إسرائيل قلقة من أي اتفاق مع إيران لكنها متفائلة بسياسة بايدن

طهران تستعد لرفع العقوبات والتوقيع على الاتفاق الجديد
الرئيس الأميركي جو بايدن، يمين، مع رؤوفين ريفلين، رئيس إسرائيل (غيتي)

تل أبيب:حتى اللحظة، وعلى الرغم من طمأنة الرئيس الأميركي، جو بايدن، للرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، بأن إيران لن تحصل على سلاح نووي، خلال فترة حكمه، ما زال القلق يراود الإسرائيليين من اتفاق مختلف عن سابقه مع إيران، ومع سباق الوقت لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي بتسارع كبير مما يدفع إسرائيل إلى تكثيف كل جهد ممكن لمنعه دون أن تُسقط عن طاولة أبحاثها الإمكانية العسكرية.

اللقاءات الإسرائيلية الأخيرة مع القيادة الأميركية تعكس مدى القلق الإسرائيلي من إمكانية تقدم إيران نحو سلاح نووي وبلورة اتفاق لا يتجاوب مع مطالبها، التي تكرر طرحها منذ ولاية رئيس الحكومة السابق، بنيامين نتنياهو.

ولم يقتصر القلق الإسرائيلي على هذا الجانب، فتحذير ريفلين الرئيس الأميركي من خطر أن تتقرّب دول عربية من إيران، في حال انسحبت الولايات المتحدة من المنطقة، إنما يعكس جوانب أخرى تركز عليها إسرائيل في مجمل أبحاثها للملف الإيراني، وتداعياته على إسرائيل خصوصا، والمنطقة بشكل عام.

وبحسب التقديرات الإسرائيلية فإن بعض الدول العربية التي سبق وعارضت إيران تبحث عن طرق للاقتراب منها، في حال شعرت أن الولايات المتحدة قد تراجعت عن دورها وتدخلها في المنطقة.

في هذه الأثناء لم تنجح جهود القيادة الإسرائيلية خلال لقاءاتها مع بايدن ومسؤولين أميركيين آخرين، في تحقيق الهدف الإسرائيلي بما يتعلق بمضمون الاتفاق، بانتظار اللقاء المزمع عقده قريبا بين بايدن ورئيس الحكومة الإسرائيلية الجديد، نفتالي بينت، على الرغم من أن الإسرائيليين لا يتوقعون أي إنجاز يمكن لبينت تحقيقه من هذه الزيارة، بعد أن قال بايدن كلمته في منع إيران من التوصل إلى سلاح نووي.

الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي (غيتي)

عدم حسم إسرائيلي في وجهة إيران

خلافاً لأبحاث أمنية سابقة، لم يبق الإسرائيليون هذه المرة تقديراتهم الضبابية داخل الغرف المغلقة، التي أجريت فيها أبحاث أمنية وعسكرية حول الملف الإيراني، فأعلنوا أنهم لم يتمكنوا، حتى اللحظة من حسم تقديراتهم حول ما هو متوقع فعله من قبل إيران: اتفاق نووي جديد ورفع العقوبات عنها أم توجه عسكري بما في ذلك تكثيف الجهود نحو التسلح النووي؟

الجهات التي تتوقع اتفاقا نوويا جديدا ترى في انتخاب إبراهيم رئيسي مؤشرا للتوقيع على الاتفاق النووي الجديد- القديم. وتتبنى هذه الجهات تقديرات أميركية بأنه، إلى حين تنصيب رئيسي، ستكون فرصة لاستغلال الفترة المتبقية للرئيس حسن روحاني للتوصل إلى توافقات. لكن من جهة أخرى يرى الإسرائيليون أن من يحسم في موقف إيران ليس روحاني إنما الزعيم الأعلى علي خامنئي.

سواء كان الحاسم في الموقف الإيراني خامنئي أم روحاني بالنسبة للإسرائيليين، فإن إدارة بايدن متحمسة جدا للعودة إلى الاتفاق من دون شروط تقريبا، بما في ذلك التنازل شبه التام عن العقوبات ضد إيران، وفق تقديراتهم.

 

مستقبل المحادثات

 طالما توصل الإسرائيليون إلى قناعة بأن إدارة بايدن نحو التوصل إلى اتفاق، ركزت في أبحاثها وتقاريرها التي عرضها الرئيس ريفلين، ووزير الخارجية، يائير لابيد وقبلهما رئيس الأركان، أفيف كوخافي، أمام المسؤولين الأميركيين، حول الخطر من رفع العقوبات عن إيران وترك مساحة كبيرة لها لتطوير قدراتها النووية. والتوقعات الإسرائيلية أن تشكل تداعيات أي اتفاق لا يضمن القيود على إيران، خطرا ليس فقط على إسرائيل والمنطقة، فقط، بل دول العالم.

