الجزائر تصارع نقصاً حاداً في الأوكسجين وإصابات كورونا في ازدياد

موجة وبائية غير مسبوقة من السلالة الهندية
جزائريون ينتظرون الحصول على اسطوانات الأوكسجين في مدينة البليدة الشمالية (غيتي)

الجزائر:بعد نجاحها في خفض نسبة الإصابات بـ«كوفيد-19»من ألف حالة يومياً، إلى أقل من مائة حالة، تعيش الجزائر أياماً حرجة من تداعيات هذا الوباء، مع ظهور أولى ملامح الموجة الثالثة، وبعد ظهور السلالة الهندية لأول مرة في البلاد قبل أسابيع، حيث بلغت نسبة الإصابات اليومية ولأول مرة أكثر من 1500 حالة، وشهدت المستشفيات حالة من الفوضى، وهي الحالة التي عقدتها أكثر معضلة الأوكسجين الطبي الذي أصبح مادة نادرة، في ظل الارتفاع الكبير في نسبة الإصابات اليومية.

وكانت الجزائر قد نجحت في حصر الوباء، بعد أن نزلت نسبة الإصابات من ألف إصابة يومياً في نوفمبرشرين الثاني) 2020، إلى أقل من مائة في مارس (آذار) الماضي، لتعود الإصابات مجددا للارتفاع بداية من شهر مايو (أيار) الماضي، لتلامس هذا الأسبوع قرابة 1600 إصابة مؤكدة تخضع للعلاج في المشافي، دون احتساب الحالات التي تعالج في المنازل، وأشارت بيانات وزارة الصحة إلى تسجيل 25 وفاة جديدة بالفيروس في الـ24ساعة الأخيرة التي تلت الإعلان، ليرتفع إجمالي الإصابات إلى 165204، والوفيات إلى 4112.

وتماثل 745شخصا للشفاء من المرض الثلاثاء الماضي، ليبلغ العدد الكلي للمتعافين111322 حالة. كما أعلنت الوزارة أن 41مريضا يعالجون من الفيروس في وحدات العناية المركزة.

ووسط هذه الأرقام تعيش المستشفيات الجزائرية أزمة غير مسبوقة لنقص الأوكسجين الطبي، وتعرف مواقع التواصل الاجتماعي انتشاراً واسعاً لمنشورات يطلق فيها أصحابها صرخات استغاثة لتوفير جهاز توليد الأوكسجين أو اسطوانات أوكسجين لأقربائهم، وهي الدعوات التي يتفاعل معها المتصفحون لتلك المواقع، ويوجّهونهم نحو جمعيات أو فاعلي خير أو حتى صيدليات أو تجار التجهيزات الطبية.

ويكشف ذوو المرضى أنهم يجدون صعوبات كبيرة في الحصول على اسطوانة أوكسجين في المستشفى، أو مكثّفات للاستعمال المنزلي ما يضطر الأطباء أحيانا إلى طلب ذلك منهم بإمكانياتهم الخاصة، وهو أمر ليس بالهين خاصة بعد بلوغ أسعارها مستويات قياسية.

ويؤكد رياض معزوز وهو صحافي وناشط جمعوي أنه «يستقبل يومياً عشرات الطلبات من المرضى أو أهاليهم للحصول على مكثف الأوكسجين، آخر هؤلاء شاب في العقد الرابع من العمل يصارع الوباء في بيته، وألزمته التطورات الصحية بالبحث عن هذا الجهاز لمواجهة مشكلة نقص الأوكسجين في جسده».

من جانبه يروي عبد الجبار يحيى من محافظة الغزاوات في الغرب الجزائري «معاناة كبيرة للمرضى في مشفى المدينة»، مؤكداً «تعرض عدة حالات للوفاة بسبب نقص الأوكسجين»، ووجه عبد الجبار عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي عدة دعوات لمطالبة السلطات الصحية بضرورة التدخل العاجل لتوفير هذه المادة لإنقاذ أرواح المرضى.

وتأسف مسعود بلعمبري رئيس النقابة الوطنية للصيادلة الخواص لما يحدث بشأن هذه المستلزمات والتجهيزات الطبية، حيث قال في تصريح ليومية الشروق المحلية إن «هذه الأخيرة يفترض أن تخضع للرقابة وتحظى بتعاملات مؤطرة لمن يستورد ويوزع ويبيع»، مؤكدا أن «مكان بيعها الطبيعي هو الصيدليات التي من شأنها أن تضمن استقرارا في الأسعار والعرض»، داعيا السلطات المعنية إلى «إدراجها ضمن وصاية الصيدليات لضمان شفافية في الفوترة والبيع». وانتقد بلعمبري استغلال الوضع الصحي الذي تمر به البلاد وحاجة المرضى لمولدات الأوكسجين من أجل المتاجرة في الموت، ما أدّى إلى نقص فادح في عدد مكثفات الأوكسجين على مستوى السوق والالتهاب في أسعارها التي تضاعفت مرتين إلى 3 مرات حيث انتقلت من 5 ملايين إلى 10-15 مليونا لسعة 5 لترات، والحال ذاته بالنسبة للسعات الأكبر10  لترات و20لترا.

