ما لم يقله فاندام

في محاضرة ألقاها في مجلس شؤون العالم للصحراء في كاليفورنيا بتاريخ 8 يونيو (حزيران) الماضي، اعتبر الدبلوماسي والمبعوث الخاص السابق لهولندا إلى سوريا الباحث نيكولاس فاندام أنه من الواضح أن أخطاء كثيرة حدثت في الثورة السورية، حيث لم تفشل فقط في تحقيق أهدافها المعلنة، ولكن عدد القتلى والجرحى كان هائلاً، وأضاف أنه كان من المحتم أن تؤدي مساعي المعارضة لإسقاط النظام السوري إلى أعمال عنف دموية، وهو ما  يجب أخذه في الاعتبار عند توجيه اللوم.

أثارت محاضرة فاندام بعد نشرها كمقال بعدة صحف استياءً بين أوساط معارضين وناشطين سوريين، ورأوا أن فاندام الذي كان متعاطفا مع الثورة في سنواتها الأولى، قد أصبح يتحدث عن سوريا كأي مستشرق أوروبي وأن ما قاله غير منصف بحق السوريين حيث لام الضحية لأنها لم تكن تتوقع رد فعل النظام وحجم الإجرام الذي سيرتكبه.

في الواقع ليست هذه هي المرة الأولى التي يثير فيها السفير فاندام ردة فعل على ما يكتبه بين أوساط السوريين، فقد سبق وأبدى العديد منهم غضبا شديدا بعد نشره كتابه الثاني عن سوريا وهو «تدمير أمة»، حيث اتهم كلا من النظام والمعارضة بالتواطؤ على «هدم أمة»، فاعتبروا أن الكتاب انعكاس للصورة النمطية التي يحاول بها الغرب الترويج لما يحصل في سوريا.

قصف أميركي استهدف ميليشيات مدعومة من إيران في العراق وسوريا

ليس الكتاب موضوعنا، ولكن محاضرة فاندام الأخيرة، التي لخص فيها رؤيته للطريقة الأفضل للتعامل مع ما سماه الصراع السوري، والتي ركز فيها على معارضته للتدخل العسكري بشكل عام من قبل دول أجنبية على دول أخرى لا تشكل تهديدا حقيقيا على أمن هذه الدول، مستشهدا بالتجربة الأميركية البريطانية في العراق، والتي أدت بحسب فاندام إلى زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة وليس فقط في العراق، إضافة إلى العدد الهائل من الضحايا وظهور القوى الإسلامية الراديكالية مثل داعش. ولكن ما لم يقله فاندام، هل كان بقاء نظام ديكتاتوري كنظام صدام حسين هو الوسيلة الأنجح لوضع حد للنفوذ الإيراني في المنطقة؟ أليست بيئة القمع والظلم بيئة خصبة أساسا لظهور حركات مثل داعش وأخواتها؟ نعم قد تكون نتائج الحرب على العراق كارثية، ولكن من يعلم ماذا كانت ستكون نتائج بقاء صدام حسين في السلطة على العراق والمنطقة والعالم بأسره؟

وفي نقطة أخرى، يذكر فاندام أن من أسباب معارضته التي ذكرها أيضا أن «الديمقراطية والحرية السياسية لا يمكن فرضهما بالقوة العسكرية. حتى إن فرض ما يسمى (الحرية) عسكريا يبدو متناقضا». وهنا لا يسعني إلا أن أتفق معه، فها نحن نرى ما أنتجه بعض المسلحين المحسوبين زورا على الثورة في مناطق سيطرتهم، لكن فاندام لم يتحدث عن الدعم الذي تقدمه دول العالم «الديمقراطي المتحضر»للديكتاتوريات التي تقمع شعوبها، وتمدها ليس بالمال والغطاء السياسي فحسب بل وبكل أنواع أسلحة القتل أيضا، فضيحة شركة «إيريا الإيطالية»والتي وردت للنظام السوري أجهزة التنصت على الإنترنت مما أتاح له اعتقال عشرات آلاف الناشطين والذين توفي عدد كبير منهم في المعتقلات نتيجة التعذيب، وغيرها عشرات الأمثلة بل ومئاتها أيضا في توريد أدوات القتل للأنظمة القمعية ورعايتها وحمايتها ومدها بالقروض، فإذا كان نشر الديمقراطية بالقوة غير صحيح- وأتفق مع فاندام فيه- إلا أن الحل لا يكون بالمحافظة على أنظمة تقتل وتقمع وتمارس كل أنواع الجرائم بحق شعبها تفاديا لارتكاب آخرين جرائم شبيهة وإن كانت على نطاق مختلف، فهنا أيضا لم يطرح فاندام أين هي مسؤولية المجتمع الدولي بنشر ثقافة الحرية والديمقراطية، بدل سنوات من محاولات تلميع صورة نظام الأسد وتصويره على أنه نظام حداثي شبيه نوعا ما بالأنظمة الأوروبية بحكم دراسة الأسد العابرة لمدة عامين في بريطانيا وزواجه من امرأة تحمل الجنسيتين. ألم يكن المجتمع الدولي حينها يعلم بالانتهاكات الفظيعة التي يرتكبها الأسد في سوريا وسجونها ضد أصحاب الرأي الآخر؟

