السويداء السورية تدفع ثمن حيادها «الإيجابي» قتلاً وخطفاً

أهالي المدينة يتصدون للعصابات واتهام جهات داخلية وخارجية
(غيتي)

القامشلي: طوال سنوات الحرب التي شهدتها سوريا، لم تحدث أي مواجهات مسلّحة بين فصائل السويداء، كما لم يسبق أن شهدت المدينة اقتتالاً داخلياً، وقد تصدى أهلها ومقاتلوها معاً لهجمات تنظيم جبهة النصرة بين عامي 2012 و2017. وكذلك تصدّوا معاً لهجوم تنظيم داعش في ريف المدينة يوم 25 يوليو (تموز) من عام 2018.
لكن الاشتباك المسلّح، الذي اندلع في ريف محافظة السويداء السورية الواقعة جنوبي البلاد منتصف شهر يوليو الجاري، ما زالت تداعياته مستمرة، حيث يحاول سكان المحافظة ذات الغالبية الدرزية وضع حدٍّ لجماعاتٍ مسلّحة وأفراد يمارسون فيها الخطف والقتل والاستفزاز المالي منذ اندلاع الحرب الطاحنة في سوريا والتي تلت الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها في منتصف شهر مارس (آذار) من عام 2011.
وقُتِل خمسة أشخاص في بلدة شهبا التابعة لمحافظة السويداء جراء نشوب خلافٍ بين أفراد ينحدرون من عائلتي الطويل والخطيب، والذي تطوّر لاحقاً إلى اشتباكٍ مسلّح يوم 18 يوليو الجاري.
وذكرت مؤسسات حقوقية تراقب الوضع في المحافظة أن الاشتباك المسلّح أوقع 3 قتلى من عائلة الطويل، واثنين آخرين ينحدران من عائلتي غرز الدين والخطيب. والأخير متهم سابقاً بارتكاب جرائم قتل وخطف واسمه وليم أنور الخطيب، بحسب ما أفادت مصادر محلّية لـ«المجلة» والتي كشفت أيضاً أن الخطيب كان يقود عصابة مسلّحة مع أخيه من والدته، راني إياد غرز الدين. وقد قُتِل أيضاً في الاشتباك المسلّح.

ماذا حصل لاحقاً؟


بعدما قُتِل 3 مدنيين من آل الطويل، توجّه عدد من أهالي بلدة شهبا لبيوت أفرادٍ يتهمونهم بتشكيل عصاباتٍ مسلّحة، وقاموا بإحراقها.
ووفق رواية شهود عيان، فقد داهم عدد من أهالي البلدة بيوت أفرادٍ ينتمون لعصابةٍ كان قد شكلها الخطيب وشقيقه غرز الدين، لكنهم لم يعثروا فيها على أي من عناصرها، وقد وجدوا في تلك البيوت، وثائق وبطاقاتٍ أمنية وسيارات تعود ملكيتها لفرع المخابرات العسكرية مع أسلحة وقذائف وكمية من المخدرات ومادة السي فور. وهو ما يؤكد الاتهامات التي توجهها قوات «الكرامة»، للنظام السوري وحلفائه، بالوقوف وراء تلك العصابات.
وما يؤكد أيضاً وقوف النظام بحسب مصدر في قوات «الكرامة» المعارضة له، هو عدم تدخّله في الاشتباك الذي حصل رغم استمرار حالة الغليان الشعبي في بلدة شهبا.
كما ذكرت مصادر محلية أخرى أن القوات الأمنية التابعة للنظام كانت قد أخلت مقرّاتها قبل وقتٍ من اندلاع تلك الاشتباكات التي أوقعت 5 قتلى، ثلاثة مدنيين واثنان يتهمهما أهالي البلدة بتشكيل عصابةٍ مسلحة.

خطة اقتتال داخلي


قال سمير عزّام، منسّق تجمع السوريين العلمانيين الديمقراطيين في السويداء إن «ما حصل في بلدة شهبا هو اغتيال سياسي مبرمج نفذه مجموعة من الزعران»، مضيفاً: «لا يمكننا أن نطلق عليهم سوى هذه الصفة، فهم يمارسون خطف البشر، وسرقة السيارات، ويتاجرون بالمخدرات في السويداء على شكل مجموعات يتراوح عدد عناصرها من 4 على الأقل إلى 20 شخصاً يخالفون القانون بممارساتهم».

