خيارات الخرطوم لتجنّب أضرار الملء الثاني لسدّ النهضة

العمل العسكري مستبعد... والتعويل على الدور الدولي
نظرة عامة على نهر النيل الأزرق أثناء تدفقه عبر سد النهضة الإثيوبي الكبير بالقرب من جوبا في إثيوبيا في 26 ديسمبر 2019

الخرطوم: على الرغم من الروايات التي تشكك في مصداقية إمكانية إكمال الملء الثاني لمخزون مياه سد النهضة الاثيوبي، إلا أن الخطوة نفسها اعتبرت موقفا سياسيا وفنيا يتجاهل عمليا مطلب السودان الرئيسي بعقد اتفاق ملزم حول تشغيل وإدارة السد بين الدول الثلاث (السودان ومصر واثيوبيا)، ويلغي مبادرة الاتفاق المرحلي التي كان يفترض أن تسبق المرحلة الثانية للملء، ما يضع السودان أمام الأمر الواقع، على الرغم من تأكيد بعض خبرائه بأن الخرطوم لن تقبل بهذه السياسة، وأنها ما تزال تملك خيارات، بينما أكد مسؤولون لـ«المجلة»استعداد الجهات المعنية لهذا السيناريو، مشيرين إلى خطط عملية لتجنب أي أضرار محتملة للخطوة الإثيوبية الأحادية.

وفي تصريح لرئيس مجلس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، نشر على وكالة الأنباء السودانية، أعاد موقف بلاده الداعي إلى الوصول لاتفاق قانوني وملزم بين كل من مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة وملئه بما يتماشى والقانون الدولي.

وقال حمدوك إن ملف سد النهضة يظل في مقدمة أولويات الحكومة الانتقالية، وإنه رغم إعلان الحكومة الإثيوبية عن اكتمال عملية الملء الثاني في مواصلة للتصرف في هذا الملف بشكل أحادي وللمرة الثانية، إلا أن السودان يظل متمسكا بالوصول إلى اتفاق قانوني وملزم حول سد النهضة.

وأضاف: «إلا أننا نواصل الدعوة للامتناع عن الإجراءات المنفردة مع ضرورة التوصل لاتفاق قانوني وملزم يتماشى مع القانون الدولي ولن ندخر جهدا في تحقيق هذا الهدف الذي يحفظ مصالحنا القومية في السودان».

ومنذ الوهلة الأولى لإعلان إثيوبيا بناء سد مائي ضخم على النيل الأزرق وبالقرب من الحدود السودانية، أعلنت الخرطوم عدم ممانعتها مبدئيا للمشروع، وأكدت قبولها بسد النهضة ضمن الاتفاق الموقع بين السودان ومصر وإثيوبيا في الخرطوم عام 2015، لكن الخرطوم ظلت تؤكد أن تشغيل السد وإدارة أموره الفنية تتطلب اتفاقا ملزما بين الأطراف الثلاث حتى لا تتضرر أي دولة مع تأكيدها على أحقية إثيوبيا في مشروعات التنمية المعتمدة على مياه النيل.

بيد أن عدم تفاعل إثيوبيا مع شواغل الخرطوم خصوصا بعد الأضرار المتوسطة التي أصابت مناطق سودانية مختلفة (عطش ونقص في التوليد الكهربائي ومياه الري الزراعي)، أثار الشكوك حول النوايا الإثيوبية من إنشاء السد، وزادت الأمور تعقيدا عقب إصرار المفاوض الإثيوبي تضمين قضية "تقاسم المياه ضمن أي اتفاقية جديدة بشأن سد النهضة، وهو الأمر الذي ترفضه الخرطوم وتعتبره مراوغة تستغلها أديس أبابا لكسب الوقت إلى حين اكتمال كافة عمليات السد الفنية ووضع السودان أم الأمر الواقع.

ويشير المسؤولون السودانيون إلى أن قضية تقاسم المياه محسومة أصلا في اتفاقية سابقة ولا علاقة لها بملف سد النهضة الذي يتطلب اتفاقا فنيا ملزما حول التشغيل وإدارته فقط، وأن إصرار إثيوبيا على «المماطلة»في حسم ملف سد النهضة يثير الشكوك حول نواياه تجاه السودان وأمن المياه بشكل عام.

منظر جوي لسد النهضة الإثيوبي الكبير على نهر النيل الأزرق في جوبا، شمال غربي إثيوبيا، (أ.ف.ب)  

توتر عسكري

وتشهد العلاقات السودانية الإثيوبية توترا عسكريا على الحدود بعدما قرر السودان استعادة أراضيه الزراعية الخصبة في منطقة الفشقة التي استغلتها لسنوات مجموعات سكانية إثيوبية، وتساند غالبية هذه المجموعات رئيس الوزراء آبي أحمد في مواجهاته المسلحة في إقليم تيغراي المحاذي لدولة إريتريا.

