حكومة جديدة للجزائر وسط جدل وانقسام

البرلمان الجديد يعقد أولى جلساته وينتخب رئيسه
الوزير الأول السابق عبد العزيز جراد يسلم مهامه للوزير الأول الجديد أيمن عبد الرحمن

الجزائر: بعد أيام من الترقب، أعلنت الرئاسة الجزائرية أخيراً عن هوّية الفريق الحكومي الجديد، بقيادة وزير المالية الأسبق أيمن بن عبد الرحمن، الذي اختاره الرئيس عبد المجيد تبون لقيادة الحكومة، وتطبيق برنامجه خلفاً للوزير الأول الأسبق عبد العزيز جراد، الذي قدم استقالته بعد الإعلان الرسمي عن النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية السابقة، وفقاً لما يقتضيه الدستور.

 انطلاق التصويت للانتخابات البرلمانية المبكرة في الجزائر

ورغم أن الشارع الجزائري والطبقة السياسية كانت تنتظر أن تحمل قائمة الوزراء الجديدة مفاجآت كبيرة، وتغييراً جذرياً وعميقاً، إلا أن ما حدث لم يعكس التوقعات، فالحكومة الجديدة احتفظت بنحو 16 وزيراً من الحكومة السابقة، لذلك هي برأي البعض لم تعكس آمال الجزائريين في التغيير الحقيقي، باختيار شخصيات كفاءات وتكنوقراط يمكنها أن تواجه المعضلة الاقتصادية التي تواجهها البلاد، بسبب تداعيات كورونا، وانهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية، كما اعتبر مراقبون أن الحكومة لا تعكس نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، وغلب على الفريق الحكومي الطابع الإداري على السياسي.

وبعيداً عن عودة وزير الخارجية الأسبق رمضان العمامرة، ورحيل وزير العدل بلقاسم زغماتي، فإن القائمة لم تحمل مفاجآت كبيرة رغم تواجد بعض الأسماء الجديدة، وتضم التشكيلة 33 وزيراً، وتوصف بأنها حكومة أغلبية رئاسية، شكّلت من كتل نيابية أعلنت دعمها العلني والمباشر للرئيس عبد المجيد تبون، ولبرنامجه الانتخابي، وضمّت القائمة 16 وزيراً جديداً ينتمي أغلبهم لأحزاب السلطة، فيما احتفظ الرئيس تبون بحقيبة وزارة الدفاع.

وحسب ما كشفه الناطق الرسمي للرئاسة بالنيابة سمير عڤون في بيان متلفز فإن الحكومة الجديدة تضم رمضان العمامرة، وهو وزير خارجية سابق في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ويعتبر من مقربيه، وأحد المدافعين عن استمراره لولاية رئاسية خامسة حتى آخر لحظة، لذلك فإن تعيينه خلفاً لصبري بوقادوم الذي يعتبره الجزائريون من أحسن الوزراء السابقين نشاطاً وحضوراً، أثار نقاشاً وانتقادات واسعة. والعمامرة دبلوماسي مخضرم، تولى عدة سفارات وتمرس على العمل متعدد الأطراف لا سيما في أفريقيا، وطرح اسمه في أبريل (نيسان) 2020 لتولي منصب مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا.

وفي المقابل تم تعيين رشيد طبي خلفاً لبلقاسم زغماتي، وشغل طبي العديد من المناصب العليا في سلك القضاء، منها رئيس المحكمة العليا، وكان زغماتي خلال الأشهر الأخيرة قد تعرض للكثير من الانتقادات من طرف نشطاء الحراك، ويتهمونه بالوقوف وراء حملات التضييق والاعتقالات التي تطال نشطاء الحراك الشعبي، وكان يوصف بأنه من أقوى رجالات قائد الأركان الأسبق الفريق أحمد قايد صالح.

في المقابل جمع أيمن عبد الرحمن بين منصبي الوزير الأول ووزير المالية وهو المنصب الذي كان يشغله منذ يونيو (حزيران) 2020، كما أبقى على كمال بلجود كوزير للداخلية، واحتفظ وزير الطاقة محمد عرقاب بمنصبه الذي يشغله منذ فبراير (شباط) الماضي.