يرى فاندام  أنه في حال تم التدخل العسكري تحت رعاية مبدأ الأمم المتحدة لمسؤولية الحماية، فلا ينبغي للأطراف المتدخلة مغادرة البلاد بمجرد تغيير النظام، كما حدث على سبيل المثال بعد مقتل الزعيم الليبي القذافي. هذه أيضا من النقاط التي أتفق معه عليها، فمسؤولية تدخل الأمم المتحدة في ليبيا مثلا ما كان يجب أن ينحصر بإنهاء دور القذافي، بل بتهيئة الأوضاع وتمكين الليبيين من إقامة حكم ديمقراطي بدل السماح لقوى إقليمية ودولية متنازعة أن تحول ليبيا إلى ساحة حرب، مع عدم جواز تجاوز نقطة أساسية وهي الدعم الذي تلقته بعض الميليشيات الليبية من دول أوروبية لتحمي الشواطئ من عمليات الهجرة غير المشروعة ولو كان عبر قتل الذين يحاولون الهجرة، كذلك فإن الصراع بين أقطاب أوروبيين على النفوذ والسياسة في ليبيا ساهم إلى حد كبير في دعم ميليشيات متحاربة مما زاد من حدة العنف وسقوط الضحايا الذين يحاول فاندام تقليل أعدادهم، ومجددا أليس هذا ما حصل في سوريا من دون أن تتدخل الأمم المتحدة ومن دون أن يتم إسقاط نظام الأسد؟ أليست سوريا اليوم ساحة حروب كثيرة لمتحاربين كثر؟

 إقرأ للكاتبة أيضاً: يحصل في سوريا

ومن النقاط التي ذكرها فاندام كسبب من أسباب معارضته للتدخل العسكري في  سوريا خصوصا، أنه كان من الأفضل عدم التدخل على الإطلاق. ولكن تفنيده لهذه النقطة تحديدا فيه الكثير من عدم العدالة بحق السوريين، فهو يقول: «لولا التدخل العسكري الأجنبي، لكان النظام على الأرجح سيضيق الخناق على قوى المعارضة بنفس القسوة التي مارسها. لكن عدد الضحايا سيكون أقل بكثير. ربما قُتل ما بين 10 آلاف إلى 50 ألف سوري بدلاً من 500 ألف». فهل بات الأمر يقاس فقط بعدد الضحايا؟ وهل من المبرر أن نسكت عن سقوط خمسين ألف ضحية خوفا من أن يرتفع العدد إلى 500 ألف؟ وكيف يمكن لوم السوريين لأن عدد ضحايا الأسد من أبنائهم قد ارتفع، ومع ذلك بقي في السلطة؟ ألا توجد أي مسؤولية أخلاقية على المجتمع الدولي والدول المتحضرة؟

من بين جميع الأسباب التي ذكرها فاندام، راح عن باله أن يذكر صفقة أوباما مع الروس بعد استخدام الكيماوي وقتل مئات السوريين الذين دفعوا ثمن رياء أوباما واتفاقه النووي مع إيران. نعم كان على المعارضة توقع التدخل الروسي والإيراني، دفاعا عن الأسد، وكان عليها أن تكون أكثر تنظيما وواقعية، ولكن كان على المجتمع الدولي أن يكون أكثر صدقا، أما القول «إن استمرار الحوار مع النظام السوري حول كيفية إنهاء النزاع، كان أفضل رغم أن آفاق هذا الحوار كانت سيئة للغاية منذ البداية». وأن «فشل الحوار يظل أفضل من فشل الحرب»، فقد يكون ذلك صحيحا بالنسبة لدبلوماسي غربي، ولكن بالنسبة للسوريين، فإن نجاح المصالحة في بعض المناطق تسبب في قتل المصالحين تعذيبا في سجون الأسد، فكيف لنا أن نتخيل ردة فعل هذا النظام على تراجع السوريين يومها عن ثورتهم.

نقاط عديدة أثارها الدبلوماسي الهولندي في محاضرته تستحق التوقف عندها ونقاشها بين السوريين أنفسهم، ولكن نقاطا كثيرة أخرى تجاهلها فاندام ليؤكد وجهة نظره، فلم يتطرق إلى صراعات دول ما كان يعرف بأصدقاء الشعب السوري ولا إلى تخاذل الإدراة الأميركية في زمن أوباما، التي كانت من أسباب استمرار الكارثة التي وقعت على السوريين، كما تجاهل بشكل تام عدد المرات التي أبدت فيها المعارضة استعدادها بل وانخراطها في مفاوضات للتوصل لحل سياسي وإصرار الأسد على استمراره بحربه على السوريين واعتباره كل هذه المفاوضات «تفاصيل لإغراق المجتمع الدولي»، ولو طبقنا منطق فاندام بشكل حرفي فإن الثورة الفرنسية التي سقط فيها مئات آلاف الفرنسيين كانت خطأ جسيما، وكذلك فإن منطق فاندام يقودنا للقول إن تضافر العالم الحر للوقوف في وجه النازية والفاشية خطأ لأنه أدى لسقوط عشرات ملايين الضحايا، وكان من الممكن توفير هذه الدماء لو أن العالم الحر تعايش مع ظاهرة هتلر وموسوليني.

هذه الازدواجية عند بعض المثقفين الغربيين ليست جديدة؛ ألم يقل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه: «إن بشار يقتل شعبه وبالتالي هو ليس عدوا لفرنسا»، ربما هذا ما لم يقله فاندام.

إقرأ للكاتبة أيضاً: كيماوي بشار عارياً أمام المجتمع الدولي