عازفة العود المصرية سلمى كيلاني: أطمح في أن أترك بصمة في عالم الموسيقى

عندما تكون الموسيقى هي الشغف
العازفة سلمى كيلاني تلعب على آلة العود الخاصة بها

القاهرة: إن الموسيقى العربية ورموزها البارزين مثل الفنانة أم كلثوم والفنان محمد عبد الوهاب وغيرهما، وملحنيها الرواد مثل محمد القصبجي ورياض السنباطي، قد صنعوا تاريخاً عظيماً مليئاً بالفن الذي يتمتع به العالم حتى يومنا هذا. من منا لم يلتق بغير عرب تحدثوا عن حبهم لأغاني أم كلثوم وأشادوا بموسيقاها وصوتها المتميز. هكذا كانت الموسيقى دائماً ولا تزال تتجاوز حدود الجغرافيا واللغة والثقافة.

وبالحديث عن الجيل الجديد من الفنانين في مصر، التقينا سلمى كيلاني ذات الـ29 عاماً، وهي عازفة عود تقوم بتقديم دروس للعزف على تلك الآلة الوترية. سلمى كيلاني من أشد المعجبين بالموسيقى الكلاسيكية المصرية، وتأمل يومًا ما أن تترك بصمة يتذكرها الناس بها.

درست سلمى اللغة العربية في كلية دار العلوم  بجامعة القاهرة، وعندما أنهت دراستها عام 2014 عملت بالتدريس. ولكن في لحظة ما في حياتها، قررت أن تترك تدريس اللغة العربية وتتبع شغفها وحبها للموسيقى. دعونا نستكشف معًا ما هي قصة سلمى كيلاني والتحول الذي حدث في حياتها.

قالت سلمى كيلاني في حديثها لـ«المجلة»: «أثناء دراستي، أدركت أن هناك علومًا في اللغة العربية مرتبطة بشكل كبير بالموسيقى. من هنا، شعرت أنني أريد معرفة المزيد عن هذا العالم، وخاصة العزف على آلة العود».

يعتبر العود آلة موسيقية من أصل عربي، فهو «ملك الآلات الموسيقة»وأحد أقدم الآلات الوترية، حيث يعود تاريخه إلى الفترة الأكادية (2350 قبل الميلاد). وهو أقرب آلة موسيقية للروح البشرية، ومنذ ذلك الحين ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافة والتقاليد العربية. والعود يعني غصنا أو قطعة من الخشب. يُعتقد أنّه قد جرت تسميته بهذا الاسم باللغة العربيّة في إشارة إلى قطع الخشب الصغيرة المستخدمة في تصميم وصناعة الآلات الدقيقة.

 

خطوات في اتجاه الحلم

بعد أن أنهت سلمى دراسة اللغة العربية، أحضرت لها والدتها العود، لكنها لم تبدأ في التعلم على الفور لأنها لم تكن تعرف كيف تبدأ وإلى أين يجب أن تذهب تحديداً لكي تتعلم: «بدأت بالبحث على الإنترنت وحاولت أن أجد دورات تدريبية وأقرأ عن هذه الآلة الموسيقية. ذات يوم، كنت في النادي حيث يوجد به كورال موسيقي صغير، وكنت أغني به لأن صوتي جميل أيضًا. كان هناك من ضمن الحضور ذات اليوم عازف عود، وبالحديث معه نصحني بالذهاب إلى بيت العود العربي، وعلمني أساسيات الآلة».

وأضافت سلمى كيلاني لـ«المجلة»:«لكن بالصدفة عندما كنت أبحث على الإنترنت وجدت عازفة عود مصرية شهيرة وهي الفنانة شيرين تهامي، أول عازفة عود تخرجت من بيت العود العربي... شجعني هذا على الاستمرار في مساري في تعلم الموسيقى واحتراف العزف على العود لأنني رأيت أنه يمكن لأي شخص أن يدرس شيئًا آخر مختلفًا عن تخصصه في الجامعة وينجح به».

الفنانة شيرين تهامي هي أيضا مدربة موسيقى في بيت العود العربي في أبوظبي. ولكن ما لفت انتباه سلمى أن الفنانة شيرين تهامي محترفة جدًا في العزف على العود دون مصاحبة أي آلات موسيقية لها، كما أن دراستها الأساسية أيضا لم تكن الموسيقى.

إن تعلم آلة موسيقية مثل العود ليس بالأمر السهل، خاصة عندما تبدأ التعلم في سن متأخرة، بالإضافة إلى أنه لا يوجد الكثير ممن يتقنون العزف على هذه الآلة، ولكن يمكن تحقيق أي شيء بالمثابرة!

وقالت سلمى كيلاني في حديثها لـ«المجلة»: «عندما كنت صغيرة كنت أستمع للملحن المصري الشهير محمد القصبجي، لطالما لفت انتباهي بالعزف على العود خلف الفنانة أم كلثوم، وكيف يصاحب العود صوتها بالعديد من الأصوات الجميلة التي تصدر منه كأنه هو ملك جميع الآلات الموسيقية».

