ضغوط العلاقات الشخصية تؤدي إلى مشاكل صحية

انقذ نفسك من العلاقات السامة بخطوات سهلة التنفيذ

إذا تعلمنا شيئاً ما من عصر انتشار كورونا، فهو أهمية الروابط الاجتماعية والصلات الإنسانية. فهي لا تحسن من حالتنا المعنوية فحسب، بل يمكن أن تحقق لنا فوائد بدنية أيضاً.

تقول الطبيبة جينيفر غاتشيل، الأستاذ المساعد في الطب النفسي بكلية الطب بجامعة هارفارد: «تساعد العلاقات الجيدة في الحفاظ على الصحة النفسية وصحة المخ بشكل عام».

ولكن في حين تستطيع العلاقات الإيجابية تعزيز الحالة الصحية، أحياناً ما يكون العكس صحيحا فيما يتعلق بالعلاقات المليئة بالمشاكل. ربما يعرضك الضغط المعنوي المزمن إلى مخاطر أكبر للإصابة بعدد من المشكلات الصحية.

على سبيل المثال، كشفت دراسة نشرت في الثاني من مارس (آذار) عام 2021، في دورية جمعية القلب الأميركية أن النساء اللاتي ذكرن تعرضهن لضغوط كبيرة كن ضمن الفئة المرجح إصابتها بأزمات قلبية أو الوفاة إثر مرض في القلب في فترة متابعة امتدت على مدار 15 عاماً، في مقابل النساء اللاتي لم يتعرضن لتلك الضغوط. ومن أجل تحديد هذه النتائج، سأل الباحثون النساء عن عدد الأشخاص الذين تسببوا في توترهن أو أكثروا المطالب منهن أو أقصوهن أو حاولوا «إكراههن» على شيء في حياتهن اليومية. وبناء على إجابات النساء، تم تصنيفهن إلى ثلاث فئات من حيث التعرض لضغط اجتماعي بسيط ومتوسط وشديد. وكانت النتيجة أن النساء في فئة الضغط الشديد ازدادت لديهن مخاطر الإصابة بأمراض القلب بفارق 9 في المائة عن النساء في فئة الضغط البسيط.

وكشفت دراسة أخرى أجريت عام 2019، ونشرتها دورية علم الأوبئة وصحة المجتمع، أن النساء اللاتي ذكرن تعرضهن لمستويات عالية من الضغط المجتمعي أصبحن يعانين من انخفاض كثافة العظام بعد مرور ستة أعوام. وتكهن القائمون على الدراسة بأن الضغوط قد تؤذي صحة العظام لأن التوتر يرفع مستويات هرمون الكورتيزول في الدم وهو مرتبط بانخفاض كثافة العظام. كذلك قد تؤدي العلاقات المضطربة إلى مشاكل صحية أو نفسية أخرى.

 

تعريف العلاقات الصعبة

يمكن أن تكون العلاقات المثيرة للتوتر مع شريك الحياة أو فرد في العائلة أو صديق أو زميل في العمل، وربما يجد الأشخاص أنفسهم في علاقة سيئة مع آخرين لأسباب عديدة. قد يكون انتشار الجائحة والاستقطاب السياسي في الأعوام الأخيرة ضمن العوامل التي أدت إلى تفاقم المشاكل بالنسبة للبعض، على حد قول غاتشيل. كذلك كثيراً ما يكون ضغط العلاقات صعباً بصفة خاصة لدى الأشخاص الذين يؤدون دور مقدمي الرعاية لطفل أو قريب بالغ مريض أو شريك الحياة.

* يمكن أن تكون العلاقات المثيرة للتوتر مع شريك الحياة أو فرد في العائلة أو صديق أو زميل في العمل، وربما يجد الأشخاص أنفسهم في علاقة سيئة مع آخرين لأسباب عديدة

وتقول غاتشيل: «إن رعاية شريك الحياة أو شخص مقرب تؤدي إلى زيادة الضغوط، مما يعرض القائم على الرعاية إلى خطر الإصابة بالاكتئاب أو مشاكل صحية بدنية إذا لم يشعر المرء بالدعم».

التعاطف بين الشريكين أفضل وسيلة لتقويم العلاقة

تحديد الاتجاه المؤذي

توضح الطبيبة غاتشيل أن علاقاتك مع آخرين قد تبدو وكأنها خارج نطاق سيطرتك، إلا أن هناك أمورا يمكنك فعلها لتوجه العلاقة نحو مسار أكثر إيجابية. أول خطوة هي تحديد الديناميكية المثيرة للمشكلات. عادة ما تظهر بعض إشارات الإنذار في أي علاقة مرهقة، ومن ضمن هذه الإشارات:

  • الشعور بالإنهاك أو الإجهاد بعد التعامل مع الشخص.
  • التفكير بشكل سلبي بشأن العلاقة.
  • الشعور وكأن العلاقة غير متوازنة- وأن شخصاً واحداً يعطي أو يأخذ أكثر من الآخر.
  • الشعور بأنك لا تحظى بالتقدير أو الاحترام من الشخص الآخر.

