أبو مازن لـ«المجلة»: لم ينته عدائي مع إسرائيل

من نادل.. إلى بلّاط.. فإداري.. فمهندس للسلام
الكتابة تأخذ جزءا هاما من حياته
أبو مازن لحظة التوقيع على اتفاق واشنطن
من أرشيف المجلة
من أرشيف المجلة
أرشيف المجلة

كان حلم محمود عباس (أبو مازن) أن يصبح مهندسا. لكن ظروفه الاجتماعية وإرتباطه بالثورة الفلسطينية منذ بداياتها حالت دون تحقيق أمنيته، والآن يقول أبو مازن إنه حقق شيئا مهما في حياته بإنجاز اتفاق أوسلو، ولا شك أن لقب «مهندس الاتفاق» يثير فيه الشعور بالاستمتاع في تحقيق حلمه أن يكون مهندسا، والمتتبع لسيرة هذا الرجل، الذي جاوز العقد السادس من عمره بقليل، يلاحظ أنه كان باستمرار في قلب القضية الفلسطينية وأحد صانعي مسيرة منظمة التحرير الفلسطينية، لكنه ظل يعمل بهدوء وداخل «المطبخ السياسي»، كما يقال، إلى أن جاءت أوسلو فسلطت الأضواء عليه وكشف النقاب عن خيوط اتصال حاكها الرجل منذ عقدين مع شخصيات يهودية وإسرائيلية يعتبرها من أنصار السلام. وتوزعت حياة أبو مازن بين ستة مدن: صفد (مسقط رأسه شمال فلسطين) ودمشق وعمان وبيروت والدوحة وتونس. ولكل مدينة قصتها وسيرتها، لكنها تتقاطع في قصة أبو مازن المليئة بالأحداث والتقلبات والذكريات. فقد تنصل من مهنة نادل في مطعم إلى مسؤول في الإدارة القطرية، فـ«مهندس» السلم الذي انتهجته منظمة التحرير.

وفي المقابلة التى أجرتها معه «المجلة» في الرباط، تحدث أبو مازن عن تفاصيل حياته الشخصية وعلاقاته العائلية.. ومع أقرب الأصدقاء من أبناء جيله كالشهيد أبو إياد.

هو شخصية «بيتوتية» يحب المكوث في البيت مع أفراد الأسرة، ويكتب كثيرا، لكنه لا ينشر إلا القليل. وتحدث أبو مازن عن رأيه في المرأة والفن ومتع الحياة..

عباس: لن نقبل بإجراء الانتخابات الفلسطينية العامة بدون القدس

* ماذا تطلقون على هذا الإناء الذي تأخذه معك دائما، لإعداد قهوتك؟

- نسميها «الغلاية» أو «الدلة»

 

* ما هي قصتك معها؟

- مارست التدخين 40 سنة، والمدخن دائما يرافقه فنجان القهوة، سيما أن أعمالنا كانت تتم في الغالب ليلا، ولذلك كانت احتياجاتنا للقهوة ضرورية للسهر. والسجائر والسهر دائما تتطلب القهوة، لكننا نذهب، أحيانا إلى بلدان لا نجد فيها قهوة «مضبوطة»، ومرتبة بالكيفية التي نريد، فلا تحتوى على الهيل مثلا، وهي مادة لا نجدها عندما نكون في دول شمال أفريقيا وأوروبا، فاضطررت أن آخذ معي السخان والغلاية والقهوة لإعداد القهوة حيثما كنت.

 

* وأخذتها معك إلى أوسلو؟

- لنكن دقيقين. أنا لم أذهب إلى أوسلو للتفاوض، وإنما كنت أشرف على العملية من تونس، أي ليس مباشرة من أوسلو، لأن ذهابي إلى العاصمة النرويجية كان سيلفت الأنظار كثيرا خصوصا في الأيام الأخيرة للمفاوضات السرية عندما بدأت هذه الأنظار تتجه إليها، وبدأت بعض الأوساط الصحافية في أوروبا وأميركا وإسرائيل تثير الموضوع، وبدأت تشتم رائحة حوار إسرائيلي- فلسطيني وتتوقع وجوده أحيانا في النمسا أو سويسرا. وورد ذكر أوسلو أيضا. وكنا حريصين على عدم كشف الأمر وأسماء أعضاء الوفد، من خلال اعتماد طرق متعددة للسفر وعدم تجمع أفراد وفدنا ضمن خط أو رحلة واحدة، إلى أن تم الكشف عنه بعد التوقيع بالأحرف الأولى.

القضية الفلسطينية بين الاستقلالية وتعدد التبعية

* وما هي رحلاتك التى اضطررت فيها للتنكر؟

- لم يحدث ذلك، وكل البلدان التي زرتها كنت أذهب إليها بصفة معلنة.

 

* بعد انخفاض نشاط مكتب منظمة التحرير في تونس، وانتقال الرئيس ياسر عرفات وعدد من القيادات إلى غزة، كيف أصبح نشاطك؟ وكيف تملأ وقت فراغك؟

- شخصيا ليس لدي وقت فراغ. وباستمرار سواء في بيروت أو دمشق أو في عز وجود الثورة في تونس، كان لدي إضافة إلى مسؤوليتي في المنظمة و«فتح» وقت هام أخصصه للكتابة والقراءة بل إن معظم كتاباتي كانت في الأسفار.

 

* إذا كانت صلتك بالكتابة يومية فلماذا لم ينشر إلا القليل؟

- صحيح، أنا أكتب ولا ينشر إلا القليل، وربما تستغرب إذا قلت لك إن لدي 40 ملفا، كل منها يتكون من 250 صفحة تمت صياغتها وطباعتها حول مجريات الأمور الفلسطينية العربية منذ 15 سنة.