وقد وجّهت المستشفيات نداءات استغاثة وطلبت من جميع الأطقم الطبية والمتربّصين في المجالات الصحية وطلبة المعاهد الطبية، الالتحاق بها للمساعدة في مواجهة الأزمة الوبائية والتكفّل بالمرضى. كما وجّهت إدارة مستشفى الشطية بالشلف، غربي البلاد، «نداءً إلى الأطقم الطبية المتقاعدة في قطاع الصحة وخريجي المدارس الخاصة للشبه الطبي، من أجل الالتحاق بمصلحة كوفيد-19لتقديم المساعدة في إطار التطوع الإنساني، للحيلولة دون انهيار المنظومة الصحية بفعل الانتشار الكبير للعدوى».

مركز للتلقيح في منطقة باب الواد بالعاصمة الجزائرية (أ.ف.ب)

خطة حملات التلقيح

أمام هذه التطورات، تسارع السلطات الجزائرية للسيطرة على الوضع عبر توسيع عمليات التلقيح في المساجد والفضاءات العامة، ومن دون تسجيل مسبق. وتسلّمت الجزائر الجمعة الماضي،2.4 مليون جرعة لقاح إضافية، قدمت من الصين على متن طائرة نقل تابعة للقوات العسكرية الجوية، على أن تلي هذه الشحنة شحنات أخرى من اللقاح خلال الأيام القليلة المقبلة.

وفي هذا السياق، تواصل الجزائر ترتيبات إنتاج اللقاح الصيني، سينوفاك في الجزائر، والمقرر أن يبدأ من شهر سبتمبر(أيلول) المقبل.

ووصل الجمعة، وفد الخبراء الصينيين إلى الجزائر، لتفقد التجهيزات والمعدات الخاصة بإنتاج اللقاح المضاد لفيروس كوفيد-19، في مصنع تابع لشركة صيدال الحكومية، في منطقة قسنطينة شرقي الجزائر. وأفاد بيان لوزارة الصناعة الصيدلانية، أنّ الوفد سيقدم خبرات تقنية على مستوى الوحدة الإنتاجية.

في المقابل أمر الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، الأحد، الحكومة بإعادة فرض الحجر الصحي لمدة10 ساعات يوميا من الثامنة مساء إلى السادسة صباحا، وقال بيان للرئاسة الجزائرية إن قرار العودة إلى الحجر الصحي «يخص الولايات الأكثر تضررا من فيروس كورونا». وجاء قرار تبون إثر اجتماعه الأول مع الحكومة الجديدة برئاسة، أيمن عبد الرحمن، وسط الأزمة الصحية التي خلفتها مواجهة وباء كورونا، وأكد البيان على ضرورة رفع نسبة التلقيح في المحافظات ذات الكثافة السكانية الكبيرة «باعتبارها الولايات الأولى لمصادر العدوى» على حد تعبير البيان وتحديد هدف فوري لتلقيح2.5 مليون شخص في العاصمة، وبنسبة 50 في المائة من سكان ولايات وهران، وقسنطينة، وسطيف وورقلة.

وعن أزمة الأوكسجين حث البيان على «تحسين تسيير مخزون وإنتاج الأوكسجين والتحلي بالهدوء وعدم الارتباك خلال عمليات التوزيع والاستعمال، خلال الإقبال العالي للمرضى على المصالح الاستشفائية، خاصة وأن طاقة استيعاب المرضى لم تتجاوز 56 في المائة». كما أمر بإطلاق عملية كبرى فورا «لصيانة وتجديد منشآت وأجهزة التموين بالأوكسجين في المؤسسات الاستشفائية، واقتناء وحدات إنتاج متنقلة للأوكسجين فورا دعما للمستشفيات الكبرى لتوفير هذه المادة الحيوية، مما سيساعدها على الإنتاج الذاتي مما تحتاجه من أوكسجين».

وكان الطبيب محمد يوسفي، رئيس قسم الأمراض المعدية في مستشفى بوفاريك غرب العاصمة الجزائر، قد حمّل المواطنين والحكومة مسؤولية ارتفاع عدد الإصابات. وطالب في تصريح سابق، السلطات بالإسراع في تلقيح «ما لا يقل عن20  مليون جزائري في كل مكان وبسرعة، باستخدام كل الأماكن الممكنة للحصول على المناعة الجماعية».