 

نصائح لعلاقات أكثر صحة

توصي الطبيبة غاتشيل بأن تؤدي دورك من أجل إقامة علاقات صحية مع آخرين عن طريق بعض العادات المفيدة.

أنصت بتعاطف. تعود على إبداء الاهتمام عندما يتحدث شخص إليك، وخذ وقتك لاستيعاب ما يقوله الشخص. توضح غاتشيل: «يمكن أن تفعل ذلك أحياناً بتكرار بعض عباراتهم، لتؤكد على أنك تفهم فكرتهم وأنهم مسموعون».

شارك دائرة الضوء. عندما يتحدث أحد إليك بشأن مشكلة، أبق تركيزك عليهم، وتجنب تحويل النقاش إلى مشكلة قد تشعر أنك تعاني منها.

ابق هادئاً. قدر إمكانك، حاول الحفاظ على هدوئك في أثناء الحوار لكي تضمن أن يكون النقاش بناءً وليس هداماً. إذا لم تستطع البقاء هادئاً في تلك اللحظة، تراجع واطلب العودة إلى الحوار في وقت لاحق عندما تكون في حالة أفضل.

توقف لتلبية احتياجاتك. كلمة HALT (وتعني توقَف) هي اختصار للحروف الأولى لكلمات جائع، غاضب، وحيد، مرهق بالإنجليزية. عندما تشعر بالضيق بشأن أمر ما، اسأل نفسك إذا كنت جائعاً أو غاضباً أو وحيداً أو متعباً. وإذا كنت تشعر بأي منها، توقف لتلبية هذه الاحتياجات ثم عد إلى معالجة المشكلة.

تعامل وجهاً لوجه. في بعض الأحيان تسوء حالة علاقة ضاغطة بسبب وسائل التواصل الاجتماعي. ربما يخوض الناس مواجهات عدائية عبر الإنترنت أكثر من تلك التي يخوضونها وجهاً لوجه. تنصح الطبيبة غاتشيل قائلة: «أُفضل في العموم الحد من التعرض لوسائل التواصل الاجتماعي». يشجع الحد من الوقت الذي تقضيه على الإنترنت على زيادة التواصل المباشر، سواء فعلياً أو عبر الهاتف أو حتى عبر الفيديو، مما يثير أحياناً خلافاً أقل بكثير من الكلمات التي تكتبها على لوحة المفاتيح.

أكد على الإيجابي. تقول الطبيبة النفسية: «يزداد تأييد الأبحاث لفكرة وجود صلة بين ممارسة الامتنان المقصودة وتحسن الصحة النفسية، مما يمكن أن يمتد إلى تحسين العلاقات». يمكن أن تتضمن مثل تلك الممارسات التعود على كتابة شيئين أو ثلاثة أشياء تشعر بالامتنان بشأنها كل يوم. وتوضح الطبيبة: «قد تتضمن هذه الأمور كل شيء، بما فيها موقف إيجابي مع شريك أو صديق». وتضيف: «إن فعلت ذلك لا تخجل من أن تشارك ما كتبت أو تعبر عن تقديرك لهذا الشخص».

 

التغيير للأفضل

إذا قررت أن علاقة ما مؤذية، لا يعني ذلك أن عليك بالضرورة قطعها تماماً، ولكن سوف تحتاج إلى إجراء بعض التغييرات.

العلاقة المضطربة مع الشريك تؤدي لمشاكل صحية جدية

ضع حدوداً

إذا كان في حياتك شخص صعب المراس، ضع حدوداً يمكنها أن تساعد على إعادة وضع العلاقة على المسار الصحيح. يمكنك أن تكون إلى جوار شخص وتضع بينكما حدوداً أيضاً حتى لا تصبح العلاقة مرهقة. وبينما يشيع الشعور بالإنهاك في علاقات مقدمي الرعاية، فهو يسري في علاقات أخرى أيضاً. على سبيل المثال، قد تسفر عنه علاقة صداقة مع شخص يطلب دائماً دعماً معنوياً، مما يسبب شعوراً بالاستنزاف. يمكن حل هذه المشكلة بوضع حدود واضحة. إذا اتصل هذا الصديق ليحكي عن مشكلة، حدد وقتاً للحديث عنها، بدلاً من المسارعة دائماً لإجابته إلى طلبه.

وتقترح الطبيبة غاتشيل أن تعبر عن اهتمامك بأن تقول: «يؤسفني أن أسمع عن هذا الأمر وعما تمر به. لا أستطيع التحدث الآن، ولكن يمكنني أن أتصل بك مساء اليوم أو نهاية هذا الأسبوع للتحدث عن هذا الأمر».

* يمكن أن تساعد هذه الاستراتيجيات على تحسين العديد من العلاقات وحمايتك من الضغوط التي قد تسبب لك متاعب صحية

إذا كانت لديك خلافات مع شخص ما، سيضمن لك وضع الحدود أنك لن تُجبر على الخروج من دائرة الراحة. ربما يحدث ذلك عندما يتصل بك صديق ويطلب منك خدمة لا تشعر بارتياح لتقديمها.

