف لافتة».

وحذر قائد الجيش من أن «استمرار تدهور الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان سيؤدي حتما إلى انهيار المؤسسات ومن ضمنها المؤسسة العسكرية، وبالتالي فإن البلد بأكمله سيكون مكشوفا أمنيا وعرضة لمخاطر عديدة، أبرزها الإرهاب الذي سيجد في لبنان مسرحا لأعماله ونقطة انطلاق إلى الخارج».

 

تحذير من البنك الدولي

وبحسب البنك الدولي، فان الجيش اللبناني مهدد الآن بأحد أسوأ الانهيارات المالية، التي شهدها العالم خلال المائة والخمسين عاما الماضية، مشيرا إلى أن «الانهيار الاقتصادي يشكل ضغوطا غير مسبوقة على القدرات العملياتية للجيش، مما يؤدي إلى تجفيف رواتب الجنود وتدمير روحهم المعنوية».

وقد حذر من أن يكون هذا التراجع «نذيرا لعدم استقرار لم نشهده منذ إطاحة النخب السياسية اللبنانية بالقوات المسلحة، وتحديدا في السنوات الخمس التي سبقت الحرب الأهلية بين عامي 1975-1990»، وفقا لما قاله آرام نركيزيان، كبير مستشاري برنامج الشؤون المدنية - العسكرية في الدول العربية بمركز كارنيغي للشرق الأوسط.

كما أن الجيش نفسه دق ناقوس الخطر، وهو أمر غير معتاد بالنسبة لقوة ربما تكون فريدة من نوعها في الشرق الأوسط، حيث تظل بعيدة عن السياسة إلى حد كبير.