الاعتذار عن الجرائم التاريخية... توجه سياسي أم صحوة إنسانية؟

مواقف متباينة ومصالح متشابكة
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الأرميني بالإنابة آرا أيفازيان في زيارة للنصب التذكاري للإبادة الجماعية للأرمن (غيتي)

باكو: يبدو أن عام 2021 يشكل عام الاعترافات بالانتهاكات ضد الإنسانية التي ارتكبها الماضي الاستعمارى، إذ جاء الاعتراف الأميركي بالمجازر التي حلت بالأرمن على يد السلطنة العثمانية عام 1915 وما بعده، ليسير في ركاب الدول التي سبقته والبالغ عددها 29 دولة، من بينها ألمانيا وفرنسا وروسيا والأرجنتين ولبنان وكندا والدنمارك. وقد سبق هذا الاعتراف الأميركي اعتراف برلين بارتكاب جنودها إبادة جماعية في ناميبيا إبان الاستعمار الألماني نهاية القرن التاسع عشر.

وفي السياق ذاته جاء الاعتراف الفرنسي بمسؤوليتها في الحرب الأهلية برواندا والتطهير العرقي الذي تعرضت له أقلية التوتسي، بل ومن قبلها كان الموقف الفرنسي مما حدث في الجزائر من اعتراف بما اُرتكب من مآسي الاستعمار الفرنسي بحق الشعب الجزائري المناضل.

كل هذه الأحداث ألقت بظلالها على ما يمكن أن يشهده العالم في قادم الأيام حيال مواقف الدول والحكومات عما ارتكبته من جرائم ضد الإنسانية، إذ أضحى التساؤل المطروح: هل تفتح هذه الاعترافات الباب أمام بقية الدول للسير في ذات الطريق بتقديم اعتذارها عما ارتكبته من جرائم أم ترتبط قضية الاعتراف والاعتذار بظروف معينة وأوضاع محددة دفعت هذه الحكومات إلى الإقدام على هذه الخطوة دون أن يكون ذلك اقتناعا بضرورة تقديم الاعتذار الذي يستوجب معه دفع تعويضات أو ترتيب مسؤوليات قانونية؟

 

صلاة الجنازة على أسرى الحرب الكويتيين الذين تم العثور على رفاتهم في مقبرة جماعية في العراق (رويترز)

وفي خضم الإجابة على هذا التساؤل، يستعرض التقرير ملف الاعترافات والصفح الدولي عن الجرائم الاستعمارية، من خلال ثلاثة محاور على النحو التالي:

 

أولا: الجرائم الدولية والاعتذارات الرسمية... لمحة تاريخية

تسجل صفحات التاريخ أن التقليد الخاص بالاعتذار الرسمي عن جرائم اُرتكبت يرجع بداياته إلى عام 1077م، عندما اعتذر الإمبراطور الروماني هنري الرابع لقداسة بابا روما غريغوري السابع، عن صراعات نشبت بين الدولة والكنيسة، وقد عبر عن اعتذاره بأن وقف حافياً في الثلج ثلاثة أيام. وقد تتالت النماذج والأمثلة من دول وحكومات قدمت اعتذارات رسمية لشعوب على أحداث مؤسفة ومأساوية ارتكبتها في حقهم، لعل أشهرها اعتذار اليابان للعالم في خطاب لها في الأمم المتحدة عن دورها في الحرب العالمية الثانية، واعتذارها الخاص لكل الدول المتضررة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية التي هاجمتها اليابان في ميناء هاربر. ولم تعتذر أميركا مقابل ذلك عن استخدامها القنبلتين النوويتين في هيروشيما وناجازاكي. إلا أنها اعتذرت عن ارتكابها ظلماً فادحاً بحق الأميركيين من أصل ياباني أيام الحرب العالمية الثانية، إذ جرى حبسهم في مخيمات على خلفية اتهام جماعي بأنهم موالون لليابان ضد الولايات المتحدة.