بعض التقارير التي طرحها الإسرائيليون على الأميركيين أشارت إلى أن وجهة إيران نحو توقيع الاتفاق وأن إيران بدأت تستعد لهذا التوقيع.

وتضمنت التقارير ما قامت به إيران من تخزين النفط في صهاريج في البحر وعلى اليابسة وفي مخازن تخزين في الصين والهند، بحسب تقرير إسرائيلي أضاف يقول إن التقديرات تشير إلى حيازة إيران كميات من النفط تبلغ 70- 200 مليون برميل، يمكن ضخها للزبائن خلال 10- 20 يوما.  كما أنها زادت بصورة كبيرة إنتاج نفطها لتصدير أكثر من حوالي 2.4 مليون برميل يوميا.

هذه المعطيات، بتقدير الإسرائيليين، مؤشر إلى أن إيران بدأت تستعد لرفع العقوبات عن النفط والتوقيع على الاتفاق النووي الجديد، إلى جانب المحادثات التي تجريها مع مستوردي النفط في الهند وكوريا الجنوبية والصين قبل التوقيع على صفقات نفط جديدة. والنقاشات التي تجريها دول «الأوبك» استعدادا لعودة إيران إلى السوق.

 

تقديرات الاستخبارات غير محسومة

لقد ركزت الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية على بحث مستقبل المحادثات مع إيران ومضمون الاتفاق المتوقع التوصل إليه معها. وظهرت تقديرات مختلفة لمستقبل هذه المحادثات:

-        أحد التقديرات أن إيران معنية بالتوقيع على الاتفاق، لكنها تريد انتظار تسلم رئيسي لمنصبه في بداية شهر أغسطس (آب) المقبل، في محاولة لمنحه إنجازا بهذه الخطوة وبالتالي الحصول على الشرعية الدولية. في هذا الجانب، ترى جهات إسرائيلية أنه إذا تم رفع العقوبات في القريب فإن رئيسي والنظام يمكنهما التمتع بتدفق الأموال النقدية الطائلة التي ستبدأ في ترميم الاقتصاد وجلب المستثمرين الأجانب، مثلما حدث بعد التوقيع على الاتفاق الأصلي.

-        التقدير الثاني هو أن المحادثات بين إيران والدول العظمى قريبة من الانفجار. وحسب هذا التقدير فإن تعيين رئيسي يبرهن على نية إيران طرح طلبات متطرفة في المفاوضات، طلبات لا يرغب المجتمع الدولي في الاستجابة لها.

-        تقدير إسرائيلي ثالث، وهو تقدير يحظى بدعم حتى من شخصيات في المجتمع الدولي، يحذر من مناورة إيرانية مضللة. وحسب هذا السيناريو متوقع أن تقوم إيران، بشكل متعمد، بإبطاء وتيرة المحادثات مع الدول العظمى، الأمر الذي سيؤدي إلى المراوحة في المحادثات لبضعة أشهر. خلال هذه الفترة تنوي إيران تسريع الجهود لتحقيق أهداف مهمة في المجال النووي، وستستخدم هذه الإنجازات كأداة ضغط في المفاوضات، بحسب تقديرات جهات استخبارية إسرائيلية، التي بلورت هذا الموقف بما يتماشى وموقف وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، قبل لقائه نظيره الإسرائيلي، لابيد، الأسبوع الماضي، حيث أوضح أنه إذا لم يتم قريبا تحقيق تفاهمات حول كبح المشروع النووي الإيراني، فإن فترة حصول إيران على سلاح نووي ستنحصر في بضعة أسابيع فقط، حيث ستتمكن من إنتاج كمية كافية من اليورانيوم المخصب بمستوى عال لصالح إنتاج قنبلة نووية واحدة.

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن (الثاني من اليسار) يلتقي بوزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد (يمين) في في أول لقاء لهما، في روما، يوم 27 يونيو 2021 (غيتي)

استعدادات ووسائل تسليح دقيقة

أمام هذا التخبط الإسرائيلي وعدم حسم الموقف من وجهة إيران، حمل المسؤولون الإسرائيليون في جعبتهم للأميركيين، مختلف السيناريوهات المتوقعة من دون أن يتركوا المطلب الذي يطرحه الإسرائيليون في كل مناسبة متاحة لهم أمام الأميركيين وهو المساعدات المالية لتعزيز القدرات العسكرية. وحرص ريفلين، قبل انتهاء لقائه مع بايدن بعرض مطلب الحصول على مساعدة أميركية لضمان تجهيز الجيش الإسرائيلي بقنابل دقيقة التوجيه لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين، ومساعدة مالية إضافية بهدف تحديث الأسلحة الموجودة في حوزة الجيش وتتطلب تحديثات تمكنه من مواجهة السلاح المتقدم المتوقع أن تُواجه به إسرائيل في أي حرب مقبلة.