وأصبح ملف سد النهضة والمشاكل التي يمكن أن يتسبب فيها للسودان، من أكثر القضايا إثارة للرأي العام السوداني في الآونة الأخيرة، وتصاعد الاهتمام بالقضية على خلفية تغريدة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تعلن اكتمال المرحلة الثانية لتخزين المياه، وقبل بث التلفزيون الرسمي لنبأ يؤكد ذات الخطوة، ما دفع وزارة الري والموارد المائية السودانية لإصدار بيان طمأن فيه السودانيين بتحوطات تجنب السودان الأضرار المتوقعة قبل أن يدين الخطوة الإثيوبية ويصفها بالقرار الأحادي.

ويرى مختصون سودانيون أن البلاد بإمكانها الاستفادة من بناء سد النهضة في تحديد مواقيت الري الزراعي وإدارة السدود داخل السودان، فضلا عن احتمال الحصول على مزايا تفضيلية من الإمداد الكهربائي الذي تحتاجه البلاد في العديد من المشروعات التنموية، إلى جانب إيجابيات أخرى من بناء السد مثل خفض كميات الطمي في المياه وتقليل حجم التبخر.

وهؤلاء متفقون أيضا على ضرورة الاتفاق الفني الملزم بين البلدين حول سد النهضة، وأن لا تتم إدارة وتشغيل السد بشكل أحادي من قبل إثيوبيا ودون توفر معلومات كافية للجانب السوداني، في ظل علاقات جوار تعترضها كثيرا حالات الطوارئ والتوتر والحسابات السياسية الناتجة على تعقيدات العلاقات في الإقليم.

وجاء في بيان لوزارة الري والموارد المائية السودانية تأكيد على رفض الإجراءات أحادية الجانب من الجارة إثيوبيا وسياسات فرض الأمر الواقع وتجاهل المصالح المشروعة والمخاوف الجدية لشركائها في النهر.

وشدد البيان الذي تسلمت «المجلة»نسخة منه أن البديل الأفضل لهذا النهج الإثيوبي الذي لن يؤدي إلا إلى الأضرار بالعلاقات التاريخية المتميزة بين البلدين والشعبين الشقيقين، هو مواصلة التفاوض، بنية حسنة، للتوصل لاتفاق قانوني ملزم وشامل يحافط على مصالح كل الأطراف ويخاطب مخاوفها، وبالذات التشغيل الآمن لسد الروصيرص.

ورأى البيان أن الوقت لم يفت بعد، وأن التوصل للاتفاق المرجو، ضروري جدا وممكن ومتاح، إذا توفرت الإرادة السياسية.

وعكفت الجهات المسؤولة منذ أشهر على التحوط واتخاذ الإجراءات الفنية والإدارية المناسبة للحد من الآثار السلبية الفعلية والمحتملة للملء الأحادي الجانب للعام الثاني على التوالي بكلفة اقتصادية واجتماعية باهظة.

ومن بين التدابير الذي اتخذتها الحكومة الانتقالية السودانية تغيير نظم التشغيل في خزاني "الروصيرص وجبل الأولياء، لجهة توفير المناسيب المطلوبة لمحطات مياه الشرب ولتوليد الكهرباء.

 

تحذير من مخاطر سدّ النهضة

وحسب وزير الري السابق عثمان حمد التوم، في حديث لـ«المجلة»،فإن التحوطات شملت الاطمئنان على الاكتفاء من مياه الشرب وعلى عدم نقص مياه الزراعة والاحتياطات للتعامل مع النقص المتوقع في التوليد الكهربائي المائي، وفي هذا الصدد تم الاتفاق على عدم التفريغ  الكامل لخزان الروصيرص على النيل الأزرق، والإبقاء على مليار متر مكعب كاحتياطي، والإبقاء أيضا على 600 مليون متر مكعب من المياه داخل خزان جبل الأولياء على النيل الأبيض وهو الخزان الذي تعتمد عليها العاصمة الخرطوم وبعض المناطق في مياه الشرب فضلا عن المشروعات الزراعية المروية.

ويشير التوم وهو مستشار حالي للحكومة في ملف سد النهضة إلى أن الوضع كان أفضل بكثير مما هو متوقع من قبل اللجنة السودانية الفنية المعنية، حيث توفرت هذه السنة كميات كبيرة من المياه بزيادة عن الفجوة التي كانت متوقعة من الملء الثاني لسد النهضة.

وتأكيدا على أهمية القضية، وضع ملف التعامل مع نتائج عملية ملء السد في صدارة القضايا التي ظل يناقشها مجلس الأمن والدفاع كلما ظهرت مستجدات.

