هل ينجح الليبيون في إجراء انتخابات الرئاسة والبرلمان؟

المجلس الأعلى يدعو النواب لاستئناف حوار المسار الدستوري

القاهرة: شكوك عديدة تنتاب المتابعين للأوضاع في ليبيا حول إمكانية السير قدما في إنجاز المسار السياسي، والديمقراطي، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في موعدها المحدد لها سلفا في ديسمبر (كانون الأول) من العام الجاري، بسبب تشابك الأوضاع وتعقيدها، بين الأطراف المعنية بالأزمة الليبية سواء كانت هذه الأطراف داخلية، أم خارجية، وهو ما دعا مجموعة دول الساحل الخمس، والتي تضم: موريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وتشاد. في مؤتمر أعقب اجتماعا للأمم المتحدة وليبيا، إلى ضرورة التواصل معهم لمعرفة تفاصيل خطة إخراج القوات الأجنبية، والمرتزقة من الأراضي الليبية والذين تقدر أعدادهم بحوالي 30 ألفا، على اعتبار أن هذا المطلب يعد أولوية مطلقة لأمن ليبيا، والمنطقة، وهو ما دفع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لاعتماد القرار رقم 2570 والذي دعا جميع أطراف النزاع في ليبيا إلى ضمان التنفيذ الكامل لوقف إطلاق النار والذي بدأ العمل به في الثالث والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) 2020، وحث جميع الدول الأعضاء على احترام ودعم العملية من خلال الانسحاب دون تأخير لجميع القوات الأجنبية، والمرتزقة من الأراضي الليبية.

ويأتي اضطلاع مجموعة الساحل بالوضع القائم في ليبيا ومطالبتهم بخطة لإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية لقلقهم إزاء عدم وجود خطة لإخراج هذه القوات من ليبيا من أجل أمن دول الساحل الخمس والمنطقة الفرعية، وذلك طبقا لبيان أصدرته المجموعة، أشار إلى اجتماع مجلس الأمن المنعقد في 27 أبريل (نيسان) 2021، بشأن مخاطر انتشار المرتزقة الموجودين في ليبيا في دول المنطقة، مشيرا في نفس الوقت إلى قلق دول وحكومات الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا إزاء الآثار المزعزعة للاستقرار لعمليات مجموعات المرتزقة القادمة من الأراضي الليبية، وضرورة اتخاذ إجراءات دولية متضافرة من أجل إيجاد حل عاجل لهذه القضية بما في ذلك نزع سلاح المرتزقة، إضافة إلى ما أعرب عنه السودان من من قلق إزاء احتمال عودة المرتزقة من ليبيا إلى دولهم التي لا تزال في مرحلة إعادة الاستقرار خاصة إذا عاد هؤلاء المقاتلون بأسلحتهم.

 

تزامن في الرؤى والأطروحات

مطالبات مجموعة دول الساحل بضرورة الاطلاع على خطة إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية جاءت متزامنة مع طلب المجلس الأعلى الليبي للنواب الليبيين باستئناف حوار المسار الدستوري تأسيسا على مخرجات اجتماعات الغردقة، وبناء على ما سبق إحرازه من اتفاق حول المسار الدستوري للوصول إلى توافق حول هذا المسار، حيث عقدت اللجنة الدستورية الليبية المكونة من وفدي البرلمان، والمجلس الأعلى للدولة (10+10) لبحث الخروج باتفاق قانوني يضمن ترتيبات دستورية توافقية تسمح بإجراء الانتخابات في موعدها المحدد، وجاء طلب المجلس الأعلى الليبي في رسالة وجهها المجلس إلى مكتب رئاسة البرلمان، من أجل الخروج بتفاهمات تسمح بإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقرر إجراؤها في 24 ديسمبر المقبل، وذلك بعد فشل ملتقى الحوار السياسي في التوافق على القاعدة الدستورية للاستحقاق الانتخابي، إضافة إلى فشل ملتقى الحوار السياسي الذي عقد مؤخرا في مدينة جنيف السويسرية في الوصول إلى تفاهمات حول الأساس الدستوري والقانوني لإجراء الانتخابات، وهو ما وضع الاستحقاق الانتخابي على المحك، وفرض تساؤلات عديدة حول مدى نجاح الأطراف الليبية في الخروج بتفاهمات تمكنهم من إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، وهل ستتمكن الأطراف من صياغة القوانين المنظمة للعملية الانتخابية قبل مطلع أغسطس (آب) القادم؟ وهل سيتم التوافق على الصيغ الدستورية التي تنظم شروط الترشح لمنصب الرئيس خاصة في ظل تعقيدات الوضع بالنسبة لقائد الجيش الليبي خليفة حفتر، الذي يحمل الجنسية الأميركية، ولا يزال متمسكا برتبته وزيه العسكريين؟ إضافة إلى ما يحتاجه إنجاز الدستور من وقت يقارب 7 أشهر طبقا لتقديرات عماد السايح، رئيس المفوضية العليا للانتخابات، والذي يعد أكثر الملفات تعقيدا، بسبب التباين الكبير في وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين، وما يحمله هذا الملف أيضا من أطروحات متعددة بين إنجاز دستور جديد، أو تعديل مشروع دستور 2017 المجمد، أو إجراء استفتاء حول الدستور، إضافة إلى الخلافات التي تتعلق بالمواد الخاصة بنظام الحكم، وإدارة وتوزيع الثروة، وهو ما يطرح السؤال المهم: هل سيفشل الفرقاء الليبيون في إجراء الانتخابات البرلمانية، والرئاسية؟  