 

* قرابة 10 آلاف صفحة لم ينشر منها إلا نذر قليل؟

- كلها موجودة، ولم تنشر ولن تنشر الآن. منها مؤلف لم ينشر حول مسيرة الثورة الفلسطينية منذ البدايات من الأربعينات إلى يومنا هذا. ومؤلف ثان يتضمن الجزء الأكبر من مفاوضات أوسلو لم ينشر بدوره. ولدي كتاب آخر جاهز تقريبا لكن ليس للنشر وإنما ليوضع في الدرج، وأتطرق فيه إلى مسيرة السلام «بين التوقيع والتطبيق»، ويتضمن تحليلا لأهم العقبات والصعوبات.

 

* لماذا لا تنشر مؤلفاتك؟

- لأن الوقت غير مناسب. ولا ينشر كل ما يستطيع كتابته شخص مثلي مطلع على أسرار وقضايا.

 

مذكرات القادة

 

* لماذا لا يفضل القادة الفلسطينيون كتابة مذكراتهم وهم أحياء؟

- شخصيا، أعتقد أنه ليس من الضروري نشر المذكرات عندما يكون الإنسان ممارسا للعمل السياسي، وليس ضروريا أن تنشر المذكرات وهو حي، لكن يمكن أن تكون جاهزة، وبالنسبة لي ما كتبته ليس مذكرات أو يوميات، وإنما تحليلات وقراءة للواقع العربي والفلسطيني في أهم تاريخ الثورة الفلسطينية، وقد لا تكون مرتبة زمنيا وإنما في إطار مواضيع وقضایا. ویمکنني نشرها متی رأیت الوقت مناسبا لذلك.

الرئاسة الفلسطينية: لا سلام بدون إقامة دولة مستقلة

* تغيب عن الساحة العربية بعض التقاليد المعتمدة لدى الساسة والقادة الغربيين كتنظيم لقاءات ومقابلات مع صحافيين تتركز حول مرحلة معينة أو أحداث هامة؛ فهل مرد ذلك إلى افتقادنا مناخ الحرية أو غياب هذه التقاليد؟

- إنها تقاليد مفقودة في الساحة العربية بشكل عام، والأسباب عديدة، منها مسألة الحرية، وانعدام الأعراف والتقاليد السياسية والإعلامية المتقدمة. وكان الأخ الشهيد أبو إياد قد قام بتجربة في كتابه «فلسطيني بلا هوية» وأعتقد أنها كانت المرة الأولى والأخيرة في الساحة الفلسطينية عندما استدعی إريك رولو وأعطاه مذكراته وكتبها هذا الصحافي بطريقته الخاصة.

 

* نشأت في مدينة صفد (شمال فلسطين) وهاجرت سنة 1948 إلى دمشق ومنها إلى مناطق أخرى، منها بيروت وتونس. فماذا يربطك بصفد الآن؟

- تربطني بها أشياء كثيرة. أولا الذكريات، وأنها مسقط رأسي وحنيني إليها كبير، وذكريات طفولتي، وأملاكي وأملاك أهلي الموجودة فيها. صحيح قد لا أستطيع زيارتها والعيش فيها، لكنني لا أستطيع نسيانها.

نتنياهو: نرفض بشدة الضغوط لمنعنا من البناء في القدس

* هي مدينة جبلية فهل أخذت منها وضوحك وصراحتك المحرجة أحيانا؟

- تعتبر صفد أعلى مدينة جبلية في فلسطين وتقع على جبال الجرمق وتعد من أهم المصايف في فلسطين، وتكون فصولها الأربعة واضحة تمام الوضوح: الربيع ربيع والخريف خريف والصيف صيف والشتاء شتاء أما عن وضوح الرؤية لدي فلا أعلم إن كنت استمددته منها. وشخصيا لا أستطيع أن أقول عن نفسي إنني واضح، وإنما يتولى الناس الحكم علي.

 

* صراحتك تكون محرجة أحيانا؟

- تربيت على هذه الأمور ولا أحب اللف والدوران، ورغم أنني اشتغلت في السياسة طويلا وكان علي أن أتعلم شيئا من الدبلوماسية، لكن في وضعنا الدبلوماسية لا تنفع. ولا بد من قدر من الصراحة والوضوح مع النفس ومع الآخرين وعدم الوضوح يترك المجال للكذب والنفاق والتدليس، وهذا لا يصلح ولذلك أفضل قول كلمة صريحة ويعذرني الناس، على قول كلمة غير صريحة يلومني عليها هؤلاء في المستقبل.

 

* هناك مثل يقول إن حياة المدن تعلم صاحبها المراوغة، أما حياة البراري والجبال فتجعل صاحبها واضحا ومباشرا. ألا يبدو الأمر في حالتك كرجل مفاوضات مفارقة حقيقية؟

- الوضوح والصراحة موجودان والطرف المقابل يحترم وضوحك وصراحتك مهما كان الاختلاف بينكما، مثلا كنا نرسل تعليمات محددة إلى الوفد في أوسلو، وكانوا يعرفون أنها صادرة عن أبو مازن لأنها واضحة جدا ولا لبس أو غموض فيها. يعرفون أن ما قلته هو أقصى ما يمكن قوله وأقصى ما يمكن فعله ولا شيء، وراءه، فيضطرون للقبول به أو رفضه مباشرة. واعتدت على الكلام بصراحة وصدق حتى مع العدو، ولا أحب الكذب، والرسول صلى الله عليه وسلم لم ينه عن شيء، أكثر مما نهى عن الكذب، لأنه مصدر كل شيء، فهو يضر بصديقك ويوقع عدوك في الغلط. أما إذا كنت صادقا معه فيزيد احترامه لك.

