عائلات معتقلين سوريين في فخ «سماسرة المفقودين»

أُسَر سورية تروي لـ«المجلة» حكاياتها مع شبكات الاحتيال
بالإضافة إلى خسارة الأموال، يبدو أن الآثار النفسية لذلك هي الأصعب، بحسب شهادات لـ«المجلة»

 

القامشلي: تقع بعض العائلات السورية التي يقبع أبناؤها في السجون، ضحية عمليات الاحتيال والنصب، للحصول على المال، وذلك بعدما دأبت مجموعات وشخصيات على الاتصال بها لتقديم معلومات لها عن معتقليها الذين انقطعت أخبارهم منذ ساعات احتجازهم الأولى، علماً أن معظمهم قد سُجنوا على خلفية معارضتهم لنظام الرئيس السوري بشار الأسد إبان مشاركتهم في الاحتجاجات التي شهدتها سوريا في منتصف شهر مارس (آذار) من عام 2011، أو اعتقلوا عندما كانوا يحاولون الفرار من الخدمة العسكرية الإلزامية التي تفرضها دمشق على كل الشبان في البلاد ممن تجاوزوا 18 عاماً، أو اختطفوا لدى جماعاتٍ متشددة مثل تنظيمي «داعش» و«النصرة» في مناطقٍ متفرقة من سوريا.

روت عدة عائلاتٍ سورية لـ«المجلة» حكايتها مع شبكة «المحتالين» الذين كانوا قد تواصلوا معهم هاتفياً في بعض الأحيان وعبر تطبيقات المراسلة المرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي، حيناً آخر، مبدين استعدادهم لتقديم معلوماتٍ عن أبنائهم المعتقلين في سجون النظام السوري، ليتبين لاحقاً أن المبادرين بالاتصال بهم ينوون فقط الحصول على مبالغٍ مالية دون أن يكون في حوزتهم أي معلوماتٍ عن أولئك المعتقلين الذين تتطلع عائلاتهم لمعرفة أخبارهم ومصيرهم.

 

أسرى لدى الحكومة السورية تم تحريرهم خلال تبادل أسرى بين الحكومة السورية وهيئة تحرير الشام في المنطقة منزوعة السلاح بريف حلب الغربي قرب بلدة العيس في 17 مايو (أيار) 2019. (غيتي)

وقد وقعت بعض هذه العائلات في الفخ فعلاً، إذ استطاع أشخاص إقناعها بترتيب صفقات الإفراج عن أبنائها مقابل مبالغ مالية ضخمة تقدر بعشرات آلاف الدولارات التي دفعتها بالفعل تلك العائلات، لكن بعد ذلك تبين أن المسألة مكيدة واحتيال ولم يُطلق سراح أحد من أولادهم. كما أن أولئك المحتالين أحرقوا هواتفهم لاحقاً وأغلقوا حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، واختفوا ومعهم تلك الأموال، في واقعة تتكرر باستمرار منذ بدء عمليات الاعتقال خلال سنوات الحرب السورية.

فضل عبد الغني، مدير «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» قال لـ«المجلة» إن «هذا الاحتيال أمر رائج وشائع ومنتشر بكثرة منذ سنواتٍ طويلة وقد بدأ ذلك منذ عامي 2011 و2012، ومنذ ذلك الحين أوصينا عائلات المعتقلين مراراً بعدم التواصل مع هؤلاء الأشخاص وحتى مع الضباط أو الأجهزة الأمنية وكذلك الأشخاص الذين لديهم صلات مع النظام، ذلك أن المعلومات التي يقدمونها لعائلات المعتقلين، غالباً ما تكون غير صحيحة».

وأضاف: «لكن مع ذلك، من المؤسف أن بعض العائلات وقعت ضحية هذا النوع من الاحتيال بذريعة أنها لا تريد أن تبخل على أبنائها المعتقلين، وبالتالي دفعت مبالغ مالية ضخمة لمثل أولئك الأشخاص، لكنها شعرت بالندم لاحقاً لكون المسألة برمتها كانت عبارة عن كذبة واحتيال».

وحتى الآن، لا توجد إحصائية رسمية للعائلات السورية التي وقعت ضحية شبكات الاحتيال التي تخدعهم بأنها تمتلك معلوماتٍ عن المعتقلين، وذلك بحسب مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الذي أفاد أيضاً بعدم وجود معلوماتٍ كافية عن أولئك الأشخاص سوى أنهم في بعض الأحيان يكونون على صلة بالنظام السوري ويتطلعون للحصول على الأموال بهذه الطريقة.