وشملت التغييرات عدة وزارات شهدت خلال الأشهر الأخيرة عدة أزمات مثل قطاع البريد الغارق في مشاكل عديدة أبرزها مشكلة السيولة، وقطاع الموارد المائية حيث تعيش العديد من المحافظات الجزائرية أزمة غير مسبوقة في مياه الشرب، كما شهدت العديد من البلدات احتجاجات واسعة بسبب غياب هذه المادة الحيوية، وتعيش الجزائر حالة جفاف غير مسبوقة خلال الثلاث سنوات الأخيرة تسببت في تراجع مستوى السدود لنحو 25 في المائة فقط من قدراتها، ويتهم الجزائريون الحكومة بغياب التخطيط ونقص الاستشراف في هذا القطاع الجد حيوي.

برلمان الجزائر الجديد… المرأة الخاسر الأكبر

وتم تعيين بن عتو زيان وزيراً للانتقال الطاقوي والطاقات المتجددة، خلفاً لشمس الدين شيتور، فيما عيّن العيد ربيقة وزيرا لقدماء المحاربين، وكريم تركي بيبي وزيراً للبريد والمواصلات السلكلية واللاسلكية، ومريم حسني وزيراً للموارد المائية والأمن المائي. وفي المقابل حافظ وزير الاتصال عمار بلحيمر، ووزير التجارة كمال رزيق، ووزير الشؤون الدينية والأوقاف يوسف بلمهدي، على مناصبهم رغم الانتقادات التي تطالهم. ولم تطرأ أيضاً التغييرات على وزراء الرقمنة والاحصاءات والتضامن والأسرة وقضايا المرأة، والسكن والعمران، والصحة والسكان إلى جانب قطاع الفلاحة.

 

رمضان العمامرة أبرز العائدين بحقيبة الخارجية

ورغم أن متابعين كانوا ينتظرون أن تحمل الحكومة الجديدة عدة أسماء محسوبة على الأحزاب التي فازت في البرلمان، إلا أن التواجد الحزبي في التشكيل الحكومي لا تتجاوز نسبته العشرة في المائة، رغم أن الرئيس تبون استبق الإعلان الحكومي بمشاورات شملت كل الأحزاب والتشكيلات التي تمثل البرلمان، وعبر أغلب المشاركين عن رغبتهم في المشاركة في الحكومة ما عدا حزب حركة مجتمع السلم المحسوبة على الإخوان المسلمين، والتي أعلن رئيسها عبد الرزاق مقري بعد اجتماع المجلس الشوري عن رفض حزبه المشاركة في الحكومة الجديدة، مؤكداً أنه يريد المشاركة في الحكم وليس الحكومة، وكشف مقري في ندوة صحافية عقدها بمقر حزبه في المرادية أن الرئاسة عرضت عليه نحو خمس حقائب وزارية، لكنها لم تحدد هذه الوزارات، وبالمقابل اشترطت عليهم الرئاسة إرسال قائمة تضم خمسة وعشرين اسما تختار منهم الرئاسة من تشاء، الأمر الذي اعتبره مقري وأعضاء حزبه غير مقبول ولا يمنح الحزب حرية اتخاذ القرار، واعتبرت أن تواجدها سيكون شكلياً فقط دون أي تأثير على قرارات الحكومة. وبالمقابل سقط اسم الهاشمي جعبوب كوزير للعمل والتشغيل، وخلفه عبد الرحمن لحفاية، وجعبوب كان نائب رئيس حركة مجتمع السلم، وشكل موضوع استوزاره جدلاً واسعاً على اعتبار أن حزبه كان مقاطعاً للسلطة، لكنه ضرب عرض الحائط قرارات حزبه، وقرر المشاركة في الحكومة، ويعتقد مراقبون أن جعبوب دفع ثمن تصريحاته كشخصية رسمية ضد فرنسا، حينما أكد أن «فرنسا هي العدو التقليدي والدائم للجزائر».

خبير اقتصادي لـ«المجلة»: تعافي أسعار النفط لا يحل مشاكل الاقتصاد الجزائري

الحكومة الجديدة أعلن عنها الناطق الرسمي بالنيابة للرئاسة

وكان الرئيس تبون وعد خلال تعديل وزاري جزئي في مارس (آذار) الماضي بإجراء تغيير حكومي جذري وعميق بعد أول انتخابات برلمانية تنظم في البلاد بعد الحراك الشعبي في 22 فبراير 2019، أنهى حكماً للرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة دام عشرين عاماً، لكن الاقتراع الذي شهدته البلاد في الثاني عشر من يونيو الماضى شهد عزوفاً شعبياً واسعاً، ولم تتجاوز نسبة الاقتراع 23 في المائة، وفازت الأحزاب الموالية للسلطة بأغلبية المقاعد البرلمانية.