شكوك حول إمكانية السير قدما في إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في موعدها المحدد (غيتي)

أسباب عديدة تبعد ليبيا عن إجراء الانتخابات

مطالبات دول الساحل الخمس، للأطراف الليبية بضرورة وضع خطة واضحة لخروج المرتزقة من البلاد، والتي تزامنت مع دعوة مجلس ليبيا الأعلى النواب لاستئناف حوار المسار السياسي، ليس لها ما يدعمها على أرض الواقع، حيث إنه من الواضخ انتهاج الأطراف الليبية لوسائل تنتج عنها خطط حقيقية، تبنى على الواقع تمكنها من إخراج المرتزقة من الأراضي الليبية، والعودة للمسار الدستوري لا يأتي إلا بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ويضع البرلمان المنتخب الدستور في أول دورة انعقاد له في ظروف تتوافر فيها المعايير الموضوعة لوضع الدستور والاستفتاء عليه، فمن المؤكد أن ليبيا بعيدة عن إجراء انتخابات لعدة أسباب أبرزها استمرار انقسام المؤسسة العسكرية وانتشار السلاح خارج سلة الدولة. ومن العوامل المخيفة عدم قبول أي طرف من الأطراف بنتيجة الانتخابات، الأمر الذي سيعيد الليبيين لنقطة الصفر، وذلك حسب مصدر ليبي مسؤول رفض ذكر اسمه في تصريحات لـ«المجلة»، مؤكدا أنه من المهم جداً في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ ليبيا محاولة تضميد جراح الشعب الليبي والعمل على تحقيق مصالحة وطنية شاملة لترميم النسيج الاجتماعي الليبي وتوفير الظروف الموضوعية لإجراء انتخابات حرة وعادلة، ونزيهة، وحتما فإن أي عملية انتخابية غير مدروسة، وأن تكون الأطراف الليبية غير مستعدة لخوضها والقبول بنتائجها، سيكون مصيرها الفشل لا محالة.

 

خروج حفتر من المنافسة قد يدفعه لاستخدام القوة

إضافة إلى أن موقف المشير خليفة حفتر معقد، فقد يجد نفسه خارج المنافسة، وهذا قد يدفعه للتفكير في استخدام القوة مجدداً والعودة لحالة الاحتراب الداخلي، وفي ذات الوقت هو شخصية جدلية من الأفضل أن يترك الساحة بسلام، وكذلك خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى، والعديد من الشخصيات التي تعد من أسباب فشل الدولة الليبية.

* ليبيا بعيدة عن إجراء انتخابات لعدة أسباب أبرزها استمرار انقسام المؤسسة العسكرية وانتشار السلاح

ومن أجل أن يتمكن الليبيون من رسم معالم غد أفضل لهم ولأبنائهم، لا بد من الانطلاق من المصالحة وجعلها واقعا ملموسا في حياة الليبين والعمل على جمع الأسلحة وحل المجموعات المسلحة وتوحيد المؤسسة العسكرية والشروع في إعادة تأهيل المقاتلين السابقين. العوائق واضحة للجميع، وأهمها «انتشار السلاح، وتعدد مراكز القوى المحلية التي تقف خلفها أطراف خارجية وتساعدها في تجريف العملية السياسية، والعبث بالاستحقاق الديمقراطي». ليبيا تمر  بأزمات عديدة وهناك محاولات لعرقلة عمل حكومة الوحدة الوطنية من أجل إبعادها عن أهدافها الأساسية والانعطاف بها نحو دوامة الصراع، إن حكومة الوحدة الوطنية متماسكة وهي مستمرة في أداء أعمالها بانتظام، ولم ولن تخضع  لمن يراهن على انهيارها وإرجاع البلاد لمربع الحرب والاقتتال رغم محاولة وضع العصا في (ترس) المسار السياسي لتعطيل الحكومة.