وتشير الطبيبة غاتشيل: «سيكون عليك تقدير ما إذا كنت تشعر بالأمان والراحة لفعل ذلك. وإن لم يكن، وضح أنك ترغب في مساعدتهم ولكنك ستحتاج إلى فعل ذلك بطريقة أخرى».

ضع عافيتك في المقدمة. يمكن أن يكون وضع حدود مع ابن أو حفيد أو زوج أو فرد آخر في العائلة أكثر صعوبة من وضع حدود مع صديق. في هذه الحالات، ربما يتعلق الأمر بتخصيص مساحة لنفسك لتعيد شحن طاقتك واستعادة ذاتك. وهذا أمر عجز عنه كثيرون في عصر الجائحة.

توضح طبيبة هارفارد: «أصبح الناس مطالبين بفعل أكثر مما كانوا يفعلونة وكان عليهم أن يستمروا على وتيرة سريعة وكأنهم في ماراثون لفترة طويلة فعلياً».

حتى تحصل على فترات استراحة ضرورية، استعن بمقدمي خدمة رعاية الأطفال، أو اطلب مساعدة من متخصص أو صديق أو فرد في العائلة. ولا تقلل من أهمية حاجتك إلى شحن طاقتك.

لا بأس من طلب الدعم. يشبه الأمر ما يخبرك به مضيفو الطيران قبل الإقلاع: عند الطوارئ ضع قناع الأكسجين على وجهك قبل أن تساعد شخصاً آخر على وضع قناعه.

حافظ على صحتك. يجب أن تتخذ خطوات تساعد على الحد من الضغط الذي تتعرض له نتيجة للعلاقات المؤذية مع آخرين. اهتم بممارسة العناية بالذات. خصص وقتاً للنشاط البدني وتمارين اليقظة والاسترخاء والأنشطة التي تستمتع بها. في بعض الأحيان يمكن للأنشطة التي تخاطب الحواس، مثل العناية بالحديقة أو التلوين أو الرسم أو حتى شيء بسيط مثل تنظيم حبات الخرز، أن تساعدك على الاسترخاء، وفقا لنصيحة الطبيبة غاتشيل.

كذلك تأكد من إعطاء وقت للأصدقاء الجيدين الذين يمثلون مصدر دعم لك. واهتم باحتياجاتك البدنية. حاول أن تحصل على قدر مناسب من النوم، حيث تقول غاتشيل: «النوم مهم جداً للحالة المزاجية وكذلك لتهدئة القلق ومعدلات الطاقة». وينطبق الأمر ذاته على الغذاء الصحي والقيام بنشاط بدني كافٍ.

حافظ على قدر من المسافة. عندما لا تظل العلاقة إيجابية، يمكن أن يساعدك الرجوع خطوة إلى الخلف. على سبيل المثال، إذا كان لديك صديق لا يُشعرك بالتقدير أو يكثر الانتقاد أو الحديث السلبي، ربما ترغب في استمرار الصداقة ولكن انتبه لفكرة إعطاء هذه العلاقة وقتاً أقل.

تؤكد الطبيبة غاتشيل: «تتغير الصداقات والعلاقات والظروف. وتقليل حجم الاهتمام ببعض العلاقات طبيعي حتى وإن لم توضح سبب وجود مشاعر سلبية تجاه هذا الشخص».

افتح قنوات التواصل. بناء على شكل العلاقة، يمكنك في بعض الأحيان أن تعالج المشاكل بصفة مباشرة. تشرح الطبيبة غاتشيل: «كن واضحاً معهم بشأن العلاقة». على سبيل المثال، إذا كان لديك شخص قريب غير مقتنع بأهمية تلقي اللقاحات وأنت مختلف معه، ربما يستحق الأمر النقاش. حينها ربما لا تكون العلاقة في حد ذاتها هي المشكلة، ولكن الموضوعات التي تثير الخلاف. إذا استمر بينكما الخلاف، ضع حدوداً بشأن ما تستطيع الحديث عنه وما لا تستطيع، وهذه إحدى طرق حل النزاعات.

عندما تتحدث مع شخص بشأن موضوع شائك، احرص على استخدام استراتيجيات تواصل إيجابية. تفسر الطبيبة الأمر قائلة: «استخدم عبارات بصيغة ضمير المتكلم.. على سبيل المثال: لاحظتُ أننا عندما نتحدث تشتعل الأمور بيننا. وتجنب عبارات ضمير المخاطَب (أنت) التي تبدو وكأنها تحمل نبرة اتهام، مثل: أنت دائماً ما ترغب في الجدال بشأن هذا الأمر».

في النهاية يمكن أن تساعد هذه الاستراتيجيات على تحسين العديد من العلاقات وحمايتك من الضغوط التي قد تسبب لك متاعب صحية.

 

* تقرير هارفارد لصحة المرأة.

 ​​​​​