وجدير بالإشارة أن الاعتذار الرسمي عادة ما يستدعي مناقشة منح تعويضات مالية وتحمل تبعات قانونية. فمثلاً عندما اعتذرت كوريا الجنوبية لفيتنام عما ارتكبته جيوشها خلال ثورة 1965، أرفقت السلطات الكورية اعتذارها بتعهد لبناء وتطوير المناطق المنكوبة. وهو ما فعله البرلمان النرويجي حينما وافق على تعويضات مالية لـ12 ألف ألماني كانوا أولاداً لأفراد من الجيش الألماني الذي احتل النرويج خلال الحرب العالمية الثانية، وسبب الاعتذار والتعويض هو أن هؤلاء عانوا من التمييز في المجتمع النرويجي بعد انتهاء الحرب.

وفى السياق ذاته، جاء اعتذار دولة العراق عن احتلالها لجارتها الكويت، حيث قدم الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين في عام 2002 رسالة اعتذار للشعب الكويتي تمت قراءتها باسمه على شاشات التلفزيون الرسمي العراقي، خاطب فيها الشعب الكويتي بـ«الإخوة» واستغفر الله واعتذر لهم عن حربه على الكويت، وقد صاحب هذا الاعتذار بدء العراق في دفع تعويضات للشعب الكويتي عما أصابه من خسائر بسبب الغزو.

وغني عن القول إن الاعتذار عما ارتكب من جرائم لم تكن رسمية، بل شهد العالم اعتذارا غير رسمي عن الجرائم التي ارتكبت، مثال ذلك ما جرى في عام 1999 حينما اعتذرت مجموعة من مسيحيي أوروبا، بعدما سمته «مسيرة التصالح» عن الحروب الصليبية التي شنت على العالم الإسلامي قبل ما يزيد على 900 عام.

 

* التقليد الخاص بالاعتذار الرسمي عن جرائم اُرتكبت يرجع بداياته إلى عام 1077م

 

ثانيا: العام 2021... عام الاعتراف والاعتذار عن الجرائم الاستعمارية

تعددت الجرائم التي ارتكبها الاستعمار خلال فترات وجوده ضد الشعوب أصحاب الأراضي المستعمرة بهدف إخضاعها وإذلالها وتركيعها وفرض هيمنته على شؤونها والاستحواذ على مقدراتها، وهو كان يقابل بمزيد من الرفض والتمرد والاحتجاج من جانب هذه الشعوب التي ناضلت كثيرا من أجل الحصول على استقلالها وحقوقها. مع الأخذ في الحسبان أن الجرائم التي اُرتكبت تباينت في مستوياتها لتصل في بعضها إلى مستوى جرائم الإبادة الجماعية. ومع استيقاظ الضمير الإنساني لدى شعوب بعض الدول الاستعمارية، دفعها ذلك إلى الاعتراف بما ارتكبه الأجداد من جرائم ضد الإنسانية، بل ذهبت بعض هذه الدول إلى تقديم التعويضات اعتذارا واعترافا بما اُرتكب بحق هذه الشعوب، ومن أبرز الجرائم الاستعمارية التي شهدت مؤخرا اعترافا من جانب مرتكبيها ما يأتي:

  1. الجرائم الألمانية في ناميبيا، إذ إنه بعد أكثر من مائة عام على الاستعمار الألماني لناميبيا ذلك البلد الواقع في جنوب غربي أفريقيا، أقرت برلين في مايو 2021 بارتكاب إبادة جماعية بحق شعبي الهيريرو والناما، والتي اعتبرها المؤرخون أول إبادة جماعية في القرن العشرين، إذ إنه في عام 1904 ثار شعب هيريرو ضد المستوطنين الألمان بعدما حرمهم هؤلاء من أراضيهم وماشيتهم، في تمرد قتل خلاله حوالي مائة مستوطن. وعهدت برلين بمهمة إخماد التمرد إلى الجنرال الألماني لوثار فون تروثا الذي أمر بإبادة المتمردين. وبعد سنة واحدة تمرد شعب ناما فلقوا المصير نفسه. أسفرت هذه المذابح بين عامي 1904 و1908 عن مقتل ما لا يقل عن 60 ألفا من أبناء شعب هيريرو (ويشير مؤرخون إلى مقتل 80 ألف شخص من أصل 100 ألف) وحوالي 10 آلاف من أبناء شعب ناما (من أصل 20 ألفا). واستخدمت القوات الاستعمارية الألمانية لإخماد هذا التمرد تقنيات إبادة جماعية شملت ارتكاب مذابح جماعية، والنفي إلى الصحراء، حيث توفي آلاف الرجال والنساء والأطفال عطشا، وإقامة معسكرات اعتقال أشهرها معسكر جزيرة القرش.