 

* لكن للصراحة والصدق محاذيرهما، كيفما كان المخاطب؟

- هناك فرق بين الصراحة والوقاحة، والإنسان عندما يكون صريحا يستعمل أسلوبا حديثا حسب الزمان والمكان، وللوقاحة أيضا زمانها ومكانها، فيمكن أن يكون لي رأي مع مسؤول عربي ما، أقول ذلك في الخارج کي لا يتحول إلى إحراج ووقاحة. ليس من الضروري قول كل شيء، لأنه من المستحيل البوح بكل طموحاتنا. وكل ما في الأمر هو التعبير عن الأمور بوضوح مع الطرف الآخر قلنا نريد السلام فعلا ووفق حدود معينة هي القرار 242 مثلا، وليس في نيتي أن ألعب مع مفاوضي. لكن عليه أن لا يلعب علي من جانبه.

اليهود الإيرانيون في إسرائيل: زيارة الوطن الأم أملٌ صعب المنال

مقتضيات السرية

 

* وكيف توفقون بين مقتضيات السرية في عدد من القرارات والمبادرات والتعامل مع القاعدة والأطر في «فتح» أو «المنظمة»؟

- لقد خلق لي هذا الموضوع متاعب كثيرة مع القواعد. فأنا لست مؤمنا بمقولة مصارحة الناس إذا كانت في غير وقتها أي إنني أميز بين أن أقول للناس بأنني أعتزم التفاوض مع الإسرائيليين حول النقاط التالية، وبين أن أخبرهم بالنتائج بعد عملية التفاوض، وشخصيا أفضل العمل بسرية. وعندما تصل الأمور إلى نتيجة محددة فعلي آنذاك أن أكون صريحا مع زملائي وإخواني والناس بصورة عامة، ولا أخدعهم في الصغيرة أو الكبيرة. واستعملت هذا الأسلوب في مفاوضات أوسلو والتزمت التزاما مبدئيا لكنه شخصي ولا يلزم الآخرين وقلت لهم: هذا ما توصلت إليه بأمانة، فإذا قبلتموه أهلا وسهلا وإذا رفضتموه فأنا من سيقول إننا نرفضه. وحتى الآن لم أحمل النصوص أكثر مما تحتمل، ولم أقل إننا أتينا بدولة فلسطينية مستقلة مثلا أو إننا أخذنا وعودا معينة. وهي غير موجودة في الواقع، لأنني لا أحب خداع الناس.

 

* وعندما يلجأ الطرف الآخر إلى كشف الأمور قبل أوانها فكيف يكون تعاملك؟

- من جهتى وواجبي أن أقول الصحيح فقط، والطرف الآخر حر ليقول ويكشف ما يريد وكفلسطينيين التزمنا طوال المفاوضات أسلوب السرية التامة ولم تخرج من جانبنا كلمة واحدة.

 

* رغم أن الجانب الإسرائيلي كان يتهم الفلسطينيين بإفشاء الأسرار؟

- كانوا يقولون دائما إن الفلسطينيين لا يمكنهم الاحتفاظ بسر واحد. لكن مفاوضات أوسلو بينت العكس، وتسربت المعلومات من جانبهم. لقد التزمنا السرية، إلى أن جاء الوقت المناسب وعقد المجلس المركزي الفلسطيني بحضور ألف شخص تقريبا بين أعضاء (250) ومشاركين جاءوا من داخل الأراضي المحتلة، وقلت لهم صراحة نحن توصلنا إلى النتائج التالية دون خداع فإما أن تقبلوها أو ترفضوها. قدمنا لهم الأمر غير منجز وإنما بداية الطريق وعليهم مواصلته وبذل جهد كبير للوصول إلى الهدف. أما الحديث عن إخفاء المفاوضات فلا معنى له لأنه إذا لم نخف المفاوضات فلن تكون مفاوضات أصلا، ولهذا فالسرية ضرورية.

 

* متى كان زواجك بالسيدة أمينة؟

- تزوجت ابنة خالي أمينة خالد فانوس، وهي من أسرتي في صفد، وقبل خروجنا سنة 1948 كان أخي الأكبر قد تزوج أختها الكبري وتزوجت أنا أمينة. ثم تزوج أخي الأصغر أختها الصغرى وفي أسرتنا نفضل الزواج ممن نعرفه ونعرف ظروفه الاجتماعية وإذا كانت الزوجة من أقرباء الزوج فهي تتحمله في كل الظروف، وهاجرت معي إلى دمشق واشتغلت سنتین.

 

* حصلت على درجة الدكتوراه، فكيف كانت مسيرتك الدراسية؟

- لم أدخل المدارس كالأطفال، وإنما اعتمدت على نفسي ودرست في المنزل وحصلت أولا على شهادة الكفاءة. وقبلها اشتغلت عاملا يوميا في مجال تبليط الأرض، كما اشتغلت نادلا في مطعم وعندما حصلت على الإعدادية عملت مدرسا، وحصلت على شهادة الثانوية وأنا أشتغل. ثم انتسبت إلى الجامعة (كلية الحقوق) وأنهيت السنتين الأولى والثانية في جامعة دمشق سنة 1956 لألتحق بالكلية العسكرية السورية ولكنهم تراجعوا في ما بعد (بشهر واحد) وأخرجوني منها، وكان لدي آنذاك إحساس بأن خدمة الوطن عن طريق العمل العسكري أفضل، وكنا نقوم بتنظيم مجموعات سرية، ودخلنا الكلية العسكرية سنة 1954 باسم تنظيم سري.

 

* ماذا کان يطلق عليه ومن کان معكم؟

- كان يطلق عليه جماعة أبناء فلسطين وكنا مع مجموعة من الشباب الفلسطينيين مشتركين في تنظيمه. وكان معنا شاب يدعی محمود المغربي، أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء في ليبيا في أولى حكومات عهد الثورة الليبية. وهو فلسطيني من مدينة حيفا ومن أصل مغربي، وله قصة طويلة، إذ هاجر إلى ليبيا سنة 1967 ودخل السجن، وعندما خرج من السجن عين رئيسا للوزراء.