    * وجد في بيوت العصابة وثائق وبطاقاتٍ أمنية وسيارات تعود ملكيتها لفرع المخابرات العسكرية مع أسلحة وقذائف وكمية من المخدرات ومادة السي فور

وتابع لـ«المجلة»: «لقد اغتالوا 3 شبان معارضين للنظام، وما حدث تمّ بأوامر من الجهات التي تدعم مجموعات الزعران وهم النظام وإيران وروسيا التي سعت لإفراغ محافظة السويداء من مقاتليها وشبابها بشتى الطرق، ومن ضمنها عرضها بإجراء مصالحات بين مقاتلي السويداء والنظام ورفض العرض الروسي وكان ردهم أن المصالحات للإرهابيين وليس للمقاتلين الذين تصدوا لغزوات إرهابيي النصرة وداعش على محافظة السويداء».
وشدد عزّام على أن «حادثة شهبا هي الثانية من نوعها بعد مقتل المعارض نبيل عامر العام الماضي، ولهذا تبدو هذه الحادثة غير معزولة عن مخططٍ تقف خلفه موسكو والنظام وإيران بمحاولاتهم لإعادة المحافظة إلى سلطة النظام، بمعنى أن تحصل اغتيالات وتصفيات قد تؤدي لاقتتال داخلي، كي يستنجد شيوخ العقل وفعاليات أخرى بالنظام لتخليصهم من حالة الفوضى، لكن هذا لن يحصل نتيجة وعي أهالي السويداء ومقاتليها الذين يدركون ما يخطط له النظام وحلفاؤه».
وشرح أن «هذه الخطة فشلت سابقاً عندما استخدمت موسكو والنظام وطهران تنظيم داعش في الهجوم الذي استهدف ريف السويداء في يوليو 2018. كان هؤلاء يعتقدون أن الأهالي سيستنجدون بالنظام جراء هجمات داعش، خاصة مع وجود نحو 55 ألفاً من شبان المحافظة الذين يمتنعون عن الالتحاق بالخدمة العسكرية. حينها قام النظام وحلفاؤه بتقديم تسهيلات لمقاتلي التنظيم المتطرّف ونقلهم إلى بادية السويداء، لكن خطتهم فشلت ولم يستنجد الأهالي بهم ودافعوا عن أنفسهم، ومع ذلك يعتبرهم النظام إرهابيين لأنهم قاتلوا خارج منظومته، وحاول لاحقاً إجراء مصالحة معهم، وقد رفضها الأهالي».
وقال أيضاً: «باعتقادي أن الخطط الحالية تكمن في إيجاد اقتتال داخلي بالسويداء بتشجيع من النظام وحلفائه لطلب نجدته لاحقاً، لإعادة الأمن. لكن هذا الأمر لن ينجح لا سيما وأننا علمانيون، ولذلك لا توجد أسباب للاقتتال الداخلي كالذي حصل بين مجموعات إسلامية في سوريا نتيجة الفقه التكفيري والاستبدادي».

الميليشيات الإيرانية تسعى لتسريع الانسحاب الأميركي من سوريا

«الإدارة الذاتية» غير ممكنة حالياً


أما فيما يتعلق بإنشاء «إدارة ذاتية» في السويداء على غرار التي أسسها الأكراد في شمال وشمال شرقي سوريا، فقال عزام: «لقد طرحنا هذا الأمر منذ عامين كتحضير للحل النهائي للأزمة السورية وليس لإقامة إدارة ذاتية قبل ذلك، فهي غير ممكنة لافتقادها إلى عاملين مهمين أولهما حليف دولي يقف إلى جانب هذه الإدارة. وثانياً معبر دولي مع الأردن. وبالتالي لا فائدة من إدارة ذاتية لا يستطيع القاطنون في مناطقها الوصول إلى دمشق التي ستجد في تشكيلها سهولة لإخضاع السويداء لسلطتها، خاصة إذا ما تمّ طرد دوائر الدولة منها، وهذا يعني الانفصال، لكن مع الوصول لدستور جديد وحل نهائي للأزمة، حينها يمكن أن تحصل السويداء على إدارة ذاتية».

«موقف أهالي شهبا كان بطولياً»