* يجب إعادة تنظيم العلاقة بين المدنيين والعسكريين ووضع الضمانات التي تكفل عدم انحراف المؤسسة العسكرية عن دورها الوطني في حماية البلاد والدفاع عن مصالح الدولة

وقال المصدر الليبي المسؤول: من المهم جداً في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ ليبيا المعاصر تجنيب ليبيا ويلات الحروب وعدم الانجرار إليها وإعطاء الأولوية لعملية المصالحة الوطنية الشاملة، لترميم النسيج الاجتماعي الليبي في إطار الدولة الوطنية المدنية، بما ينتج توافقاً وطنياً ليبياً على شكل الدولة، والاستفادة من الموارد والثروات الوطنية وإدارة مؤسسات الدولة بما يحقق الوحدة الإجتماعية والجغرافية والوحدة المؤسسية للدولة في كنف وطن آمن مستقل تسوده قيم العدل والمساواة، ومن المهم إعطاء الأولوية لمشروع إعادة بناء الدولة، والذي يمر بعدة مراحل متصلة بعضها ببعض، وهي: «التخلص من أسباب الصراع رسميا والشروع في عملية المصالحة الوطنية، ويتم ذلك من خلال الاتفاق الذي توقعه القبائل والمدن الليبية شرط أن يكون الاتفاق مرضيا لكافة أبناء المجتمع لطي صفحة الصراع والانطلاق نحو التقدم والرخاء، والبدء في تحقيق الالتزامات وإزالة آثار النزاع المسلح ويترتب على ذلك إعادة السلاح لمخازن الجيش وتأمين المدن والمناطق والقرى والأرياف، والحدود، وعودة المهجرين قسرا في الداخل والخارج، وتعويضهم تعويضا عادلا لمحو آثار المعاناة التى تعرضوا لها، وتكوين لجان لتقصي الحقائق ولجان للمصالحة.

رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري خلال مؤتمر صحافي عقدته المنظمات غير الحكومية والصحافة في طرابلس (غيتي)

توافق سياسي ومجتمعي لتسوية المشكلات العالقة

كما أن التوافق المجتمعي يجب أن يعقبه توافق سياسي لتسوية المشاكل العالقة حول شكل الدولة وطبيعة النظام وفق ما ترتضيه القوة العمومية للمجتمع من خلال استفتاء شعبي يبدي فيه الناس رأيهم بكل حرية دون ضغط أو إجبار من أحد، ويضع الدستور الأسس اللازمة لتنظيم العلاقة بين الدولة وأفراد المجتمع كونه الضامن للحقوق والحريات. إضافة إلى بناء مؤسسات الدولة للانطلاق في عملية التنمية حيث تتخذ التدابير والإجراءات اللازمة التى من شأنها تفعيل المؤسسات العامة والعمل على استرجاع قدرتها في أداء المهام المرتبطة بعملها وإيجاد المناخ الملائم من خلال بسط الأمن والاستقرار في ربوع البلاد. مع إعادة تنظيم العلاقة بين المدنيين والعسكريين وذلك من خلال إخراج المرتزقة وسحب الأسلحة التي تمت حيازتها نتيجة أعمال الفوضى والعنف التي سادت في البلاد خلال السنوات الماضية وتأهيل المنخرطين في الحرب اجتماعيا ودينيا ونفسيا لإعادة دمجهم في المجتمع ووضع الضمانات الحقيقية التي تكفل عدم انحراف المؤسسة العسكرية عن دورها الوطني في حماية البلاد والدفاع عن مصالح الدولة، ونشر ثقافة السلم والأمن الاجتماعي والقيم التي تتسق معها ونقصد بها أهمية ترسيخ المرتكزات الأساسية للسلم على المستويات الثقافية والفكرية داخل النسق المجتمعي لكي تصبح الصراعات أسلوبا منبوذا كونه يهدم ركائز الدولة ومؤسساتها بينما يصاحب ثقافة السلم والأمن الاجتماعي التنمية والحرية والعدالة والديمقراطية المباشرة والتسامح والتضامن الاجتماعي الذي يعزز حالة الوئام في المجتمع الليبي.