 

* وعندما تركت الكلية العسكرية؟

- تركت الكلية العسكرية سنة 1956، وعدت إلى الجامعة للدراسة وإلى المدرسة للتدريس. وقبل تخرجي بسنة واحدة، تعاقدت سنة 1957مع وزارة التربية في دولة قطر للتعليم هناك. وتخرجت سنة 1958 وتزوجت، وأقمت في قطر حتى 1969.

 

التفرغ للمنظمة

 

* ومتى تفرغت لمنظمة التحرير؟

- غادرت قطر والتحقت بالثورة وعشت متفرغا حتى 1982 عندما أتيت إلى تونس.

 

* يقال عنك إنك رجل بيت وتقضي مع أفراد الأسرة وقتا طويلا، فهل يفسر هذا الوضع ميلك إلى العمل في المطبخ السياسي؟

- في البيت لا أدخل المطبخ إطلاقا ولا أعرف الطبخ وهي مهمة تتقنها زوجتي كل الإتقان، أما المطبخ السياسي فأمر مختلف وأنا فعلا رجل «بيتوتي» ولا أسهر في المطاعم أو الملاهي وقليلا ما أرغب في الخروج ليلا وأحب أن أكون دائما قريبا من أبنائي وزوجتي ليشعروا بوجودي في البيت. وأنا حريص على تربيتهم بالتعاون مع زوجتي تربية صالحة ولست من النوع الذي يحب أن يعيش في بلد فيما زوجته وأبناؤه في بلد آخر إلا إذا تعلق الأمر بالدراسة أو العمل.

 

* وعندما تقوم بمهمات عمل لفترة معينة، كيف يكون الأمر؟

- قمت بمهمات أحيانا لمدة أسبوع أو شهر. لكني اعتدت الإقامة في بيتي مع الأسرة باستمرار، وحتى عندما كانت المنظمة في بيروت کنت أشارك في کل الاجتماعات وأعود إلى دمشق حيث تقيم الأسرة.

 

* ألم يعرضك ذلك للمخاطر الأمنية أحيانا؟

- نعم عدة مرات. ومع ذلك ظللت أفضل السفر والعودة إلى البيت.

 

* کيف يرى أبو مازن القيادة؟ هل هي زعامة ونجومية أم تسيير وضبط ولو كانت بعيدة عن الأنظار؟

- القيادة إدارة صحيحة للناس والأشياء. وإذا لم يكن القائد لديه حس إداري صحيح، فسيكون فاشلا دون شك لأن القيادة ليست خطابات ومظاهر وعنتريات وإصدار الأوامر الفارغة في كل وقت.

 

* ولذك لا تحب الأضواء والزعامة؟

- فعلا لا أحب الأضواء. ولأن الزعامة تحتاج إلى الأضواء فأنا لا رغبة لى فيها ولست ميالا لأكون زعيما جماهيريا وربما الزعامة لا تلائم تركيبتي الشخصية.

 

اتفاق واشنطن

 

* كانت موافقتك على توقيع اتفاق واشنطن في آخر لحظة، فهل كان ذلك رغبة في الابتعاد عن الأضواء أم

لاعتبارات أخری؟

- قمت بمحاولات لإقناع الأخ فاروق القدومي (أبو اللطف) ليذهب إلى واشنطن ويوقع الاتفاق باعتباره وزير خارجية، سيما أن الموقع في الجانب الآخر كان وزير خارجية إسرائيل شيمعون بيريس. لكنه رفض، ولذلك وجدت نفسي مضطرا للذهاب إلى واشنطن ولم يكن ذلك رغبة أو حماسة كما لا يعني ذلك أنني رافض أو معارض وإنما كنت أتمنى فقط أن يؤدي أي كان المهمة.

 

* وهل أنت من المهتمين بالتفاصيل؟

- لا أحب التفاصيل ولا أحب مناقشتها. ورأيي أن على المسؤول أن لا يهتم بالتفاصيل، وإنما يتركها لمن ينفذ. وإلا لما بقي أحد يعمل معه.

 

* منذ بداية دراستك إلى أن حصلت على الدكتوراه لم تكن طالبا فكيف كان تحصيلك العلمي؟

- نلت درجة الدكتوراه قبل 14 سنة، بمجهودي الخاص دون اعتماد على الدروس في الجامعة وذلك نتيجة ظروفي الاجتماعية والاقتصادية التي لم تكن تسمح لى بالتفرغ لهذا الحقل فكان لا بد من الجمع بين الدراسة والعمل، ومنذ 1948 لم أتوقف عن العمل وحصلت على الإعدادية والثانوية والإجازة والدكتوراه وأنا أعمل، ولا أذكر أنني عشت حياة الطالب ولو ليوم واحد، وعندما كنت في قطر عملت مديرا لشؤون، الموظفين في وزارة التعليم، ومارست آنئذ ما حصلته في مجال القانون وشاركت في تأسيس وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في قطر، كذلك الغرفة التجارية. وكنت خلال الخمسينات قريبا من حاكم قطر (الحالي) الشيخ خليفة، ونظرا إلى قلة المؤهلين علميا في قطر آنذاك تم تعييني في وظائف متعددة في الدولة.

 

* هل تعتقد أن تكوينك القانوني أثر في حياتك السياسية؟

- نعم، ولا شك أن دارس القانون يتميز بالصرامة في كل شيء: الإدارة والسياسة والمالية لكنها صرامة في حدود القانون أو المبدأ، ولا مرونة إلا خارج إطار المبدأ.