وفي هذا الخصوص بعث نحو 70 متخصصا سودانيا في مجالات مختلفة من بينها المياه، بمذكرة إلى مجلس الأمن والدفاع تحذر مما وصفتها المذكرة بمخاطر السد الإثيوبي على سلامة مواطني وأرض السودان، داعية إلى سحب الاعتراف باتفاق المبادئ الموقع في مايو (أيار) 2015، وذلك بعد مماطلة إثيوبيا في إكمال الدراسات الهندسية والمائية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية ودراسات سلامة وأمان السد وقيامها بالملء الأول بإرادة منفردة وإصرارها على إكمال الملء الثاني دون حلحلة القضايا العالقة ودون اتفاق كامل.

ومن بين الموقعين على المذكرة الدكتور أحمد المفتي أبرز الناقدين للسد الإثيوبي، حيث أكد في منشور اطلعت عليه «المجلة»عدم صحة المعلومات التي تروج بأن إثيوبيا ستقوم بإمداد السودان بالكهرباء، وأن إثيوبيا لم تلزم نفسها، بإعطاء السودان كهرباء مجانا، أو بسعر منخفض بل إن إثيوبيا غير ملزمة، ببيع أي «كمية محددة»، من الكهرباء للسودان، ولو بأسعار السوق وأن مرجعيته في هذا الرأي هو المبدأ رقم 6 من إعلان مبادئ سد النهضة، الذي يتحدث عن موضوع الكهرباء، ولكن عنوانه «بناء الثقة».

ونادت مذكرة المتخصصين صراحة، بالمطالبة باستعادة الأراضي السودانية في بني شنقول والتي يقام عليها السد، طالما تنكرت إثيوبيا لاتفاقية 1902، وطالبت الحكومة الانتقالية باستراتيجية وطنية سودانية واضحة وقوية للتعامل مع المقاربات الإثيوبية وأخطار السد الإثيوبي وإعادة النظر في الوفد المفاوض باسم السودان ليشمل متخصصين من جيولوجيين وبيئيين وزراعيين وخبراء سلامة وممثلين عن المتأثرين بالسد وكذلك مراجعة طرق وآليات عمله وقراراته بما يحقق المصالح العليا للسودان.

موقع سد النهضة الإثيوبي الكبير

تعويل على الضغوط الدولية

وحسب مصدر مسؤول في وزارة الإعلام السودانية لـ«المجلة»، فإن الحكومة الانتقالية تعول على الضغوط الدولية والإقليمية لإيقاف الخطوات المنفردة لإثيوبيا، مستبعدا خيار المواجهة المسلحة حول هذا الملف، ومؤكدا أن موضوع استعادة السودان لأراضيه في منطقة الفشقة الحدودية لا يعني الدخول في حرب مع الجارة إثيوبيا التي تواجه مشكلات داخلية.

ويقول الخبير السياسي والأمني في قضايا القرن الأفريقي الدكتور الأمين عبد الرازق لـ«المجلة»إن الحرب ليست في صالح أي طرف من الأطراف، وإن الجميع سيخسر من اندلاع المواجهات المسلحة، وإن الأطر الدبلوماسية ما تزال متوفرة، وإن الملف يتطلب الحلول السلمية ومراعاة مصلحة الشعوب المتطلعة إلى السلام والتنمية.

وتدعو الخرطوم إلى تضامن دولي للمفاوضات التي يتبناها الاتحاد الأفريقي الذي تعتبره الحكومة السودانية غير محايد في هذا الملف ومنحازا للجانب الإثيوبي، وتسعى الخرطوم لكسب الموقف الروسي والاتحاد الأوروبي للتدخل في القضية.

وفي هذا الخصوص، يقول المحلل السياسي الدكتور محمد خليفة صديق لـ«المجلة»إن التعويل على التجمعات الأفريقية وبخاصة الاتحاد الأفريقي ليس ذا جدوى، مبينا أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يفهم أن خوض حرب جديدة ليس في مصلحته وهو يخوض حربا في إقليم تيغراي، وأن حربا جديدة ستدمر قوته من ناحية عسكرية بينما السودان لديه قوة ولديه خبرة في الحروب. وفي الذاكرة العسكرية أن السودان هزم الجيش الإثيوبي قبل استعمار الإنجليز للسودان، بينما الجيش الإثيوبي يعاني من تمرد تيغراي الذين كانوا في قلب الجيش الإثيوبي الفيدرالي خصوصا سلاح الطيران.

ولم تطرح الخرطوم السيناريو العسكري ضمن خياراتها، وحسب ما توفر لـ«المجلة" من معلومات من مصادر مطلعة، فإن السودان يتحوط داخليا بإجراءات فنية، ويسعى لموقف دولي مساند لمفاوضات بوساطة محايدة، ويأمل أن تتفهم الدول موقفه وخاصة تلك الدول التي لديها مصالح في منطقة القرن الأفريقي، ويشرح موقفه على أساس أن اندلاع أي نزاع في المنطقة سيؤدي إلى أضرار لكافة المصالح الدولية في القرن الأفريقي، بما فيها الاستثمارات الأجنبية في إثيوبيا وبشكل خاص في سد النهضة الذي قد لا يحقق أهدافه التنموية في ظل توتر واحتمالات نزاع كبير.