 

أشهرها اعتذار اليابان للعالم في خطاب لها في الأمم المتحدة عن دورها في الحرب العالمية الثانية

 

ومع الاعتراف الألماني بارتكاب هذه المجازر والجرائم ضد الإنسانية، وبعد مفاوضات استمرت أكثر من خمس سنوات، تم الاتفاق على قيام ألمانيا بإعادة الإعمار والتنمية في مشاريع تتعلق بإصلاحات الأراضي والبنية التحتية الزراعية والإمدادات بالمياه والتعليم المهني في ناميبيا، عبر برنامج مالي قيمته 1.1 مليار يورو. على أن يتم سداد هذا المبلغ، وفق بنود الاتفاق على مدى 30 عاما، وتكون أولوية الاستفادة منه لأحفاد هذين الشعبين.

  1. المسؤولية الفرنسية عن المجازر التي ارتكبت في رواندا عام 1994، إذ مثل الاعتراف الذي أدلى به الرئيس الفرنسي في مايو من هذا العام ومن أمام النصب التذكاري لضحايا مذابح التسعينات، بشأن مسؤولية بلاده عن الإبادة الجماعية التي جرت خلال الحرب الأهلية في رواندا والتي راح ضحيتها أكثر من 800 ألف شخص من عرق التوتسي. صحيح أن فرنسا لم ترتكب هذه الجريمة ضد الإنسانية كما أكد على ذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بقوله: «إن فرنسا لم تكن متواطئة، لكنها فضلت الصمت على النظر في الحقيقة»، وذلك حينما اندلعت الحرب الأهلية بين قبيلتي الهوتو والتوتسي ما بعد استقلال رواندا عن بلجيكا عام 1962، ولم تتدخل فرنسا لمنع ارتكاب تلك المجازر بحق أقلية التوتسي، حيث إنها كانت تحتفظ بقوات لها في رواندا، وكانت تلك القوات قادرة على التدخل لمنع ما جرى، وهو ما خلص إليه تقرير أصدرته حكومة رواندا في مايو (أيار) 2021، إلى أن فرنسا كانت على علم بالتحضير لإبادة جماعية في البلاد، وتتحمل مسؤولية كبيرة عن السماح بحدوثها. وهو الشيء الذي لم ينفه تقرير تابع للجنة تحقيق فرنسية، معتبرا أن موقفا استعماريا أعمى المسؤولين الفرنسيين، وأن الحكومة الفرنسية تتحمل مسؤولية كبرى وجسيمة لعدم توقع المذبحة. وعلى الرغم من أن التقرير أقر بأن فرنسا قدّمت الأسلحة والدعم اللوجيستي للحكومة الرواندية التي كانت تمثل الأغلبية من قبيلة الهوتو؛ بل كانت متحالفة معها منذ سنة 1990، وأنها سهلت هروب المجرمين من حكومة الهوتو، وقامت بتأمينهم في معسكرات آمنة؛ إلا أنه برأها من التواطؤ المباشر في الإبادة. والحقيقة أن الموقف الفرنسي في هذا الخصوص رغم اعترافه بتقصيرها عن التدخل لمنع ارتكاب تلك الجرائم إلا أنها تؤكد على أنها غير متهمة بالضلوع في ارتكاب مثل هذه الجرائم، ومن ثم ترى أنها غير مجبرة على الاعتذار أو التعويض. وجدير بالذكر أنه قد سبق هذا الاعتراف الفرنسي، اعتذار آخر صادر عن بابا الفاتيكان فرنسيس في مارس (آذار) 2017 بناء على طلب من الرئيس الرواندي عما ارتكبته الكنيسة من خطايا وأخطاء في الإبادة الجماعية التي حدثت عام 1994، وقد جاء في بيان البابا أنه: «يتضرع مجددا للرب طلبا للغفران عن خطايا وأخطاء الكنيسة والمنتمين إليها، ومن بينهم أساقفة ورجال دين ونساء دين استسلموا للكراهية والعنف، وخانوا رسالتهم الإنجيلية».
مقبرة ضحايا الإبادة الجماعية في سريبرينيتشا، البوسنة والهرسك (غيتي)

 