وفي المقابل حملت الحكومة خمس وزيرات، اثنتين منهن يتقلدن المنصب لأول مرة، حيث تم تعيين سامية موالفي عن حزب جبهة التحرير الوطني كوزيرة للبيئة، وهي التي فازت بمقعد برلماني عن محافظة بجاية التي شهدت أكبر نسبة مقاطعة بلغت 99 في المائة. وعينت في وزارة الثقافة وفاء شعلال وهي عضوة في حزب التجمع الوطني الديمقراطي وهو ضمن أذرع السلطة، كما جاء ضمن الطاقم الحكومي الجديد كل من كوثر كريكو وزيرة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة التي حافظت على نفس الحقيبة الوزارية التي كانت تتقلدها خلال حكومة عبد العزيز جراد. كما حافظت المحامية بسمة عزوار على منصبها في الحكومة الجديدة بصفتها وزيرة للعلاقات مع البرلمان، وهي التي كانت ضمن نواب حزب جبهة المستقبل في الغرفة السفلى للبرلمان.

ومثلما كان متوقعاً أثار إعلان التعديل الحكومي نقاشاً واسعاً وبينما يعتبره الموالون للسلطة على أنه تعديل هام، ويحمل بشائر الجزائر الجديدة، ويبررون ذلك بالقول إن الحكومة يغلب عليها الطابع التقني على السياسي، على اعتبار أن الكثير من الوزراء مسارهم المهني إداري تدرجوا في سلم الوظيفة في مؤسسات الدولة، ولهم من الخبرة ما يمكّنهم من مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه الجزائر خاصة في الجانب الاقتصادي والمالي. في حين يرى المعارضون للسلطة أن الحكومة لم تحمل أي جديد، بل هي من مؤشرات استمرار نظام الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة، ودليل ذلك تواجد عدة أسماء كانوا وزراء في مختلف الحكومات المتعاقبة خلال فترة حكمه ما بين 1999 و2019.

الدكتور وخبير علم الاجتماع السياسي نور الدين بكيس وفي منشور عبر صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي وتحت عنوان «الحرب النفسية» علّق على الفريق الحكومي بالقول «بعد الإعلان عن هوية الوزير الأول وطاقم الحكومة يتأكد مليا أن النظام لا يريد التغيير، وأنه يخوص حربا نفسية ضد فئات واسعة من الشعب ليثنيها عن التفكير في التغيير ناهيك عن محاولة التغيير، وبالتالي بالرغم من كل القرارات الخاطئة المقصودة فإن معركة التغيير في الجزائر في السياق الحالي هي معركة نفسية تحتاج الى أصحاب همم عالية وذكاء سياسي واجتماعي قادر على تجاوز ما يبثه النظام يوميا من إحباط ويأس بإعادة الجزائريين للاستقالة بعد لحظة صحوة».

حركة مجتمع السلم الإخوانية رفضت المشاركة في الحكومة

وفي حديثه لـ«المجلة»، يتساءل الباحث في مجال العلوم السياسية الزاوي رابح عن الدور السياسي المرتقب مستقبلاً للسياسيين في الجزائر، على ضوء الحكومة الجديدة التي قال عنها إن تسعين في المائة منها إدارة وعشرة في المائة سياسيون. ويوضح ذلك بالقول «على الرغم من أن البلاد تعاني من أزمة سياسية حادة منذ أشهر، يميزها عزوف واسع للجزائريين عن مواعيد السلطة المتمثلة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية التي نظمتها بداية من رئاسيات 2019، مرورا بدستور 2020 وصولاً إلى برلمانيات 2021، وأهم ما يطبعها أزمة الثقة الكبيرة بين الشعب وسلطته، مع أوضاع اقتصادية مقلقة ومتأزمة، وأوضاع اجتماعية معقدة، مع مجموعة أزمات خارجية محيطة بالبلد تتطلب تحركات دبلوماسية واسعة لتحقيق مصالح سياسية ملحة، مع جلب استثمارات خارجية لإنعاش اقتصادي يعيش أوضاعاً متأزمة، إلا أن الحكومة جاءت بجسد إداري بيروقراطي تقني، أضيفت له بعض التوابل السياسية التي تعد على الأصابع أنتجت تشكيلة» هي برأيه «مخيبة للآمال»، ويتابع قائلا: «هذه التوابل السياسية هي لأربعة أحزاب تشكل تحالفا رئاسيا غير معلن مع كتلة الأحرار، تعادل بأرقامها النيابية الأغلبية المطلقة في البرلمان، أين سارعت في وقت سابق بمباركة خطوات الرئيس في الإعلان عن حكومة سياسية انتهت بتقديم السير الذاتية لمصالح رئاسة الجمهورية».

