إسرائيل أمام معركة جديدة

500 مليون دولار تكاليف إعادة إعمار غزة
رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بنيت (يسار) ووزير الخارجية يائير لابيد (يمين) (غيتي)

تل أبيب: منذ انتهاء العملية العسكرية «حارس الأسوار» على غزة، يشهد ملف قطاع غزة نقاشا إسرائيليا داخليا وضغوطات أميركية وأوروبية وعربية لضمان استمرار الهدوء، على أن يكون إعمار القطاع خطوة أولى وسريعة لوضع حد لمأساة الغزيين. وحددت وكالات الإغاثة الإنسانية قيمة تكاليف عملية إعادة الإعمار في القطاع بحوالي 500 مليون دولار.

من المقرر أن يصل، الأحد، إلى إسرائيل مساعد وزير الخارجية الأميركي والمسؤول عن الملف الفلسطيني، هادي عمرو، وفق ما أعلن الإسرائيليون، لبحث مختلف القضايا وفي مقدمتها سياسة الحكومة الجديدة تجاه الفلسطينيين، عموما، وإعمار غزة، خصوصا، والآلية الجديدة لإدخال المنحة القطرية إلى القطاع عبر الأمم المتحدة.

وتعتبر المنحة القطرية لغزة جانبا هاما في الموضوع الآني تجاه غزة، سواء الإعمار أو تحسين معيشة السكان. وإزاء النقاش الإسرائيلي المستمر حول تحويل الأموال من قطر إلى غزة، والادعاء بأن الأموال تصرف على تعزيز القدرات العسكرية لحماس ولا تستخدم للهدف، طالبت قطر بتشكيل آلية جديدة لعملية نقل الأموال إلى غزة، بمشاركة أميركيةـ بهدف الحصول على اعتراف دولي بمصداقية تحويل الأموال.

ورأت جهات إسرائيلية أن المطلب القطري جاء في أعقاب ما سموه «التخوين» الإسرائيلي للقطريين، فبينما تطلب إسرائيل من قطر، منذ سنتين، تقديم الدعم المالي لغزة، باتت تدعي أن الأموال تستخدم لدعم حماس.

فقد أدخلت قطر الأموال إلى غزة بإشراك مندوبين إسرائيليين ولكن عند تصعيد الوضع الأمني وتنفيذ عملية «حامي الأسوار»، ادعى بعض المسؤولين الإسرائيليين أن هناك خطأ في موافقة إسرائيل على نقل الأموال، وهو أمر، كما ترى جهات إسرائيلية، استدعى من قطر وضع آلية يشارك فيها ليس فقط الأميركيون إنما أيضا الأمم المتحدة. وطالبت بعقد لقاء رباعي، إسرائيل، قطر، الولايات المتحدة والأمم المتحدة، لوضع آلية جديدة لإدخال الأموال إلى قطاع غزة «حتى لا يكون لاي طرف ادعاء، في حال وقوع مواجهة أخرى، ضد قطر».

القطريون من جهتهم يصرون على تشكيل هذه الآلية، لكن إسرائيل لم تقل كلمتها بعد، غير أن الضغوطات الداخلية والخارجية مستمرة لإعادة إعمار غزة ومساعدة السكان في القطاع للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة.

* الحق أن قرار إغلاق المعابر ومنع تحويل المساعدات إلى غزة، منذ انتهاء العملية العسكرية الأخيرة، تسبب في ضرر كبير إلى جانب ما ألحقته عملية «حامي الأسوار»

في هذه الأثناء لا يزال النقاش الإسرائيلي حول التعامل مع قطاع غزة يشهد خلافات حتى داخل الائتلاف الحكومي. وزير الأمن الداخلي، عومر بار- ليف، تجاهل المطلب القطري حول الآلية الجديدة لنقل الأموال وأعلن أن إسرائيل تريد توزيع المساعدات الأجنبية إلى غزة من خلال نظام قسائم، «لضمان عدم استخدام التبرعات في دعم حركة حماس التي تدير القطاع وتعزيز ترسانتها العسكرية، وفق بار- ليف.