 

* وما هو المغزي من اختيارك الآيديولوجيا الصهيونية كموضوع لرسالة الدكتوراه وفي مجال تاريخي وفلسفي؟

- كان موضوع الرسالة في اختصاص فلسفة التاريخ وحول العلاقة السرية بين ألمانيا النازية والحركة الصهيونية ونشرت في ما بعد كمؤلف. وكسياسي، كان علي أن أشتغل في حقل التاريخ لأوضح الكثير من قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، وتركز جهدي على دراسة ومناقشة موضوع الحركة الصهيونية وعلاقتها بالمحيط الدولي من جميع النواحي وأصدرت 12 كتابا حول هذه الحركة ضمن سلسلة لتوضيح الرؤية الفلسطينية والعربية إزاء إسرائيل والصهيونية، ومع الأسف وضعنا كعرب حدودا ليس فقط حول إسرائيل وإنما حول معرفتها، وعندما بدأنا الحرب مع إسرائيل لم نكن نعرف ما هي إسرائيل. ومعظم الذين اشتغلوا في العمل الفلسطيني السياسي والعسكري، وبعضهم حتى الآن، لا يعرف إلا القليل عن الحركة الصهيونية وإسرائيل والمجتمع الإسرائيلي ومراكز قوته، والتباينات داخله، وهو فراغ حاولت ملأه من خلال هذ العمل الأكاديمي.

 

* هل ساهمت معرفتك بإسرائيل والحركة الصهيونية في التخفيف من عدائك لها؟

- العداء يكون نتيجة مطالب معينة. وإذا تحققت بعض هذه المطالب خف عداؤك. لكن أن يكون العداء قد انتهى فهذا لم يحصل، وحتى الآن لم نحصل على كل ما نريد ورأيي أن المعرفة لا تقلل العداء وإنما تقلل الغموض، وكنت أقول لزملائي في المنظمة، إننا نحارب عدوا في صندوق، وللأسف لا أحد منا كان يعرف ماذا يوجد داخله. وكان من الضروري تحديد ما في داخل الصندوق كي نتوفق في اختيار الأسلوب الأنجع لمواجهته. وصراحة هناك شخصيات فلسطينية وعربية كثيرة لا تعرف ما هي إسرائيل ولا حتى اسم رئیس دولتها؟

 

مستقبل «فتح»

 

* كنت ضمن فئة من مؤسسي حركة فتح، كيف يبدو لك الآن مستقبلها في ضوء التطورات الجديدة؟

- تحملت حركة فتح عبء النضال الفلسطيني ثلاثين عاما ورغم كل ما يقال عنها والتشويهات التي تلصق بها، فهي حركة أصيلة استطاعت أن تجمع كل أبناء الشعب الفلسطيني يمينا ويسارا: القومي والقطري، المؤمن والملحد، في بوتقة واحدة تحت شعار «كيف يمكن أن نحصل على حقوقنا»، هذا في رأيي نوع من العبقرية. جاءت فترة كانت فيها «فتح» مقبولة من كل العالم العربي، ومن الدول الاشتراكية والغربية في آن واحد وحافظنا على استقلاليتنا وحرصنا على حقوقنا في التعامل مع الجميع بمن فيهم السوفيات الذين كانوا يساعدوننا.

 

* لم تكن يساريا أو ماركسيا، ولكنك توليت رئاسة جمعية الصداقة السوفياتية الفلسطينية؟

- كنا نقول للسوفيات، نحن حركة تحرر وطني نريد تحقيق الاستقلال ونرغب في الأخذ بنصائحكم ومساعداتكم، لكننا لسنا ماركسيين ولا عملاء لكم. وكان تعاملي معهم على أساس الوضوح، ولذلك رحبوا جدا بأن أتولى رئاسة جمعية الصداقة الفلسطينية- السوفياتية ولا زلت إلى الآن أتولاها، وهم يعرفون أنني لست ماركسيا ولا شيوعيا ولا اشتراكيا، وكانوا يسمعون مني ما لا يرضيهم. لكن الوضوح جعلهم يحترمون أفكاري، ومواقفي.

 

* ظهرت في الساحة الفلسطينية تيارات متعددة كانت تساير اتجاه أنظمة عربية أو أجنبية معينة، لكن «فتح» استطاعت أن تحافظ على علاقاتها مع 22 دولة عربية في أهم الفترات. فكيف تم ذلك؟

- صراحة، العمل مع الجميع ممكن إذا كنت صادقا. وربما حاولت بعض الدول العربية أن نكون بجانبها، لكن تعاملنا على أساس الوضوح وتأكيد أهمية استقلاليتنا جعل الجميع يتفهم ظروفنا. وهي معادلة حافظنا عليها طيلة مسيرتنا، لكننا وقعنا في المطب خلال حرب الخليج وأضعنا مكسبا تاريخيا ثمينا هو عدم التدخل في الخلافات العربية، والاكتفاء بكلمة الخير مع الجميع. وكان الانحياز إلى جهة واحدة في أزمة الخليج مطبا خطيرا وغلطة تارخية وقعت فيها «فتح» والمنظمة، ودفعنا ثمنها غاليا ولا زلنا ندفع. وكان رأيي منذ البداية أن نلتزم الحياد إذا لم نتمكن من إصلاح ذات البين بين الأشقاء في الخليج.

 

* ومن كان يوافقك هذا الرأي من القيادة الفلسطينية؟

- كان الشهيد أبو إياد من هذا الرأي. وكذلك المرحوم خالد الحسن (أبو السعيد). لكن الأغلبية كانت في الاتجاه الآخر.

 

* ما هي المناسبات التي أفلتّ فيها من موت محقق أو شعرت أنك قريب من الموت؟

- كانت الأولى في أحداث سبتمبر (أيلول) الأسود، وكنت التحقت حديثا بالعمل الفلسطيني في عمان وكان الأمر يبدو غير طبيعي وغير سليم، حيث أصبحت الثورة الفلسطينية تشكل دولة داخل الدولة (الأردنية) وشعرت بأن الاصطدام آت لاريب، وتعرضت للموت عندما وقعت الأحداث ودمر بيتي كليا، ولحسن الحظ أخذت أولادي وكانوا صغارا وخرجت من البيت قبل يومين من تدميره. أما الثانية فكانت عندما اغتيل الشهيد أبو جهاد وكان بيته قريبا من بيتي وانقطع خط الهاتف فتصورت أنهم قادمون إلينا دون شك، وكان لدي حارس واحد فجعلته على استعداد وحملت سلاحي استعدادا للدفاع عن النفس وبعد ساعة تبين أن الأمر مقتصر على اغتيال أبو جهاد.