خبير اقتصادي: الدينار الجزائري يتكئ على أسعار المحروقات والحل بإجراء إصلاحات اقتصادية

الرسالة التي يجب أن يدركها الجميع ابتداء من فبراير 2019، وخاصة بعد مبادرة الحوار الوطني «عين البنيان» وفرض مسار12/12 بعدم فتح أي ورشات للحوار، والتقويم لغاية إعلان حكومة اليوم، حسب حديثه هو أن «صاحب القرار في النظام الجزائري يخشى ويتفادى أي تماس وتعاون مع السياسيين، وآخر اهتمامه هو ممارسة الناس للسياسة والشأن العام. حيث يعتبر العمل السياسي خطرا على وجوده ومتعبا في إقناعه وغير قادر على ترويضه». فلا يمكن أن يتابع «إعادة تجربة بوتفليقة السياسي المحنك الذي سحب البساط من الذين جاءوا به ووجهها لشخصه فقط، فخلال عشرين سنة من المعاناة ومحاولة المشاركة بالقرار لم يستطع أي جهاز من التدخل في قرارات بوتفليقة الذي أذاب دولة بكاملها في شخصيته النرجسية». وإن كان يبدو بوتفليقة؛ يضيف: «سيئ الذكر لدى ملايين الجزائريين إلا أنه سياسي من طينة الكبار في تطويع القوى التي تحكم من خلف الكواليس دون مواجهة الجماهير. لقد أضعف قدراتهم وأعادهم إلى أدوارهم بعيدًا عن السياسة التي يرغبون في ممارستها دون غيرهم». لهذا، تجد صُناع القرار بالبلد برأي الزاوي «يخشون من السياسي ولا يرغبون في ظهور سياسيين بعيدًا عن أعينهم أو من خلال أحزابهم خارج أدوات التحكم لديهم».

العلاقات الجزائرية الفرنسية بين المدّ والجزر

الحراك وفق تقديره «كان يمكن أن يكون شعلة لنشوء نشطاء وسياسيين يمكن التدافع فيما بينهم مستقبلا، ويجعل باقي الأجهزة الإدارية والأمنية تقوم بأدوار تَحُد من تدخلهم في العمل السياسي، مثلما حدث في إسقاط القوائم الانتخابية قبل بداية التشريعيات، أين أسقطت أسماء بجرد ملاحظات بيروقراطي قلبه مليء بالغيرة من شاب ناجح له مستقبل سياسي».

البرلمان الجديد يعقد أولى جلساته الرسمية

العمل السياسي الحزبي برأي الزاوي أصبح «تحت إكراه شديد وبالغ الصعوبة، حيث لا يمكنه التدخل في توسيع دائرة الحريات عبر ممارسة معارضة مسؤولة بالبرلمان والشارع، ولا يمكنه المشاركة في موائد السلطة لصناعة قصص نجاح في التنمية تُعيد بصيص الأمل للممارسة السياسية». إن السياسي.. يختتم قوله: «مخيف للبيروقراطي وغير مؤتمن السلوكيات بالنسبة لصانع القرار، حتى وإن كان متعاونًا مثلما كان الأمر مع سياسيي الجيل الأول والثاني. لذلك يُفضل الآن شخص تقني التكوين وإداري الثقافة، تحت اسم حكومة تكنوقراط وبحسب قنوات الأجهزة حكومة الكفاءات لتبرير ما لا يبرر».

إلى ذلك، عقد البرلمان أمس الخميس أولى جلساته بحضور النواب المنتخبين في أول انتخابات برلمانية تشهدها البلاد بعد الحراك الشعبي، وشهدت الجلسة انتخاب رئيس جديد للبرلمان، وهو المنصب الذي ترشح له اثنان من النواب هما: إبراهيم بوغالي النائب عن محافظة غرداية جنوب الجزائر، والمترشح عن قائمة مستقلة، ويحظى بدعم غالبية نواب البرلمان، من نواب القوائم المستقلة، ونواب حزبي جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وحزب حركة البناء، والمرشح أحمد صادوق رئيس الكتلة البرلمانية لحزب حركة مجتمع السلم.

إقرأ أيضاً:

خبير اقتصادي لـ«المجلة»: تعافي أسعار النفط لا يحل مشاكل الاقتصاد الجزائري

عضو مجموعة 22 لـ«المجلة»: الحل في الجزائر يبدأ بحوار وطني وإطلاق سراح معتقلي الرأي


مقالات ذات صلة