الدولة في خدمة الميليشيا: العراق نموذجاً

اغتيال ناشط سياسي معارض للنفوذ الإيراني في الدول التي تقع تحت النفوذ الإيراني بات أمرا متوقعا. وأن يكون القاتل مرتبطا بالميليشيات الإيرانية أو التابعة لها فهو أيضا أمر متوقع، وأن يتم الإعلان عن اكتشاف القاتل فهو أمر جيد وجديد نسبيا، إذ إننا اعتدنا على عدد لا بأس به من الاغتيالات التي سجلت ضد مجهول في السنوات الأخيرة، أن يكون القاتل هو ضابط بالشرطة ومقرب من أحد الميليشيات فهنا قد تكون المفاجأة.

قبل أيام أعلن رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، القبض على أحمد حمداوي عويد معارج الكناني، المتورط في اغتيال الباحث الأمني والناشط السياسي هشام الهاشمي، وبث التلفزيون الرسمي اعترافاته الكاملة، وتفاصيل جريمة اغتيال الهاشمي، لكنه لم يعلن الجهة التي أمرت الكناني بتنفيذ الجريمة، وكأن الكناني اتخذ قرار تصفية الهاشمي منفردا وخطط لها ونفذها مع مجموعة من أصدقائه، هذه الجزئية حرص التلفزيون العراقي الرسمي على إخفائها أو عدم التطرق لها، كما أن البيان الرسمي العراقي لم يتحدث عنها مطلقا وبالتالي فإننا أمام تجهيل لفاعل معروف للجميع، بحيث يصبح القبض على الكناني مجرد محاكمة للأداة وترك المجرم الحقيقي يهنأ بالأمان.

لم تكن المفاجأة فقط في سابقة إلقاء القبض على الكناني، بل المفاجأة الأكبر كانت بمن هو الكناني، فالكناني هو ضابط في وزارة الداخلية العراقية برتبة ملازم أول ومنتدب للحشد الشعبي أي إنه يتقاضى راتبه من وزارة الداخلية لكنه يتلقى أوامره من قيادة الحشد، وهنا المفارقة، فالضابط وظيفته حماية المواطنين وليس قتلهم، ولكن حين يكون النفوذ لإيران فالأمور دوما مختلفة.

بعد الكشف عن اسمه ورتبته ودوره في عملية الاغتيال، نشر ناشطون عراقيون على صفحات التواصل الاجتماعي مقتطفات من منشوارت الكناني نفسه. الضابط برتبة ملازم أول والذي لم يكن يخفي ولاءه وانتماءه للميليشيات الإيرانية، فقد أشاد بها في أكثر من مناسبة، وكان مرتبطا بكتائب حزب الله العراقي التي طالما انتقدها الهاشمي والتي هددته قبل اغتياله، كذلك وفقا للناشطين العراقين، فالرجل- أي الكناني- يضع صورة أبو مهدي المهندس، نائب رئيس الحشد الشعبي، والذي قتل مع قاسم سليماني في بغداد في مطلع العام الماضي، كصورة شخصية له.

اللافت أنه وخلال بث اعترافات الكناني، صدر بيان أمني اعتبر أن الكناني «ينتمي لمجموعة ضالة خارجة على القانون»، وهنا لا بد أن يسأل المرء: كيف لضابط بمؤسسة أمنية تمثل الدولة أن يعلن مرارا انحيازه لإحدى الميليشيات الموالية لدولة أخرى دون أن تلتفت المؤسسة التي ينتمي إليها إلى الأمر، بل ما يزيد الاستغراب أن يكون الحشد ممولا من الخزينة العراقية وفي نفس الوقت ولاؤه وأوامره تأتي من الحرس الثوري في إيران.

ومع ذلك يبقى السؤال الأبرز الذي يطرحه العراقيون هو من يقف وراء عملية اغتيال الهاشمي؟ كون الكناني ليس إلا منفذا للجريمة. وإن كانت الجهة معلومة منذ اليوم الأول، أي حزب الله العراقي، فلماذا لم تعلن السلطات العراقية الأمر واكتفت بالقول إن الكناني «تابع لجهة ضالة خارجة على القانون»؟

وإن كان مجرد إلقاء القبض على الكناني أمرا جيدا، لكن الواقع يقول إن الكناني ليس وحده من ينتمي إلى السلطات الرسمية العراقية والميليشيات الإيرانية في آن واحد، بل إنه وقبل أسابيع حضر رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، استعراضا عسكريا لقوات الحشد الشعبي، مؤكدا يومها أن «هذا العمل هو تحت راية العراق، وحماية أرضه وشعبه».

فكيف من الممكن شرعنة هذه الميليشيات واعتبارها جزءا لا يتجزأ من المؤسسات الحكومية العراقية، وفي الوقت نفسه اعتبار من ينتمي لها خارجا على القانون؟ وكيف من الممكن الدعوة للتحرر من سطوتها، ووقف تمددها داخل مفاصل الحياة السياسية والعسكرية، وطلب دعم المجتمعين العربي والدولي بذلك في الوقت عينه الذي تعطى مظلة هذه التنظيمات الشرعية السياسية والدينية؟

إن تعريف شرعية السلطة الأولي والأساسي هو قدرتها على احتكار وسائل القهر والجبر والعنف في المجتمع وقدرتها على احتكار أدوات إنفاذ القانون، من غير هذه الوظيفة تفقد السلطة شرعيتها وتفقد مبرر وجودها أصلا، ومحاولات البعض اختراع تصنيفات لميليشيا الحشد التي أصدر المالكي قانونا بضمها لوزارة الدفاع، والقول إن هناك حشدا ولائيا مذموما وحشدا مرجعيا مقبولا هو اعتداء على فكرة الدولة نفسها، فحيث تتواجد الميليشيات أيا كانت تسميتها تنسحب الدولة من الوجود أصلا وتنتفي أسسها القانونية والسياسية والدستورية.

ليس الكناني سوى واحد من آلاف، وربما أكثر، من أصحاب الانتماء المزدوج بين الدولة والميليشيا، وليس العراق إلا نموذجا لدول باتت تحت النفوذ الإيراني بالكامل، حيث لإيران السطوة ليس فقط من خلال ميليشياتها المسلحة ولكن أيضا من خلال توغلها في مؤسسات الدولة. فكيف يظن البعض أنه من الممكن وضع حد للنفوذ الإيراني من خلال دعم غير مشروط لمن لا يرى في ميليشياتها أي خطر حقيقي على الدولة؟ إن كان البعض يعتبر أن اجتثاث البعث بعيد سقوط بغداد خطأ، فلا بد من التأكيد على أن اجتثاث كل ما له علاقة بالميليشيات الإيرانية أمر أكثر من ضروري، بل قد يكون الحجر الأساسي لإعادة الاعتبار للدولة بمفهومها العام الذي يحمي المواطن لا الذي ينفذ أجندة الميليشيات ويشارك في قتل المواطنين. ولنتذكر أنه في الأنظمة البعثية بشقيها في العراق وسوريا، كان جميع موظفي الدولة يهرولون للانتماء للحزب الحاكم كي يحميهم من المساءلة، ويبدو اليوم أنهم باتوا يهرولون باتجاه كل ما له علاقة بإيران وحرسها الثوري ووليها الفقيه وميليشياتها.