اللبنانيون يموتون جوعاً واختناقاً وقهراً

حوادث وفاة هزّت الشارع اللبناني
حادث نتج عنه قضاء أم وبناتها الأربع خلال بحثهن عن البنزين المقطوع من الأسواق.

بيروت: قبل أيّام، ماتت طفلة في لبنان بسبب عدم وجود الدّواء، وعدم وجود سرير داخل مستشفى، في بلد يعاني شعبه حدّ الاختناق.

الدّواء مقطوع، بسبب الاحتكار والتخزين، وتقاعس مصرف لبنان عن توقيع اعتمادات الدواء المدعوم، وتبادل الاتهامات مع وزارة الصحّة حول قائمة الأدوية الضروريّة التي تدخل في قائمة الدّعم. حليب الأطفال مقطوع أيضاً للأسباب نفسها، والكهرباء حدّث ولا حرج، ساعتان تغذية كحدٍ أقصى، والباقي تؤمّنه المولّدات الخاصّة، التي بات أصحابها يطفئونها لساعات خلال اليوم، توفيراً لمادّة المازوت التي بات الحصول عليها مشقّة.

اليوم يموت اللبنانيون لافتقارهم لأبسط متطلّبات العيش الكريم، مع الانهيار الاقتصادي الذي انهارت معه المنظومة الصحيّة، وتعطّلت سبل الحياة، وبات الحصول على أمورٍ كانت تعتبر «تحصيل حاصل» مشثقّة.

جوري السيد

الطفلة جوري توفّيت بين يدي والدتها

هزّ لبنان الأسبوع الماضي خبر وفاة الطفلة جوري السيّد ابنة العشرة أشهر. كانت جوري طفلة ممتلئة بالحياة، قبل أن تصاب بالتهاب رئوي، وتموت بين يدي والدتها بعد تأخّر نقلها إلى مستشفى متخصّص في علاج الأطفال.

وفي حديث لـ«المجلة»، قال مصدر مقرّب من عائلة السيد إنّ جوري كانت تُعاني من التهابات قوّية، وعجز أهلها عن تأمين الدواء لها في ظل إضراب الصيدليات وانقطاع الأدوية، فلجأوا إلى دواء بديل لم يناسب جسد الصغيرة ما تسبّب لها بتداعيات.

وعانت جوري من ارتفاع شديد في الحرارة، فنقلت إلى مستشفى مزبود الذي لم يكن مجهزاً للأطفال، وحاولت والدتها المعاون في قوى الأمن الداخلي إيجاد سرير لها في مستشفى آخر، وبعد ساعات طويلة وجدت سريراً في مستشفى حمود في صيدا، إلا أنّ الأوان كان قد فات وتوفيت جوري.

إدارة المستشفى دحضت رواية الأهل، وأكّدت في بيانٍ لها أنّ «جوري دخلت المستشفى بالفعل وتلقت الرعاية اللازمة، لكن أهلها أصروا على نقلها إلى مستشفى آخر رغم تحذير الأطباء، وأنهم وقّعوا تعهداً يخلي مسؤولية المستشفى عن تبعات ذلك».

* الدّواء غير موجود، بسبب الاحتكار والتخزين، وتقاعس مصرف لبنان عن توفير اعتمادات الدواء المدعوم

وأضافت المستشفى أن «جوري أخرجت منها لكنها سرعان ما عادت بحالة متأخرة جداً لم يستطيعوا معها فعل شيء».

وقد فتحت وزارة الصحة اللبنانية تحقيقا في وفاة الرضيعة.

خبير اقتصادي في لبنان لـ «المجلة»: تأثير رفع الدعم على سعر صرف الدولار ليس بالحجم المتوقع .

العريس عمر جيلاني ضحية انقطاع المياه

مواطن توفي بسبب انقطاع الكهرباء والأكسجين

توفى المواطن بسام حدبا، الذي كان يعاني من مشاكل في الرئة ويحتاج إلى آلة تنفس على مدار الساعة، انقطعت الكهرباء فانطفأ المولد، ومات المريض اختناقاً.

فمع ازدياد ساعات التقنين، بدأ موتور الحي حيث يقطن بسام بتقنين قاسٍ، يطفئ خلاله الموتور ساعات، ويبقى الرجل الذي يحتاج إلى آلة تنفّس بصورة مستمرة يصارع الحياة لالتقاط أنفاسه.

وأوضح ابنه هادي أنّ والده كان بحاجة إلى الآلة على مدار الساعة، ولم تكن ثمّة إمكانيّة لتأمين التيار الكهربائي فمات اختناقاً وسط عجز عائلته.