 

العلاقة مع أبو إياد

 

* كانت علاقتك الشخصية بأبي إياد وثيقة، فمتي تم آخر اتصال بينكما قبل اغتياله؟

- ربطتني بالأخ أبو إياد علاقة شخصية تتجاوز إطار الاجتماعات واللقاءات الرسمية. كنا نجلس معا ونتسامر ونتسلى ونلعب طاولة الزهر وهي كانت لعبتنا المفضلة في أوقات الفراغ والتسلية. ويوم اغتياله رحمه الله، كنت أرغب في رؤيته لدعوته إلى بيتي حيث كان معي سفيرنا السابق في المملكة العربية السعودية المرحوم أبو المنذر وكان من الضروري أن أتفق مع الأخ أبو إياد على الصيغة النهائية لبيان كنا نعتزم إصداره ويتضمن موقفا إيجابيا إزاء أزمة الخليج، قبل عودة السفير أبو المنذر إلى السعودية، وبحثت عن أبو إياد. ولو عرفت مكانه لكنت معه، ولسوء الحظ لم أكن أعرف. وبعد الساعة العاشرة ليلا تقريبا، سمعت إطلاق النار في منزل أبو الهول الذي كان في جواري، وسارعت إلى التحقق من الموضوع فتبين أن أبا إياد وأبا الهول اغتيلا رحمهما الله.

 

* ومن بقي من أصدقاء طفولتك؟

- أتذكر کثيرين وأتمنی رؤيتهم وكلهم هاجروا من صفد إلى دمشق أو إلى الخليج أو عمان، وذات مرة اشتقت إلى أحدهم وكان من أبناء حارتي وكنا معا منذ الفصل الأول في الابتدائي وكنا نلتقي في دمشق ضمن أول تنظيم فلسطيني شكلناه سنة 1954. ثم دخل الجامعة وهاجرت إلى الخليج وانقطعت صلتنا سنة 1957 وفي 1986، اكتشفت أنه في مدينة الكاف (شمال غرب تونس) متزوج وأب لأطفال، وكان لقاؤنا بمناسبة تعزية أهل قريب مشترك لنا وتبادلنا الزيارات، وخطبت ابنته الكبيرة إلى ابني الكبير مازن، وأنجبا الآن ثلاثة أبناء والحمد لله. ولا يزال موجودا قي تونس حتى الآن واسمه علي صبح، وهو مدرس في مدينة الكاف، وهي جبلية شبيهة بصفد.

 

* تعتبر مدينة صفد رمزا لليهود وهي رابع مدينة مقدسة بالنسبة إليهم، وكنت عراب فكرة الحوار مع الإسرائيليين مبكرا والدعوة إلى العمل من داخل المؤسسات الإسرائيلية فهل نشأت صلاتك مع اليهود والإسرائيليين منذ كنت طفلا في صفد؟

- لا علاقة لمدينة صفد بهذه الأمور. وكانت لدي فعلا منذ السبعينات صلات بشخصيات إسرائيلية منها: أوری افنیري وهو صحافي وکانت له مجلة «هذا العالم» وصاحب أول مؤلف «إسرائيل بلا صهيونية» ويدعو إلى إقرار الحقوق الفلسطينية وإدماج إسرائيل في العالم العربي، والجنرال ميتيتياهو بيليد وهو سياسي وكان عضوا في الكنيست وكان معاديا وشارك في حرب 1967، وعاش لأول مرة في غزة بصفته حاكما عسكریا وتعرف على الفلسطينيين وتعلم اللغة العربية وأصبح أستاذا لها في جامعة تل أبيب، وهو من أهم رجال السلام حاليا هناك، وهم مجموعة أعتبرهم أبطالا لأنهم كانو سباقين للدعوة إلى الحوار والسلام رغم أن التيار الغالب كان في اتجاه معاكس.

 

* من هم أنصار السلام الإسرائيليون الذين تحفظ عنهم ذكرى؟

- رئيس بلدية حيفا الآن، وهو جنرال اتصل بي مباشرة بعد رفض رئيس بلدية صفد استقبالي، ورحب بي فی حيفا وزرته فعلا وهو حاكم عسكري سابق في الضفة الغربية وترك الجيش وترشح للانتخابات في حيفا. وعندما وقعت مذبحة الحرم الإبراهيمي خرج في مظاهرة يحمل العلمين الفلسطيني والإسرائيلي، وقال لي إنه يؤيد السلام ويريد التعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن مدينة حيفا مثال للتعايش بين الأجناس والأديان ونريد أن يعم التعايش كل إسرائيل وفلسطين، وهناك عسکريون کثيرون يريدون الحوار، لكنهم ينتظرون كلمة من جانبنا، ونحن نعرف البعض. والحقيقة أنهم ساعدوا كثيرا على إبراز عملية السلام، والبعض لا نعرفهم. وكانت لدي لقاءات عديدة مع شخصيات إسرائيلية من أنصار السلام، كما عقدت لقاءات مع شخصيات من اليهود السفارديم (من أصل شرقي) وتم أحد اللقاءات سنة 1988 في مدينة طليطلة وشاركت فيه 45 شخصية من إسرائيل وخارجها. وبعد ثلاثة أيام من المناقشات، قالوا: أنت دعوتنا والتقينا فماذا تريد الآن؟ فأجبتهم أن اللقاء كان كافيا لذاته، وغادرت طليطلة، وبقي بعض الإخوة من جانبنا مشاركين في اللقاء، وأصر الجانب اليهودي على إصدار بيان من جانبهم يؤكد اعترافهم بحقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وكان ضمنهم السيد أندريه أزولاي الذي يشغل حاليا منصب مستشار لدى الملك الحسن الثاني، وكان أيضا سيرج بيرديغو وزير السياحة (السابق)، وكان أزولاى يمثل جمعية «هوية وحوار» فيما كان بيرديغو يمثل اليهود المغاربة وشارك نعيم جلعادي ممثلا لليهود العراقيين المقيمين في أميركا، كما شارك عدد هام من الشخصيات الإسرائيلية البارزة مثل شلومو الباز وآبي بوردوغو.