وغني عن القول إن الموقف الفرنسي بشأن مسؤوليتها عما حدث في رواندا لم يختلف كلية عن موقفها فيما حدث في الجزائر رغم تباين مواقفها في الحالتين، ففي الوقت الذي لم تتدخل فيه فرنسا لمنع جريمة الإبادة في رواندا إلا أنها ارتكبت هذه الجريمة في الجزائر التي احتلتها لفترة امتدت إلى 132 عاما، إذ يذكر التاريخ أنها نفذت خلال عام 1945 فقط حكم الإعدام في نحو 45 ألف جزائري في يوم واحد، لتمثل بذلك واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في العالم. صحيح أنها اعترفت بمسؤوليتها عن استعمار الجزائر إلا أنها لم تقدم اعتذارا عما ارتكب من جرائم يوجب عليها دفع التعويض، وهو ما كانت قد أفادت به الرئاسة الفرنسية في العشرين من يناير (كانون الثاني) 2021، بأنها تعتزم القيام بخطوات رمزية لمعالجة ملف حرب الجزائر، لكنها لن تقدم اعتذارات، وذلك على خلفية ما انتهى إليه التقرير الذي أعده المؤرخ المكلف من الرئاسة الفرنسية بنجامين ستورا حول الاستعمار وحرب الجزائر (1954-1962)، بأن الدولة الفرنسية تتخذ خطوات رمزية دون اعتذار فرنسي عن حرب الجزائر، ومن أمثلة هذه الخطوات الرمزية إقامة مراسم تكريم لهؤلاء الضحايا ونقل رفات بعضها إلى الجزائر على غرار ما تم بشأن نقل رفات المحامية المناهضة للاستعمار جيزيل حليمي التي توفيت في 28 يوليو (تموز) 2020، إلى البانثيون الذي يضم بقايا أبطال التاريخ الفرنسي.

ومن الجدير بالإشارة أنها لم تكن المرة الأولى التي تعترف فيها فرنسا بمعاناة الشعب الجزائري تحت الاحتلال الفرنسي، إذ يذكر أن الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند، كان قد اعترف أمام البرلمان عام 2012 بالمعاناة التي عاشها الشعب الجزائري على يد الاستعمار الفرنسي، وقام كاتب الدولة المكلف بالمحاربين القدامى والذاكرة جون مارك تودتشيني، بتجسيد ذلك الاعتراف حينما تنقل في أبريل (نيسان) 2015، إلى مدينة سطيف للترحم على روح سعّال بوزيد، أول ضحية لمجازر 8 مايو (أيار) 1945.

 

 

* لم تعتذر أميركا عن استخدامها القنبلتين النوويتين في هيروشيما وناجازاكي

 

ثالثا: الإبادة الجماعية للأرمن... اعتراف دولي وإنكار تركي

في الرابع والعشرين من أبريل عام 1915 ارتكبت القوات العثمانية جريمة إبادة جماعية ضد الأرمن، حيث إنه في هذا اليوم تم إعدام حوالى 250 أرمنياً في إسطنبول وكانوا من نخبة المجتمع الأرمني فمنهم القادة والمثقفون والكتّاب ورجال الدين، كما أنه- طبقا للوثائق التاريخية التي تقدمها أرمينيا- تم قتل ما يقارب المليون شخص وتشريد مئات الآلاف بسبب المذابح وعمليات القتل والتهجير الممنهجة التي ارتكبتها السلطنة العثمانية، بين عامي 1915 و1917. بل تذكر سجلات التاريخ أن الأمر لم يقتصر على الأرمن فحسب، بل ارتكبت مذابح بحق مجموعات إثنية مسيحية أخرى كانت تعيش في السلطنة العثمانية، مثل الأشوريين واليونانيين الأناضوليين والنبطيين، وراح ضحيتها عشرات الآلاف.

ورغم تعدد الاعترافات الدولية بتلك الجريمة، إذ وصل عدد الدول التي اعترفت بهذه الجريمة ضد الإنسانية (29) دولة كان آخرها الولايات المتحدة الأميركية كما سبقت الإشارة، إلا أن تركيا لا تزال تنكر حتى الآن المسؤولية عن هذه الجريمة، وإن كانت بعض المصادر التاريخية تشير إلى أنه عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، اعترفت تركيا بارتكاب هذه الجرائم وأقيمت محاكمة عسكرية لبعض القادة، حيث حملت المسؤولية لزعماء حزب الاتحاد والترقي الذي كان يسيطر على الحكومة آنذاك. ولكن منذ العام 1921، صار الموقف الرسمي التركي رافضا الاعتراف بارتكاب هذه الجريمة.