 

استراتيجية التضليل تقلق إسرائيل

في مقابل الجهود السياسية الإسرائيلية لإعادة جسر العلاقات مع الإدارة الأميركية بعد تشكيل حكومة جديدة، هناك جهات سياسية وأمنية تشكك في مواقف الإدارة الأميركية بل تتهمها بالضبابية. واتهمت جهات إسرائيلية الإدارة الأميركية باستباقها زيارة رئيس الأركان، كوخافي، بحملة تضليل إعلامي، وفق تعبير الإسرائيليين، في محاولة لتشويش نواياها من المفاوضات مع إيران «وتصعيب الأمور على حكومة إسرائيل الجديدة في وضع سياسة واضحة في هذا الشأن. والاتجاه هو أن تضع واشنطن إسرائيل أمام حقائق قائمة دون أن تتمكن من الاحتجاج عليها والتوقع أن تؤخذ تحفظاتها بالحسبان أو أن تتمكن من وضع استراتيجية واضحة خاصة بها، مثلما كان لها، نظريا على الأقل، في عهد بنيامين نتنياهو، وفق جهات إسرائيلية.

هذه الجهات الإسرائيلية، التي لها تأثير في اتخاذ مختلف القرارات، تقدر أن طهران معنية بأن تستغل، بالذات الفترة حتى تنصيب رئيسي، كي تتقدم في أهدافها. والتوقعات أن كل ما تطرحه إسرائيل وشركاؤها في الغرب من تعزيز القدرات الإيرانية من حيث الصواريخ بعيدة المدى، والمساعي الإيرانية للهيمنة، لن توقف التقدم نحو الاتفاق.

واعتبرت هذه الجهات الإسرائيلية، التقديرات الاستخبارية المختلفة- وإلى حد ما المتناقضة- حول نوايا إيران أنها «عندما تستخدم إيران والولايات المتحدة على حد سواء، استراتيجية التضليل فإن صورة الوضع تتشوش وإن كان على الاستخبارات الإسرائيلية، مثل كل استخبارات مهنية، أن تتقدم إلى القيادات ببدائل مختلفة، وهذا ما فعلته، عندما عرضت ثلاثة تقديرات استخبارية».

 

عمل عسكري وقائي

أمام هذه الضبابية في مقابل تفاؤل السياسيين بعد لقاءاتهم المسؤولين الأميركيين لم يسقط أمنيون وعسكريون عن طاولة الأبحاث العمل العسكري. وفي رأيهم حتى وإن توصلت إسرائيل إلى وضع تكون نسبة المفاجآت من الولايات المتحدة «صفرا»، يجب أن يتضمن أي استخلاص لها عملا عسكريا وقائيا، في مقابل تعميق نشاطات «الحرب ما بين الحروب»، التي تديرها إسرائيل تجاه سوريا بقصف أهداف إيرانية وتابعة لحزب الله لمنع استمرار وترسيخ التموضع الإيراني في سوريا إلى جانب تعزيز القدرات العسكرية والصاروخية لدى حزب الله من خلال نقل أسلحة له عبر سوريا.

اجتماع العمل الذي عقد لمناقشة الاتفاق النووي الإيراني وعودة الولايات المتحدة إليه في فيينا، يوم 15 أبريل 2021 (غيتي)

حكومة بينت وإدارة بايدن

لم يخف الإسرائيليون ارتياحهم من التوجه الإيجابي لإدارة بايدن لتحسين العلاقة مع إسرائيل بعد تشكيل حكومة بينت- لابيد. فدعوة رئيس الأركان كوخافي، ثم الرئيس ريفلين ولقاء لابيد ونظيره الأميركي ومن ثم تصريحات بايدن حول أهمية زيارة رئيس الحكومة بينت، القريبة إلى واشنطن، ساهمت في تخفيف حدة النقاش بل التوتر بين الأجهزة السياسية، الأمنية والعسكرية الإسرائيلية خصوصا في الأبحاث المتعلقة بسياسة واشنطن تجاه إيران، على الرغم من المواقف التي تشكك في نوايا الإدارة الأميركية وصدق علاقتها مع إسرائيل.

وما زال صوت هذه المواقف مهيمنا في بعض النقاشات بل إن هناك من يحذر من عدم الخلط بين الشكل والجوهر، بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة تتجه نحو توقيع اتفاق مع إيران، بغض النظر عن المطالب الإسرائيلية، وتريد فتح قنصلية للفلسطينيين في القدس.

لكن وزير الخارجية، لابيد، أوضح أنه «كما تريد الإدارة الأميركية إحداث تقدم مع دول عربية أخرى ومع الفلسطينيين أيضا، نحن نريد بل نسعى إلى ذلك أيضا».

وإزاء الأصوات المحذرة من سياسة بايدن شدد لابيد، بعد لقاء نظيره الأميركي بلينكن، على أن الخلافات مع الولايات المتحدة ستبحث دائما في الغرف المغلقة، وليس في المؤتمرات الصحفية.