وقال عبد الغني أيضاً إن «بعض العائلات تستجيب لاتصالات المحتالين على أمل الحصول على أي معلومة أو معرفة مصير أبنائهم المعتقلين، لكنها في نهاية المطاف تخسر أموالها دون أن تعرف شيئاً عن أولئك القابعين في السجون».

ولا تقتصر شبكات الاحتيال على الذين يبدون استعدادهم لتقديم معلوماتٍ عن معتقلين في سجون النظام، حيث يوهم البعض الآخر من العائلات بمعرفة مصير أبنائهم المعتقلين في سجون جبهة «النصرة» في منطقة إدلب وفي مناطقٍ سورية أخرى. لكن في واقع الأمر، المسألة أيضاً لا تتعدى أكثر من كونها وسيلة احتيالٍ مالية.

واللافت في شبكات الاحتيال هذه، عدم معرفة العائلات مسبقاً بالأشخاص الذين تواصلوا معهم هاتفياً أو عبر مواقع التواصل. ووفق شهادات بعض العائلات السورية، فإن عدم وجود أي معرفة مسبقة بينهم وبين هؤلاء المحتالين كان مبررهم الأول للثقة بهم، خاصة أنهم كانوا يعرفون اسم المعتقل وأسماء أفراد أسرته، ما قد يحمل بعض الأمل بمعرفتهم لمصيره بالفعل.

وقال شقيق معتقل وقعت عائلته في فخ الاحتيال إن «شخصاً تواصل مع والدي عبر تطبيق الواتساب وأبدى له عن استعداده بالإفراج عن نجله، لكنه اشترط لاحقاً دفع المال سلفاً، حين حاولنا أن نعرف منه مكان الاحتجاز قبل أن نرسل له المبلغ إلى دمشق عبر شركة حوالات».

وأضاف أن «والدي للأسف أرسل له مبلغاً مالياً يعد ضخماً بالنسبة لنا، لكن بعد ذلك لم يعد يرد على اتصالاته»، وكان المبلغ بحسب شقيق المعتقل الذي اختفى أثره في دمشق عام 2012، كان 8000 دولارٍ أميركي.

ويعد هذا المبلغ بسيطاً مقارنة بعائلاتٍ أخرى دفعت عشرات آلاف الدولارات لأشخاص خدعوهم وأوهموهم بقدرتهم على التدخل والإفراج عن أبنائهم المسجونين دون أن يفعلوا شيئاً بعد حصولهم على تلك الأموال سوى أنهم قطعوا مختلف وسائل الاتصال بذوي المعتقلين.

 

عمر الشغري، لاجئ سوري وناشط حقوقي، نجى من التعذيب في السجون السورية، يحمل صورة له على هاتف محمول بعد إطلاق سراحه من السجن، في 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

وبالإضافة إلى خسارة الأموال، يبدو أن الآثار النفسية لذلك هي الأصعب، بحسب شهادات لـ«المجلة».

وقالت والدة فتاةٍ سورية اعتقلت خلال دراستها في جامعة اللاذقية عام 2013: «لقد وقعت ضحية عملية احتيال، لكن المال الذي خسرته لا يشكلُ شيئاً أمام الأمل الذي عشته ومن ثم فقدته. كنت أعتقد بعد دفعي للمبلغ المتفق عليه، أنني سأحتضن ابنتي، لكن هذا لم يحصل».

وعند سؤال «المجلة» لبعض هذه العائلات عن عدم رفع شكاوى على أولئك الأشخاص، قال بعضها إنهم دفعوا الأموال عبر شركاتٍ محلية، وهي عادةً ما ترسل الأموال عبر أشخاص يتوزعون في مدنٍ سورية وأخرى خارج البلاد، ما يعني عدم حصولها على إشعارات إرسال الأموال التي تحتوي على أسمائهم الصريحة، وبالتالي لا يمكن معرفة هوياتهم الحقيقية لمقاضاتهم في المحاكم.

وقالت سيدة أخرى يقبع ابنها في سجون النظام منذ اعتقاله في دمشق إن «نجلي كان طالباً جامعياً في كلية الهندسة، وينتقل بين دمشق والحسكة دون أن يواجه أي مشاكلٍ أمنية، لكن تم اعتقاله بشكل مفاجئ عام 2018، ومنذ ذلك الحين بدأنا رحلة البحث عنه، وتمكنا من الوصول لشخصٍ قال إن ابني اعتقل بتهمة التخابر مع جهاتٍ أجنبية، ومع ذلك لم نتمكن من زيارته أو إطلاق سراحه إلى الآن».