عمليات تطهير يقوم بها متطوعون شباب في العاصمة الجزائر (غيتي)

مبادرات مجتمعية

وفي المقابل، أطلق نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي مبادرات لجمع الأموال من أجل شراء المعدات الطبية اللازمة لمواجهة الوضع، وخاصة مكثفات الأوكسجين، وأطلق مجموعة من الأطباء خارج الجزائر مبادرة في السياق، وهي المبادرة التي تفاعل معها مشاهير «إنستغرام»والذين نجحوا لحد الآن في جمع نحو 300 ألف يورو، بعد أن كان تحديهم جمع 200 ألف يورو، ودعا المغني سولكينغ إلى الوقوف مع هذه الحملة، ونشر على صفحته نداء لكل مشاهير الجزائر من أجل التبرع بمبلغ مالي من أجل إنقاذ أرواح مرضى الجائحة. وبسرعة البرق، تحول الأمر إلى أكبر حملة لجمع التبرعات شارك فيها عدد من نجوم ومشاهير الجزائر وعلى رأسهم اللاعب الدولي رياض محرز والموسيقي الشهير من أصل جزائري دي جي سناك، والسيناريست سمير زيان، والممثلة سهيلة معلم، والمؤثرة المعروفة نوميديا لزول.

وفي مبادرة لاقت ترحيباً وتفاعلاً واسعاً أطلق نشطاء جمعية صومام بولاية بجاية عبر صفحتهم الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي نداء لرجال الأعمال والمحسنين لجمع التبرعات من أجل شراء محطة إنتاج الأوكسجين للقضاء نهائيا على أزمة الأوكسجين في مستشفى المدينة، وبالفعل نجحوا في التحدي، وحسب حديث رئيس الجمعية ولعاج نور الدين لـ«المجلة»، فإن «نشطاء الجمعية تمكنوا من جمع المبلغ المطلوب في أقل من أربع ساعات، والذي يقدر حسب حديثه بنحو 1.7 مليار سنتيم جزائري، أي ما يقارب 100 ألف يورو، وتنتج المحطة ما يقدر بنحو 30 قرعة أوكسجين كل 24 ساعة». واعتبر ولعاج أن «هذه المحطة ستقضي نهائياً على معضلة نقص الأوكسجين التي يشهدها المستشفى بسبب ارتفاع أعداد المصابين يومياً». المبادرة لاقت ترحيبا واسعاً وطالب نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي تعميمها في باقي المشافي لإنقاذ الأرواح.

وفي حديث للإذاعة الحكومية، أكد وزير الصناعة الصيدلانية جمال باحمد أن «إنتاج الأوكسجين الطبي عرف قفزة نوعية بعد أن ارتفع الإنتاج من120  ألف لتر إلى500  ألف لتر يوميا». وأوضح أن «عملية إنتاج الأوكسجين الطبي ارتفعت بفضل أحد الخواص الذي دعم المنتج المحلي بـ50 ألف لتر بعد أن كان إجمالي الإنتاج في اليوم يقدر بـ450 ألفا، ليرتفع بذلك حجم إنتاج الأوكسجين الطبي إلى500  ألف لتر يوميا». وكشف أنه وخلال الأسبوع الماضي «تم تسجيل بعض الاضطرابات في عملية توفير هذه المادة الحيوية بسبب عملية الصيانة التي أجراها أحد الخواص على تجهيزاته»، ليؤكد أن «المياه عادت إلى مجاريها واستؤنفت عملية الإنتاج».

من جانب آخر، كشف عن «عقد اجتماع مع كل منتجي الأوكسجين الفاعلين على المستوى المحلي، بحضور وزير الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات عبد الرحمن بن بوزيد ووزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية، كمال بلجود، لوضع خريطة طريق من أجل تجميع قدرات الإنتاج لتوفير الأوكسجين الطبي على مستوى جميع المستشفيات». وأقر الوزير بأن «هناك مشكلا في عملية توزيع هذه المادة الحيوية بسبب عدم توفر بعض المستشفيات على أماكن التخزين، وهو ما يحتم عليهم توزيع هذه المادة الحيوية يوميا لتلبية حاجيات هذه المؤسسات الاستشفائية».

وكمبادرة عاجلة لتوفير أجهزة التنفس فتحت الأربعاء وزارة الصناعة الصيدلانية استثنائيا المجال للخواص لاستيراد مكثفات الأوكسجين أو أية أجهزة طبية دون تراخيص، وأوضحت الوزارة في بيان لها أنه «يسمح للخواص استثنائيا باستيراد مكثفات الأوكسجين أو أي أجهزة طبية وتكون موجهة للاستعمال الشخصي في مواجهة كوفيد-19دون ترخيص». وقررت أن «العملية لا تستوجب منح أي ترخيص من قبل المصالح المختصة بالوزارة».