 

* وما هو الانطباع الذي تركته لديك تلك اللقاءات؟

- كنت أشعر أن ضمن الإسرائيليين من يريد السلام، إذا وجد فلسطينيين يتعامل معهم.

 

* أعود إلى مدينة صفد؛ عندما كنت طفلا هل كنت تمر قرب حارة اليهود وتلعب مع أطفالهم؟

- كنت أرى اليهود في صفد، وكانت لدينا علاقة بأطفالهم لكن تلك العلاقات كانت محدودة ومحكومة بالتوتر أحيانا. ومم ذلك فقد كنا (مع أطفال حارتي) نذهب إلى حارتهم ويأتون إلينا أحيانا وتتم لقاءات بيننا ونشتري من محلاتهم ويشترون من محلاتنا. وكان أغلبهم يعيشون كفلسطينيين ويحبون السلام، لكن المناخ الدولي كان في اتجاه آخر.

 

السياسة في البيت

 

* تقضي وقتا طويلا في البيت. ألم تنتقل معك السياسة إلى تفاصيل حياتك الشخصية؟

- لم يحدث ذلك. وحياتي في البيت مختلفة عن عملي كسياسي.

 

* وكيف تستطيع التمييز بين البعدين؟

- عندما أفتح باب البيت وأدخل، أترك الأمور السياسية جانبا وتسود علاقتي مع أفراد الأسرة الأبعاد الإنسانية والشخصية، وأشاهد معهم التلفزيون والفيديو.

 

* وماذا يعجبك في برامج التلفزيون؟

- البرامج والمسرحيات الفكاهية والمسلسلات الاجتماعية والكوميدية.

 

* وأي المسلسلات العربية أعجبت به؟

- مثلا مسلسل «العائلة» في القناة الفضائية المصرية، و«أرابيسك»، و«عائلة شلش»، واللقطات والمسرحيات الكوميدية، وأنا أحب الكوميديا وأحب الدراما، لأن حياتنا كلها دراما ومآس فلا فائدة من تكرارها عندما نشاهد فيلما أو مشهدا تلفريونيا.

 

* وأي الفنانين الكوميديين يعجبك؟

- دريد لحام، وهو فنان كبير ونادر، وبالمناسبة يوجد في سوريا مسرح وفن جيدان، وكذلك هناك فن كويتي وتعجبني الفنانة سعاد العبد الله، والفنان حسين عبد الرضا، وغانم الصالح، وهم جميعا تلاميذ الفنان الكبير زكي طليمات الذي أسس المسرح الكويتي، وفي لبنان أيضا مسرح جيد وأهتم مثلا بإنتاج مسرح الساعة العاشرة ومدرسة زياد رحباني. وفي مصر حدث ولا حرج، والفنان عادل إمام أبرز الفنانين.

 

* قضيت فترة طويلة في تونس، فماذا أعجبك من فنونها؟

- أعجبني الممثل عبد القادر مقداد والفنان الكوميدي لمين النهدي، ولكن صعوبة فهم اللهجة المحلية تضع حاجزا أمام الفن التونسي، وهناك مطربون وموسيقيون في تونس كما ونوعا لا تجد أمثالهم في العالم العربي، ولاحظت أن الفن الأصيل لا زال طاغيا على الفن التونسي رغم انتشار الفن الحديث. فمثلا تجد الفنانة نبيلة كراولي والفنان لطفي بوشناق والفنان عدنان الشواشي الذي يتميز بأغانيه للأطفال.

 

* وأي نوع من الموسيقي تفضل سماعه؟

- أم كلثوم وعبد الوهاب وفيروز ومحمد عبد المطلب وعبد الحليم حافظ ولطفي بوشناق وسلاف وعبد الكريم عبد القادر، أفضل الأصوات العربية، التي يطيب لى سماعها. كما أستمع إلى الفنانة التونسية صوفية صادق وقد غنت في حفل زواج ابني مازن.

 

* ما رأيك في المرأة؟

- المرأة هي الأم والزوجة والأخت والبنت والحفيدة.

 

* وماذا تقول في المرأة والسياسة؟

- للمرأة دورها، ويمكنها أن تلعب دورا بارزا في العمل السياسي .لأنها نصف المجتمع.

 

* انقطعت عن التدخين منذ سنة، ما هي نصيحتك للمدخنين؟

- أنصح بالإقلاع عن التدخين وقد كنت مدخنا 40 سنة وبشراهة لكنني اكتشفت مخاطره على الصحة متأخرا، مع الأسف، وتبين لي أن الاستمرار في التدخين يؤدي إلى كارثة صحية حتما، والحقيقة أن التدخين ليس إدمانا بل هو عادة يمكن التغلب عليها إذا توفرت الإرادة وإن كان من الصعب نسيان التدخين.