وتحدث وزير الأمن الداخلي عن الوسيلة التي يقترحها رئيس الحكومة، نفتالي بنيت، لنقل الأموال، بحيث «يكون معظم ما يتم إدخاله هو قسائم طعام أو قسائم لمساعدات إنسانية، من خلال الأمم المتحدة وليس مبالغ نقدية، التي يمكن أن يتم الحصول عليها لاستغلالها في تطوير أسلحة تُستخدم ضد إسرائيل»، وفق ما نقله الوزير عن بنيت.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (يمين) ونائب مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الإسرائيلية والفلسطينية هادي عمرو (يسار) في رام الله بالضفة الغربية (غيتي)

أما وزير الأمن، بيني غانتس، فوضع شرطا لإعادة إعمار غزة وتقديم المساعدة بإعادة جثتي الجنديين الإسرائيليين أورون شاؤول وهدار غولدين والمدنيين إبرا منغيتسو وهشام السيد.

وإزاء ما طرحه بار- ليف وشرط غانتس، وهي أمور من شأنها إعاقة عملية إعمار غزة ومساعدة السكان، خرج صوت مغاير من قبل المؤسسة الأمنية التي حذرت من استمرار الوضع الحالي في غزة ودعت المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) إلى اتخاذ خطوات فورية تساهم في  التخفيف عن قطاع غزة، وعدم ربط إعادة الإعمار بملف الأسرى الإسرائيليين لدى حركة حماس، كما اشترط غانتس، مؤكدة أن حل ملف جثتي الجنديين والمفقودين لن يتم إلا من خلال إطلاق سراح أسرى فلسطينيين من السجون الإسرائيلية.

وجاءت هذه الدعوة خلال اجتماع للكابينت ناقش خطة شاملة للتعامل مع قطاع غزة، دون اتخاذ أي قرار، لكن وفدا إسرائيليا سيتوجه إلى القاهرة لاستكمال مفاوضات الأسرى وإعمار غزة.

 إلى جانب دعوة المؤسسة الأمنية حذرت جهات سياسية من عدم اتخاذ خطوات فورية لإعادة إعمار غزة لمنع مواجهة جديدة، غير مسبوقة، كما تم وصفها.

بنيت، الذي التزم الصمت بعد التحذير من عدم اتخاذ خطوات سريعة لتحسين الوضع في غزة، اختار أسلوب التهديد. وخلال مشاركته، مساء الأربعاء، في حفل تخرج دفعة جديدة من طلاب كلية الأمن القومي تطرق إلى غزة من خلال حديثه عن لبنان، في ذكرى مرور 15 عاما على حرب لبنان الثانية. فقد هدد بنيت يقول: «التهديدات الأمنية من حولنا تتغير وهي أصبحت أكثر تعقيدا وأقل توقعا. من جهتنا نعمل ضدها أينما يجب وحينما يجب. لن نسمح لأي دولة ولأي تنظيم إرهابي، وفق تعبيره، بالتهديد لأمن إسرائيل وعلى سيادتها وعلى مواطنيها».

وتابع بنيت تهديداته، متجاهلا كافة الأبحاث التي تجريها مختلف المؤسسات الإسرائيلية، ذات الشأن، حول التعامل مع غزة وضرورة الحفاظ على التهدئة وإعادة إعمارها. وقال: «لدينا جميع الوسائل والقدرات لمواجهة العدو. نواصل متابعة كل أولئك الذين يعملون ضدنا ونحافظ على يقظة واستعداد للتعامل مع جميع السيناريوهات، هذا الأمر يسري أيضا على غزة. فنحن ندير تجاه القطاع سياسة «العصا والجزرة، ولن نسمح بأي تهديد علينا من هناك».

 

خطورة الوضع في غزة

لقد ألحق قرار إغلاق المعابر ومنع تحويل المساعدات إلى غزة، منذ انتهاء العملية العسكرية الأخيرة، ضررا كبيرا إلى جانب ما ألحقته عملية «حامي الأسوار». فقد تم تدمير البنى التحتية لشبكة مياه الشرب ومياه الصرف الصحي، ولم يتم، حتى الآن، تنفيذ أعمال صيانة خصوصا لمحطات تحلية المياه ومنشآت تكرير مياه الصرف الصحي، كما تم وقف مشاريع للتطوير والتوسيع، جراء منع إدخال المواد الخام ومواد البناء الأساسية إلى القطاع.

ناقلات وقود ممولة من قطر بالقرب من مدخل بوابة كرم أبو سالم الحدودية التي تستخدم كبوابة تجارية في مدينة غزة (غيتي)

ووفق التقارير الفلسطينية، فقد انخفض استهلاك المياه لاستخدام الفرد في القطاع من 80 لترا في اليوم (قبل العملية العسكرية) إلى 50 لترا في اليوم، علما بأن الحد الأدنى في اليوم الذي توصي به منظمة الصحة العالمية هو 100 لتر. كما تضررت جودة المياه بحيث ارتفع تركيز الكلور، بشكل كبير ما يسبب أضرارا صحية بالمواطنين.

