بايدن ومشكلة رئيسي

ثمة معلومات تقول إن الإدارة الأميركية تنوي رفع العقوبات عن إبراهيم رئيسي، الرئيس الإيراني المنتخب والمتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. كان الظن أن انتخاب رئيسي سيعقد الأمور والمفاوضات غير المباشرة في فيينا بين الأميركيين والإيرانيين. ولكن يبدو أن لا شيء سيقف بوجه تلك الإدارة لإعادة العمل بالاتفاق النووي الذي انسحب منه الرئيس ترامب. مناظرات وزير الخارجية أنتوني بلينكن حول أهمية وقوف الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب حقوق الإنسان والدفاع عنها التي أتحفنا بها قبل شهرين تقريبا، يبدو أنها لن تنطبق على النظام الإيراني.

من الجدير التذكير بأن العقوبات التي استهدفت إبراهيم رئيسي أتت في إطار سلة عقوبات موجهة إلى الدائرة المقربة من المرشد الأعلى خامنئي. ثم لاحقا تمت إضافة عقوبات على أكبر مؤسسات النظام مثل مؤسسة أستان قدس رضوي، والتي يديرها رئيسي، والتي مولت الرئيس السوري بشار الأسد  في ارتكابه هو الآخر جرائم ضد الإنسانية ما يجعل الرئيس الإيراني المنتخب متواطئاً وشريكاً في تلك  الجرائم أيضاً. هذه الرزمة من العقوبات كما أخرى فرضها الرئيس السابق ترامب أدت إلى نقمة شعبية على النظام الإيراني واحتجاجات اجتاحت المدن الإيرانية اعتراضا على عدم كفاءة هذا النظام وفساده. حزم إدارة ترامب سمح بتصفية الرجل الأخطر في الشرق الأوسط وأمير حروب إيران في المنطقة من سوريا إلى العراق إلى اليمن. كما سمحت سياسة العقوبات القصوى إلى سهولة اختراق إسرائيل للنظام الإيراني ومؤسساته وتعطيلها. مع انتخاب بايدن أصبح هذا من الماضي، لا بل هناك ما هو أخطر، رفع العقوبات عن منتهك لحقوق الإنسان.

الخطر الأول من تلك الخطوة تنعكس على الولايات المتحدة الأميركية نفسها وتعرض مصداقيتها إلى التشكيك في العالم من قبل أعدائها وحلفائها. أولا لتناقض مواقفها بشكل فاضح، واعتمادها معايير مزدوجة ومختلفة بين بلد وآخر مما سيدفع الحليف إلى الاعتماد بشكل أقل على الولايات المتحدة وربما التفتيش عن حلفاء آخرين، أما العدو فسيبادر إلى الاستهزاء بقوة الولايات الأميركية وعدم أخذ تهديداتها على محمل من الجد. الاعتقاد السائد بأن سياسات الولايات المتحدة الأميركية عامة، والخارجية منها خاصة، كانت تعد خمسين عاما إلى الأمام ولا تحيد عن أهدافها بشكل دراماتيكي إن تغيرت الإدارات كما رأينا مع الرئيس السابق أوباما، ومن ثم مع ترامب، والآن مع بايدن لم تعد قائمة. فهذا التغيير المعاكس في التوجهات تحديدا فيما خص الملف الإيراني حصل في أقل من 10 أعوام ومن دون الالتزام بالمراجعة الضرورية لأي تغيير يمكن أن يحصل بالسياسات الخارجية. صحيح أن هذا التغيير  في السياسة الخارجية الأميركية المفاجئ قد يعكس الانقسام الذي يعاني منه المجتمع الأميركي وقد أضيف العالم الغربي أيضا في أكثر من مجال ليست السياسة الخارجية سوى جزء منها. ولكن هذا من شأنه دفع العالم إلى مراجعة نظرته تجاه الولايات المتحدة الأميركية، تماما كما هو حاصل مع مراجعة العالم مبدأ الاعتماد بالكامل على الصين  في الإنتاج والصناعة.