بدأت سلمى في اتخاذ خطوة حقيقية تجاه شغفها بالموسيقى والعزف بحلول نهاية عام 2014. حيث ذهبت إلى دار العود العربي في القاهرة لاكتشاف المزيد عن هذا العالم الذي كانت دائماً تأمل أن تنتمي له. وأكدت سلمى خلال حديثها: «كانت والدتي داعمة كبيرة لي خلال رحلة التعلم، وقد ساعدتني كثيرًا على الصعيدين المالي والنفسي حتى أتطور. لقد كانت دائماً مؤمنة بي وبموهبتي».

وأوضحت أيضا أن الموسيقى الشرقية تختلف عن الموسيقى الغربية في كثير من الأمور، فعلى سبيل المثال، في الموسيقى الشرقية لدينا التخت الشرقي والذي يضم آلات موسيقية متعددة مثل القانون والرق والكمان العربي والفلوت والعود وغيرها. كل آلة لها دور مهم للغاية في الأوركسترا. ولكن لا يمكننا أن نجد تلك الآلات في الموسيقى الغربية... والمقام العربي هو عبارة عن أنماط لحنية مستخدمة في الموسيقى العربية التقليدية. هذه المقامات تختلف عن تلك المستخدمة في موسيقى الغرب التي تعتمد أكثر على الآلات الإيقاعية. على سبيل المثال، في الموسيقى الشرقية، يوجد مقام البياتي وهو أحد أكثر المقامات استخداماً، وهو اصطلاح في الموسيقى العربية تُعرف به هيئة لحنية لجماعة نغم، في المنطقة الوسطى، تستقر على نغمة «دوكاه»، وهي مطلق الوتر الثالث في العود ويجمع البياتي بين الشجن والرقة والحزن والفرح. لا يوجد مقام البياتي في الموسيقى الغربية ولكننا نتشارك بعض المقامات مع الغرب مثل مقام نهاوند وعجم.

وتضيف: «لقد رأينا ذلك بوضوح في موكب نقل الممياوات المصرية في القاهرة عندما استخدمت الأوركسترا آلات مثل الربابة والناي- استخدام هذه الآلات الموسيقية العربية بجانب آلات الإيقاع أضاف للمشهد بأكمله لوناً مختلفًاً».

وتابعت سلمى:«موسيقانا العربية وآلاتنا الموسيقية معبرة عن ثقافتنا وتاريخنا، وهذا ما يجعلها فريدة من نوعها».

كلما استمعت إلى الموسيقى ومارستها ابتكرت وعبرت عن نفسك أكثر

وقالت سلمى في حديثها لـ«المجلة»: «عندما كنت صغيرة كنت أستمع لفنانين مثل فريد الأطرش ورياض السنباطي. وعندما كنت أشاهد فيلما لفريد على سبيل المثال، لطالماأردت أن أتوقف عند الجزء الذي كان يعزف فيه على العود وأستمع إليه فقط».

الاستماع إلى الموسيقيين المختلفين عزز مهارة سلمى في العزف على العود. فهي لم تتوقف عند الدراسة في بيت العود العربي ولكنها أيضاً درست في معهد الموسيقى العربية بدار الأوبرا المصرية مع الموسيقار حازم شاهين، وشاركته العزف في حفل موسيقي هناك. كما تعلمت من فنانين داخل مصر وخارجها مثل نصير شمه وحازم شاهين وسيمون شاهين وجورج ميشال وغيرهم... «لقد شاركت في الملتقى الأول للعود في دولة الإمارات وكانت تجربة مهمة جداً بالنسبة لي لأنه كان أول حفل غنائي أقوم به على مسرح حقيقي، وهذا عزز إرادتي للاستمرار والتعلم وزاد أيضا ثقتي في نفسي».

 وأضافت: «الآن أنا أعمل على مشروع مع مؤسسة (تفاتيفيوهو مشروع أونلاين يوفر فرصة لتعلم آلة العود لجميع الناس، خاصة في المناطق التي لا يستطيع الناس فيها الوصول إلى مكان لتعلم الموسيقى في مصر. لقد بدأنا في تسجيل مقاطع فيديو تعليمية لتعليم العزف على العود، وأنا فخورة جداً بهذه التجربة».

«تفاتيفي»هو مشروع موسيقي متكامل أو شبكة اجتماعية موسيقية على الإنترنت تتيح الفرصة لمن يرغب في تعلم الموسيقى من خلال دروس يقدّمها أشهر وأهم الفنانين في الساحة الموسيقية في مصر.

الموسيقى قادرة على أن تغير حياتك تمامًا، وهذا ما حدث مع سلمى وأيضًا ما ألهمها. عبرت سلمى في تعليق أخير عن أمنيتها لـ«المجلة»قائلة: «آمل أن أترك تأثيرا في قلوب الآخرين من خلال الموسيقى لأن هذا ما يحدث معي دائماً عندما أسمع موسيقى لفنانين رائعين».