* النقاش الإسرائيلي حول التعامل مع قطاع غزة يشهد خلافات حتى داخل الائتلاف الحكومي

فوفق منظمة الصحة العالمية، فإن المستوى السليم هو 250 مليغراما للتر، في حين أن المستوى في القطاع ارتفع من 400 - 600 مليغرام للتر قبل العملية العسكرية إلى 800 – 1000 مليغرام للتر الآن (مستوى الكلور في المياه في إسرائيل هو 600 مليغرام للتر).

وبسبب السياسة الإسرائيلية تجاه غزة منذ شهرين، لا يستطيع الغزيون حل مشكلة مياه الصرف الصحي، التي تشكل، وفق التقارير الفلسطينية، حوالي خمسين ألف لتر يوميا. ويتم تجميع قسم من المياه في برك ضحلة قرب الأحياء السكنية، والتي تتسرب إلى المياه الجوفية وبعضها يتم تصريفه إلى البحر.

الحاجة المطلبية والملحة في غزة زيادة كمية مياه البحر التي تتم تحليتها، حيث يتم، بسبب الوضع الحالي، سحب زائد من المياه الجوفية، مما يؤدي إلى تسرب مياه البحر إلى المياه الجوفية ويؤدي بالتالي إلى انهيار أجزاء من التربة إلى الداخل ما قد يشكل خطر الفيضانات وانهيار المباني السكنية خلال فصل الشتاء، وهذا ما يخشاه ويحذر منه الفلسطينيون.

أما بالنسبة لمياه الشرب، فإن أكثر من 95 في المائة من المياه في قطاع غزة غير صالحة للشرب، وفق التقارير الفلسطينية حيث تختلط بمياه البحر التي تمت تحليتها، دون أن تمر بعملية تنقية، التي تنفذ في حوالي 100 منشأة، إذ أدى الوضع الحالي، بعد العملية العسكرية، إلى وقف تشغيل  الآبار ومحطات التحلية والتكرير حيث النقص الكبير في قطع الغيار والمواد اللازمة للمعالجة الروتينية للأنابيب والمياه والمضخات ولوحات التحكم والكهرباء وغيرها. وقد تبين بعد العملية العسكرية أن القنابل الارتجاجية التي ألقتها طائرات سلاح الجو الإسرائيلي واخترقت الأرض، أدت إلى دخول الرمال إلى آبار المياه، وبالتالي المياه التي يتم سحبها تكون مخلوطة بالرمال.

أما بالنسبة للكهرباء، فبسبب إغلاق المعابر ومنع نقل الأموال والمساعدات، منذ شهرين، لم يتم شراء السولار لتشغيل المولدات الكهربائية التي يتم تشغيلها يوميا ما بين 8 -12 ساعة وهي الفترة التي لا يتم فيها تزويد غزة بالكهرباء من قبل إسرائيل. 

* بينت اختار التهديد، متجاهلا كافة الأبحاث حول التعامل مع غزة وضرورة الحفاظ على التهدئة وإعادة إعمارها

يشار هنا، ووفق التقديرات الفلسطينية، إلى أن عملية تحسين الوضع تتطلب وقتا طويلا، على الرغم من التسهيلات التي أعلنت عنها إسرائيل، مطلع الأسبوع الماضي. حيث إن عملية تقديم العطاءات لشراء المواد المطلوبة والحصول على الإذن الإسرائيلي لإدخالها، هي عملية طويلة ولا يمكن للفلسطينيين إجراء تحسينات للبنى التحتية للمياه ومياه الصرف الصحي خلال فترة قصيرة. 

غزة بعد العملية العسكرية الأخيرة

الضغوط الدولية تثمر إعادة المعابر

منذ شهرين، وبعد انتهاء العملية العسكرية «حامي الأسوار» تمنع إسرائيل دخول المساعدات المالية إلى غزة، حيث يجري الحديث عن مائة ألف عائلة غزية بحاجة لهذه المساعدة. كما أغلقت إسرائيل المعابر ومنعت الصيد في بحر غزة بشكل كامل، إلى أن رضخت للضغوطات الدولية وقامت، مطلع الأسبوع، بفتح المعابر وتوسيع مساحة الصيد في قطاع غزة من 9 إلى 12 ميلا بحريا، وأيضا السماح باستيراد مواد طبية وتصدير منتجات زراعية. هذه الخطوات التي نفذت بعد مصادقة الحكومة الجديدة عليها، مشروطة بالحفاظ على الاستقرار الأمني، وفق ما أعلن عنه الجيش الإسرائيلي.