وأضافت السيدة المفجوعة لـ«المجلة»: «حتى الآن، يتواصل زوجي مع وسطاء لمعرفة مصير نجلنا المسجون، رغم أنه وقع في وقت سابق ضحية عملية نصب واحتيال بعدما تعهد أحد الأشخاص بإطلاق سراحه مقابل أن يدفع له 50 مليون ليرة سورية (ما يعادل نحو 15 ألف دولار أميركي)، وقد حصل بالفعل على هذا المبلغ واختفى لاحقاً».

وتابعت: «عرفت من خلال معتقل أُفرج عنه أن ابني يعاني من ظروف صحية سيئة داخل سجنه، ومع ذلك لم نتأكد من صحة تلك المعلومة من شخصٍ آخر. وببساطة لم نعد نثق بأحد بعد كل محاولاتنا الفاشلة بالإفراج عنه أو معرفة مصيره».

ومضت السيدة في سرد حكايتها مع وسطاء السجون بالقول إن «زوجي لم يكن يملك المال لدفعه لأولئك الأشخاص، ولذلك اضطر إلى بيع قطعة أرضٍ كنا نملكها ليدفع 50 مليون ليرة لشخصٍ خدعنا بعدما صدقناه وتأملنا بإطلاق سراح ابننا. لكن في النتيجة، خسرنا الأرض والمال دون أن نعرف شيئاً عن ابني».

وفي مارس (آذار) الماضي، طالبت ليندا توماس غرينفيلد ممثلة الولايات المتحدة الأميركية لدى الأمم المتحدة، بنشر معلوماتٍ عن ظروف المعتقلين لدى النظام السوري، وتسليم جثمان أولئك الذين فقدوا حياتهم تحت التعذيب إلى عائلاتهم مع تحديد تاريخ ومكان الوفاة.

وأشارت غرينفيلد إلى أن عدد السوريين المعتقلين لدى النظام السوري الذين تعرضوا للتعذيب يبلغ أكثر من 14 ألف معتقل، علاوة على عشرات الآلاف من الذين اختفوا قسراً خلال سنوات الحرب التي اندلعت قبل نحو عقدٍ من الزمن.

 

سمر صالح المختطفة مع صديقها محمد العمر لدى تنظيم داعش منذ العام 2013 في مدينة الأتارب في ريف حلب الغربي، وتعرّضت أسرتها لمحاولات ابتزاز

ولفتت إلى أن «النظام السوري يعتقل الصحافيين والأطباء وعمال الإغاثة والمدافعين عن حقوق الإنسان والنساء والأطفال والمسنين الأبرياء في ظروفٍ غير إنسانية»، مضيفة أن «بعضهم تعرض لعنف جنسي وتعذيبٍ جسدي».

وقبيل كلمة ممثلة الولايات المتحدة حينها، كان ممثلو الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، قد استمعوا لشهادات ناجين من المعتقلات السورية طالبوا المجتمع الدولي بمحاسبة مرتكبي الجرائم بحقهم.

ومنذ عام 2011، تعرض عشرات آلاف المدنيين للاعتقال والاختطاف والاختفاء القسري على يد قوات النظام السوري والجماعات المتطرفة وكذلك على يد جماعات المعارضة المسلحة التي تسيطر على مناطقٍ في شمال غربي سوريا وشرقها. إضافة لمناطقٍ في جنوب ووسط البلاد.

ورغم كل المناشدات والضغوط الدولية والتقارير الصادرة عن منظمات وجمعيات حقوق الإنسان، إلا أن النظام السوري لم يتحرك أبداً بخصوص المعتقلين في سجونه. كما تستمر أجهزته الأمنية باعتقال المدنيين والناشطين في مناطق سيطرته، والأمر ذاته يتكرر في مناطق سيطرة «النصرة» والمعارضة المسلحة.

وغالباً ما يلجأ معارضو الأسد إلى مناطق سيطرة «الإدارة الذاتية» في شمال وشرق سوريا أو لمناطق المعارضة السورية المدعومة من تركيا، هرباً من الملاحقة الأمنية في مناطق قوات النظام.

ومنذ عام 2011، وثقت عشرات المنظمات الحقوقية، الانتهاكات التي تعرض لها السوريون منذ اندلاع الحرب، لكنها حتى الآن، لم تتمكن من توثيق كل مراكز الاعتقال والاحتجاز التي يستخدمها النظام السوري لمعاقبة معارضيه ولا معرفة وإحصاء عدد سجون الجماعات المتطرفة أو تلك التي تقع في مناطق سيطرة المعارضة المسلحة.