أما الخطر الثاني فهو أن الشعب الإيراني الذي برهن للعالم من خلال مقاطعته الانتخابات الرئاسية أنه معارض بشكل كبير لهذا النظام. فرفع العقوبات عن نظام يضطهد ويقتل شعبه، وهذا ما تسعى إليه إدارة بايدن بقيادة روبرت مالي ومن ثم رفع العقوبات عن شخص ارتكب جرائم ضد الإنسانية تجاه شعبه سيدفع هذا النظام إلى ترهيب الشعب الإيراني أكثر وتيئييسهم بشكل يشعرون معه أنهم متروكون لأمرهم من دون دعم، خاصة وأن حاملي لواء الحرية وحقوق الإنسان يفضلون إرسال نقود إلى قتلة بدلا من دعم الانتفاضة الإيرانية في وجه النظام. إيران ستذهب أبعد أيضا في سياساتها المتبعة في الشرق الأوسط وتفرض سيطرتها بشكل أوضح على البلدان التي تمتلك فيها ميليشيات تأتمر بأوامر الولي الفقيه، مثل لبنان واليمن وسوريا والعراق.

ادعاء مالي لتبرير سياساته المتساهلة مع إيران وهو ممثل أوباما وسياساته الخارجية تجاه إيران ومبعوث الرئيس بايدن الخاص بالشأن الإيراني ومن لف لفه، ادعاؤه أن سياسات ترامب لم تؤد إلى النتائج المرجوة فيما يخص منع الملالي من بناء القنبلة النووية، بل سرّعت العملية،  فضحته الوثائق التي استحوذت عليها إسرائيل من قلب طهران، والتي برهنت على أنه فيما كانت المفاوضات بين إدارة الرئيس أوباما قائمة مع النظام الإيراني، كان الأخير يسعى إلى بناء قدرات وقنبلة نووية ولم يتوقف يوما في اتجاه هذا المسعى.

من الواضح أن سياسات أوباما الخارجية التي تطبقها إدارة بايدن اليوم فيما يخص ملف إيران، والشرق الأوسط بالإجمال، لن تختلف في نتائجها عن تلك التي توصل إليها أوباما والتي كانت سلبية جدا على المنطقة وأبنائها. فمن أجل التوقيع على الاتفاق النووي تغاضى أوباما عن مجازر الأسد بحق الشعب السوري، والنتيجة كانت تهجير ملايين السوريين الذين أصبحوا مشردين وقتل أكثر من مليون ما زال بعضهم يقضي تحت تعذيب جلاديه، ثم كان قبلا تجاهل الثورة الخضراء في إيران عام 2009 وقتل المتظاهرين السلميين من دون أن يرف له جفن، كما عادى الحلفاء الذين كانوا يعانون من سياسات إيران التوسعية، وهذا تماما ما يفعله اليوم بايدن، فهو يتجاهل حلفاءه وبدل أن يدعم مثلا تفاهمات إبراهام بين إسرائيل وبعض دول الخليج ها هو يسعى إلى التقليل من أهميتها واستعادة نفس النهج الذي دأبت عليه الإدارات الأميركية السابقة فيما يخص الصراع الفلسطيني الاسرائيلي والذي لم يؤد إلى أية نتائج ملموسة للشعبين، وهو يقترب أكثر من إيران ومن إعادة العمل بالاتفاق النووي ورفع العقوبات الشاملة عن هذا النظام وإعطائه دورا إقليميا أكبر هو وميليشياته، وهو أيضا بادر إلى رفع العقوبات عن الحوثيين حتى من دون مقابل.

في عهد أوباما- في الشق المتعلق بالسياسة الخارجية- انفجرت حروب وظهرت مجموعات إرهابية وهناك دول لم تعد موجودة على الخريطة، منها: اليمن وليبيا وسوريا.

بايدن لا يحمل جديداً، بل ينفذ أجندة أوباما، ويستعيد التجربة نفسها على أمل الحصول على نتائج مختلفة.