وبغض النظر عن صحة هذا الموقف التركي سابقا، إلا أننا أصبحنا إزاء معضلة قانونية وأخلاقية تتمثل في كيفية النظر إلى مثل هذه الجريمة التي وإن لم تكن تختلف عن الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الاستعمار إلا أنها تختلف من حيث طبيعة موقف مرتكبيها في ضوء الاعتراف الدولي بارتكابها، وهو ما يجعلها القضية الأولى من نوعها التي تحظى باعتراف دولي بإدانة مرتكبها في حين ينكر مرتكبها المسؤولية كلية.

 

 

 

* الاعتذار الرسمي عادة ما يستدعى مناقشة منح تعويضات مالية وتحمل تبعات قانونية

 

ومن ثم يثار التساؤل حول كيفية معالجة هذه القضية في إطار القانون الدولي؟ إذ إن طريقة معالجتها تفتح الباب أمام جرائم دولية أخرى اُرتكبت بحق كثير من الشعوب التي كانت واقعة تحت الاستعمار ولا يزال بعضها يعاني حتى اليوم، ولعل ما حدث في الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني نموذج لذلك. مع الأخذ في الحسبان أن ما يميز جريمة الإبادة ضد الأرمن تختلف عن الجرائم الإسرائيلية من حيث الاعتراف الدولي الذي لا تحظى به هذه الجرائم الإسرائيلية إذا يقتصر الأمر بالنسبة للجرائم الإسرائيلية على الإدانة دون أن يرقى الوضع إلى الاعتراف الدولي بارتكاب إسرائيل لمثل هذه الجرائم.

ومن نافل القول إن النماذج الدولية كذلك على ارتكاب الاستعمار لجرائمه ضد الإنسانية دون أن يعترف بارتكابها ويقدم اعتذارا عنها لا تزال ماثلة في حياتنا اليومية، ولعل ما جرى في العراق على يد الاحتلال الأميركي (سجن أبو غريب نموذجا) يدلل على ذلك، بل يفتح الباب واسعا أمام نماذج عديدة اُرتكبت بحق الشعوب العربية خلال فترات الاستعمار السابقة إلا أنها لم تجد مطالبات جادة من جانب كثير من الدول بالاعتراف بالمسؤولية القانونية عما ارتكبت من جرائم ضد الإنسانية ونهب وسرقة مقدرات هذه الشعوب بل كانت هذه الجرائم أحد الأسباب والعوامل التي أدت إلى تأخر هذه الشعوب وإعاقة مسيرتها التنموية سواء بسبب سرقة مواردها واستغلالها أو بسبب ما أثارته من اضطرابات داخلية وصلت إلى حد حروب أهلية دفع ثمنها أبناء هذه الشعوب في حروب لا معنى لها ولا أفق منتظر لنهايتها، فأين هي حقوقها وتعويضاتها عما اُرتكب في حقها من جرائم؟

 

* بعد أكثر من مائة عام على الاستعمار الألماني لناميبيا، اعترفت برلين في مايو 2021 بارتكاب إبادة جماعية بحق شعبى الهيريرو والناما

 

 

غاية البيان أن قضية طي صفحات المجازر والجرائم الاستعمارية التي اُرتكبت في حق الشعوب رغم ما شهدته من اعترافات واعتذارات لبعض حالاتها كما سبق الذكر، إلا أنها لا تزال حبلى بعديد القضايا التي تثار بين الحين والآخر بما تحمله من مرارة التاريخ وخسائر أحداثه لتعيق طريق الصلح والتعاون، وهو ما يجعل من الاعتذار خطوة أولى ترد كرامة الشعوب وتعبر عن احترام ماضيهم بحزنه ومآسيه، وذلك لفتح صفحة جديدة يمكن البناء عليه في قادم الأيام، على أن يكون هذا الاعتذار مشفوعا بتعويضات قد تخفف من آثار تلك الجرائم إلا أنها لن تستطيع محوها كليةً من الذاكرة الوطنية التي يجب أن تستذكرها بين الحين والآخر حتى تكون عبرة لمن يرى أو يعقل؛ وهم قليلون.