وفي ظل الخلافات الإسرائيلية حول التعامل مع غزة وما بين التهديدات بتوجيه ضربة جديدة والتحذيرات من خطر استمرار الوضع القائم، اعتبر البعض أن الوضع على شفا المواجهة.

تل ليف رام، الذي شغل عدة مناصب خلال خدمته العسكرية في الجيش بقيادة وحدات عسكرية إلى جانب منصب المتحدث باسم قيادة الجنوب في الجيش، اعتبر أن غزة اليوم مشكلة معقدة وأن العملية العسكرية «حامي الأسوار» هي مجرد جملة صغيرة. ورأى أن احتمالات التصعيد تتزايد، وعلى المؤسسة العسكرية الاستعداد لذلك.

* انخفض استهلاك المياه لاستخدام الفرد في القطاع من 80 لتراً في اليوم (قبل العملية العسكرية) إلى 50 لتراً

وقال ليف رام: «بعد الحملة العسكرية الأخيرة طولب الجيش بوضع خطط جديدة، وفي هذه الأثناء يتم جمع الأهداف في غزة وإجراء تحديثات على الأنظمة القتالية، على أن تعلن قيادة المنطقة الجنوبية عن استعدادها للدرجة (أ)، التي هي عمليا أعلى مستوى من الحملة الأخيرة وتتضمن أيضا خططا لأعمال برية للكتائب المناورة»، وفق ليف رام.

وبحسب ليف رام، فقد ناورت إسرائيل  طوال الوقت بين الاستعداد للحرب، ومحاولات تقليص تعاظم القوى العسكرية لحماس، واستقرار الوضع الاقتصادي في القطاع من خلال خطوات اقتصادية واسعة، وكذلك في السنة الأخيرة أيضا كانت على جدول الأعمال مشاريع كبرى مثل محابس السمك أمام شواطئ غزة وإعادة بناء المنطقة الصناعية كارني. كل هذا توقف الآن، وبعد عملية «حامي الأسوار» تطرح إسرائيل بشكل مباشر شروطا جديدة- قديمة، للتقدم في هذه المواضيع في حل مسألة الأسرى والمفقودين، الموضوع الذي في هذه المرحلة ليس فيه أي تقدم.

وبرأي ليف- رام: «طالما أصرت إسرائيل على الشروط التي وضعتها بعد (حامي الأسوار)، فإن احتمال التصعيد يتزايد، ولكن هذا بالضبط هو الموضوع الذي يجب الاستعداد له من أجل تغيير الوضع».

وفي سياق استعداد الجيش لاحتمال تصعيد قريب بحثت قيادة الجنوب استخلاص العبر من عملية «حامي الأسوار»، وتم عرض تقرير على قائد المنطقة الجنوبية، إليعازر طوليدانو.  

وقد ركز التقرير على مسألة التصدي لموضوع الصواريخ التي في حوزة حماس وبقية التنظيمات في القطاع، وهو جانب شكل نقطة ضعف للجيش الإسرائيلي في عملية «حامي الأسوار».

التقرير الذي تجاوز المائتي صفحة تضمن انتقادا للجيش، لكن مسؤولين كبارا علقوا على ذلك في أنه خلال فترة قصيرة «وفي ظل التقدم الاستخباري والتكنولوجي، سيكون الجيش الإسرائيلي في مكان أفضل بكثير مما كان في (حارس الأسوار، وفق ما نقل عن أحد المسؤولين.

كما تضمن التقرير مسألة تفعيل أدوات حربية في معركة محدودة في غزة، وإذا ما تصرف الجيش بشكل صحيح.

حاليا يجري التخطيط لعملية جديدة وفي مركزها اجتياح غزة. والسؤال إذا ما كان سيتغلب المطلب الأميركي والدولي ومطالب جهات إسرائيلية بضرورة الحفاظ على الهدوء وإعادة إعمار غزة، أم الصوت الحربي الذي لم يتوقف عن التهديد، متجاهلا الوضع الحالي في غزة ومطلب ضرورة تحسين الوضع.

في كل الأحوال، فإن المباحثات التي ستجرى في القاهرة بين ممثلين إسرائيليين ومصريين من شأنها أن تحسم الوضع، على الأقل خلال الأشهر القريبة.