 

* الأن أصبحت جدا فما هو الفرق بين شعور الأب والجد؟

- لدي 3 أبناء: مازن (35 سنة) مهندس، وياسر (33 سنة) مهندس، وطارق (29 سنة) إدارة أعمال. و5

أحفاد. وعندنا مثل يقول «ليس أغلى من الولد إلا ولد الولد» وأنا أحب رؤية أحفادي أكثر من أولادي، وأفضل سماعهم في الهاتف على سماع أبنائي، وربما يعبر هذا الشعور في النفس البشرية عن الاستمرار وحب البقاء. وللأحفاد نكهة خاصة، وفيهم ترى ذاتك ونفسك وتاريخك، وأغلى أحفادي ابنة مازن البكر هلا (6 سنوات) وأضع صورتها في مكتبي، وأشعر بأن شیئا ما ينقصني لأنه ليس لدي بنات ولم يكن لي أخوات.

 

* هل هناك صلة بين تخصصات أبنائك وتخصصك في القانون والسياسة؟

- لم يأخذ عني أبنائي الاهتمام بالسياسة وشخصيا كنت أتمنى أن أكون مهندسا لكن ذلك لم يتسن لي لأن الهندسة تتطلب التفرغ وهو ما لم يكن بإمكاني القيام به. ودرست القانون دون حماسة لكنني أحببته عندما تعمق تكويني القانوني.

 

* كنت مهندس اتفاق أوسلو. فهل تشعر أنك أنجزت أهم شيء في حياتك؟

- أشعر أنني أنجزت شيئا مهما في حياتي، وليس أهم شي في حياتي، وكان نتيجته أن رفع العلم الفلسطيني لأول مرة على جزء من فلسطين، ويمكن أن يمتد هذا العلم إلى أجزاء أخرى من الوطن. إن الشعب الفلسطيني بدأ رحلة الراحة النفسية والسياسية بعد عذاب استمر طيلة القرن الماضي وهذه بداية. ولأول مرة تدخل الأراضي الفلسطينية فتجد العلم الفلسطيني والبوليس والإدارة وأمورا فلسطينية كثيرة وضعت على السكة، والمطلوب دفعها من قبل المخلصين للوصول إلى المحطة النهائية الدولة المستقلة ولا أقول إننا صنعنا حدثا تاريخيا، لكننا على أبواب التاريخ.

 

الجيل الفلسطيني

 

* وهل تشعر بالاطمئنان إلى الجيل الفلسطيني الذي يتولى مسؤولية الحكم الذاتي؟

- بصراحة ما يجري الآن مخيب للآمال. لكن ينبغي تفهم مثل هذه الأمور التي يمر بها كل شعب أو بلد اجتاز ظروفا كالتي اجتازها شعبنا والوضع الحالي لن يطول وما نلاحظه هو بروز المنافقين والدجالين والراغبين في الثراء بسرعة، وسرعان ما سيظهر جيل جديد مؤمن ببناء البلد ومصلحته.

 

* هل تعتقد أن الجيل الفلسطيني الذي ولد بعد حرب 1948 و1967 يعرف الآن أبو مازن؟

- يعرفونني اسما وشكلا، ولكن لا يعرفونني مباشرة، لأنني شخصيا أفضل الابتعاد عن الأضواء، غير أن الناس يعرفونني، وعندما زرت حيفا وأراضي 1948 التي يسكنها الآن فلسطينيون يحملون الجنسية الإسرائيلية، لم يخطر لي أن أستقبل بذلك الاستقبال الباهر الذي خصص لي من قبل الأطفال والشيوخ والنساء.

 

* ولا زلت تفضل البقاء في تونس؟

- أنا مقتنع بضرورة إتمام مسيرتنا النضالية من موقعي في تونس.

 

* اعتبرت اتفاق أوسلو أمرا مهما وليس الأهم. فهل لديك أحلام أبعد، كإعادة بناء صفد؟

- حلمي هو بناء الدولة الفلسطينية المستقلة. وليس مهما کيف تكون، والشعب هو صاحب الاختيار أما مملكة صفد فهي في التاريخ وليست حلمي، والمهم هو ظهور هوية فلسطينية يحملها الفلسطيني ويعتز بها أينما كان.

 

* تزور المغرب باستمرار، فماذا يربطك بهذا البلد؟

- لدي مشاعر خاصة جدا إزاء المغرب، وهي مشاعر نابعة من إحساسي بوجود إخلاص وحب لكل الفلسطينيين دون مقابل، والمغرب بعيد عن فلسطين، ولكن كل القرارات التاريخية التي اتخذت حول القضية الفلسطينية إنما كانت في المغرب وكان الملك الحسن الثاني بصفته رئيس مؤتمرات القمم العربية أو الإسلامية، صاحب الدور الأساسي في هذه القرارات. قرار الرباط الاعتراف بالمنظمة 1974. قمتا فاس 1982 و1987: القرار المتعلق بالانتخابات المقترحة من قبل حكومة شامير إلى القرارات التي صدرت عن لجنة القدس ومؤتمرات القمة الإسلامية. وأعتقد أن تسجيل التاريخ السياسي الفلسطيني يؤكد أن للمغرب دورا رئيسيا فيه وفي القرارات البارزة التي اتخذت حول القضية الفلسطينية.

 

* وتونس ماذا تعني لك؟

- لم نشعر في يوم ما بالغرية في تونس كما لم نشعر بأي تذمر، بل العكس، وأهم شيء أنه لو لم نكن في تونس لما تمكنا من اتخاذ أي من القرارات التي اتخذناها وخاصة المفاوضات في أوسلو وفي مدريد، وفي أي مكان كانت ستكون قرارات من هذا القبيل صعبة أو مستحيلة لكن في تونس اتخذت القرارات والفضل يعود إليها لأنها أتاحت لنا كل الحرية لنعمل ما نريد، فنقول ما نريد دون أن نسمعهم مرة واحدة يقولون: لماذا؟ كيف؟ أين؟

 

إقرأ أيضاً:

محامي الأهالي لـ«المجلة»: تهجير سكان حي الشيخ جراح الفلسطيني جريمة حرب

 

 


مقالات ذات صلة