وحمّل هادي الدولة بأكملها مسؤولية موت والده، عبر إغراق البلد في الظلام الشامل، وحرمان المواطنين من أبسط حقوقهم في العيش الكريم.

الاستراليّة سارة كوبلاند والدة أصغر ضحايا انفجار مرفأ بيروت تستعيد ذكريات اليوم المشؤوم

عمر جيلاني مات بسبب انقطاع المياه

تعدّدت الأسباب والموت واحد، لكنّ أسباب الموت في لبنان قاهرة، لأنّها ناجمة عن إهمال وتقصير وتراكم المآسي التي جعلت من العيش في ظروف صعبة مغامرة غير محسوبة العواقب.

قبل أيام، توفي الشاب عمر جيلاني في بيروت، العريس الذي لم يمضِ أكثر من ثلاثة أشهر على زواجه.

يعاني لبنان اليوم من انقطاع المياه جراء الانقطاع الحاد في التيار الكهربائي، وهو ما اضطر عمر إلى الصعود إلى سطح المبنى حيث يقطن في بيروت لتفقّد خزّانه، تعثّرت قدمه فسقط عن السطح وتوفي على الفور.

عمر ينتظر مولوداً لن يراه، دفع حياته ثمناً لتقاعس الدولة، وقد حمّلت عائلته الدّولة مسؤولية وفاته، وأكد شقيقه أنّ عمر لم يكن ليخسر حياته لو لم يكن مضطراً للصعود إلى سطح المبنى لإيجاد حلٍ للمياه المقطوعة عن كل لبنان.

 

توفي بسبب طوابير البنزين

لم يكن الشاب غيث المصري يتوقّع خلال توجّهه إلى محطّة الوقود التي يملكها جدّه أنّها ستكون رحلته الأخيرة، إذ توفّي الشاب بإطلاق نار، حصل داخل المحطة من قبل مواطنين غاضبين من تقنين الوقود.

فالمواطنون اللبنانيون يقفون منذ أسابيع في طوابير تمتد لساعات طويلة بانتظار ملء خزانات سياراتهم بالبنزين، ما تسبّب بمشادات متنقلة، راح غيث ضحيّة إحداها.

* عمر ينتظر مولوداً لن يراه، دفع حياته ثمناً لتقاعس الدولة

مصدر من عائلة المصري قال لـ«المجلة» إنّ من تسبّب في الحادث، كانت مجموعة من الأشخاص تريد ملء صهريج بالبنزين لإعادة بيعه في السوق السوداء، وأنّ جدّ غيث صاحب المحطة رفض بيعهم البنزين، فعادوا في اليوم التالي لافتعال مشكلة، راح الشاب ضحيتها.

غيث طالب في السنة الثالثة حقوق، رحل نتيجة أزمة البنزين الحادة التي يفاقمها الاحتكار والتخزين والتهريب عبر الحدود، وغياب الدولة عن ضبط السوق السوداء، بعد رحيله أقفل جدّه المحطّة ولم يفتحها مجدداً.

الأم وبناتها الأربع اللواتي قتلن في طريقهن لاستقبال الأب العائد

مع اقتراب الذكرى السنوية لانفجار بيروت... مسيرات تصعيدية من أهالي الضحايا

عائلة حويلا رحلت بأكملها

يوم عيد الأب، كان عماد حويلا المواطن اللبناني المقيم في أفريقيا يحزم حقائبه للعودة إلى لبنان للقاء أسرته.

ذهبت الأم وبناتها الأربع للبحث عن البنزين المقطوع من الأسواق، لملء السيارة قبل التوجّه من الجنوب إلى المطار في بيروت لإحضار الوالد، فاصطدم بهنّ سائق مسرع وقتلن جميعا على الفور.

قبل أن يركب طائرة العودة، علم عماد من مواقع التواصل الاجتماعي أنّ عائلته بأكملها رحلت، في رحلة البحث عن مادة البنزين.

أثار الحادث غضب الرأي العام اللبناني، وتساءل اللبنانيون هل باتت كل الطرق تؤدّي إلى الموت؟

تعدّدت الأسباب والموت واحد، أصعبه الموت من القهر، واليأس، وفقدان الأمل بأنّ غداً يوم أفضل.

  يوميّات لبنانيّين عشيّة ذكرى الحرب الأهليّة الـ46: حرب الجّوع اليوم أقسى بكثير


مقالات ذات صلة