من جهته، قال الأكاديمي والأستاذ الجامعي مهيب صالحة الذي ينحدر من مدينة السويداء إن «هذه الجماعات والعصابات في الواقع تتحرك بأمر جهات داخلية وخارجية، ولهذا حصلت حادثة شهبا التي سبقتها حوادث كثيرة. لكن أبناء المحافظة كانوا دوما يقضون على الفتنة سواء كانت داخلية بين الدروز وعشائر البدو أو بين الدروز وأهل حوران. لذلك استطاعت المحافظة أن تحافظ على استراتيجية الحفاظ على الحياد الإيجابي. لكن هذه العصابات الدخيلة على البيئة والثقافة في السويداء، تعكر صفو أمنها».
* القوات الأمنية التابعة للنظام كانت قد أخلت مقرّاتها قبل وقتٍ من اندلاع تلك الاشتباكات
وأضاف لـ«المجلة» أن «رد فعل الأهالي تجاه العصابة التي اشتبكت مع مدنيين عزل في مدينة شهبا وقتلت ثلاثة منهم كان واضحاً وحاسماً، إذ تمكنوا من مهاجمتها وقتل رئيسها وأخيه من أمه وأيضاً الهجوم على بيوت أفرادٍ آخرين من تلك العصابة، وقد عثروا فيها على مخدرات ومتفجرات ومادة السي فور وهوياتٍ أمنية وأيضاً سيارة تتبع لأحد الأجهزة الأمنية»، مشدداً على أن «موقف أهالي شهبا كان بطولياً، فقد كانوا صفاً واحداً لأن الخلاف كان بين المجتمع وعصاباتٍ مدعومة داخلياً وخارجياً تريد أن تقلق راحة المواطنين وتعكر صفوهم وتنفيذ أجندات خارجية من خلال السطو والقتل والنهب والاختطاف وطلب فدية وغيرها من الأمور».
وتابع أن «هذه المحافظة اتخذت الحياد الإيجابي بعد مشاركتها في الاحتجاجات التي شهدتها سوريا وانحرافها عن مسارها، بمعنى أنها لم ترسل أبناءها للقتال بعدما امتنعوا عن الالتحاق بالجيش، لكن هذا الأمر أثار غضب النظام وأطرافا في المعارضة، لا سيما بعد استقبال السويداء لنازحين من مختلف مناطق البلاد».
* منذ اندلاع الحرب، نأت المحافظة على المشاركة فيها، وامتنع عشرات الآلاف من شبّانها عن الالتحاق بالجي

على ضفاف بردى دمشق... مهجّرو الفرات مقطوعون كما جسر مدينتهم

وقال صالحة أيضاً إن «كل طرف يريد جرّ محافظة السويداء وأغلبية سكانها إلى جانبه في الحرب الأهلية والصراع الداخلي، إلا أن موقف السويداء كان صلباً، فالمتطوعون من أهلها في الجيش كانوا ملزمين بتنفيذ القرارات، ومع ذلك انشق بعضهم عن النظام لرفضه قتال السوري للسوري. وقد جعل الموقع الاستراتيجي للسويداء، بمثابة عين العاصفة منذ سنوات، خاصة وأنها تقع بمحاذاة الحدود مع إسرائيل من جهة الجولان المحتل، وبالتالي المعادلة بسيطة، من يسيطر على هذه المحافظة، سيسيطر على كامل الجنوب السوري».
ورأى أن «لقاء المستشارين الأمنيين الأميركيين والروس والإسرائيليين في تل أبيب انتهى باتفاق (جنتلمان) وقد تفاهم أولئك المسؤولون على أن يتمّ إبعاد إيران عن حدود الجولان بمسافة لا تقل عن 80 كيلومتراً. وكذلك اشتكت الأردن من وجود طهران على حدودها، ولذلك باعتقادي أن مختلف الأطراف المتداخلة في الأزمة السورية، تتسابق للسيطرة على محافظة السويداء».
كما شدد على أن «طهران تريد أن تكون حاضرة في المحافظة من الناحية المذهبية والعقائدية، فهي تعتقد أن الدروز وهم غالبية سكان المحافظة، أقرب إلى الشيعة، لكنها لا تعلم أنه لا يمكن لهم تغيير مذهبهم، وإن حدث ذلك، ففي حالاتٍ فردية ومحدودة، ولهذا لا يستطيع الجانب الإيراني تنفيذ أجنداته في السويداء رغم وقوفه وراء بعض العصابات التي تخل بأمن المحافظة مع أطراف أخرى بينها روسيا».
وأشار إلى أن «المجتمع المحلي في المحافظة بكافة تشكيلاته يدعو مؤسسات الدولة إلى القيام بدورها في حماية أرواح الناس وممتلكاتهم والحفاظ على المال العام من شتى التعديات وتقديم الخدمات بالنوعية والكمية الكافيتين وتطبيق القانون على الجميع وأن تقوم السلطة بدورها الذي ينظمه القانون وإلا لن يكون لها لزوم وسيضطر المجتمع المحلي للبحث عن بدائل تؤمن وحدته وأمنه ومعيشته».
وعادةً ما تشهد محافظة السويداء وأريافها توتراتٍ أمنية على خلفية عمليات القتل والخطف التي يمارسها عناصر من عصاباتٍ مسلّحة تشكلت عقب اندلاع الحرب السورية التي دخلت عقدها الثاني في مارس (آذار) الماضي.
ومنذ اندلاع الحرب، نأت المحافظة عن المشاركة فيها، حيث امتنع عشرات الآلاف من شبّانها عن الالتحاق بالجيش وتأدية الخدمة العسكرية التي يفرضها النظام على كلّ من أتمّ الثامنة عشرة من عمره.
ومع ذلك، تتكرر حالات الخطف والسطو المسلّح لأكثر من مرة في كلّ شهر، بحسب ما تفيد به بيانات أوردتها منظماتٍ أهلية في وقتٍ سابق هذا العام.

قصف أميركي استهدف ميليشيات مدعومة من إيران في العراق وسوريا


مقالات ذات صلة