يهود أوروبا في مواجهة معاداة السامية

الشرق الأوسط لديه أكثر التصورات السلبية عن اليهود عالمياً
احتجاجات يهودية ضد معاداة السامية في مانهاتن (غيتي)

 

لندن: أعقب العنف الذي اندلع في غزة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية «حارس الأسوار»، نتيجة لتصاعد التوترات في القدس والهجمات الصاروخية اللاحقة من قبل حماس، تصاعد المشاعر المعادية للسامية والهجمات في أوروبا. ولسوء الحظ، فشلت معاداة السامية، والتي تعتبر قضية تزداد سوءًا في أوروبا، في الحصول على قدر كافٍ من الاعتراف العام.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تثير فيها المواجهة العسكرية بين إسرائيل وفلسطين انتهاكات معادية للسامية في أوروبا. بل إن هنالك سلسلة من الأحداث التي لوحظت في حالات الصراع وعدم الاستقرار الماضية. والسؤال هنا لماذا؟ 

يمكن القول إن غالبية المنتقدين لسياسات إسرائيل مع الفلسطينيين يشهدون أيضًا على أهمية التفرقة بين تصرفات الحكومة الإسرائيلية والتوسعيين الصهاينة عن اليهودية واليهود. 

إن عبارة «معاداة الصهيونية ليست معاداةً للسامية» غالبًا ما تستخدم من قبل منتقدي إسرائيل ومناصري القضية الفلسطينية وهم محقون في ذلك. فسياسات الدولة المبنية على انتهاك حقوق طائفة من البشر يجب أن تُدان في ظل غياب الاتهامات بالتعصب الأعمى. ومع ذلك، فقد فشلت الدولة فشلاً ذريعًا في معرفة سبب حدوث هجمات ترتكب ضد اليهود العاديين المقيمين في بلدان بعيدة كل البعد عن بؤرة الصراع في إسرائيل وفلسطين. فهل اقتصر الأمر على أن الناس يحاولون جاهدين التفريق بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية كون الخط الفاصل بينهما ليس واضحًا كما يبدو؟ إن الاكتفاء بشجب وإدانة ممارسات الدولة اليهودية دون إحداث تغيير حقيقي في مفاهيم الناس عن الشعب اليهودي لهو نوع من الحيادية المقيتة باعتراف الجميع. ومن المنطقي أيضًا أن يستغل المعادون للسامية المآسي والمجازر المتكررة في غزة للتحزب ضد اليهود تحت عباءة الدفاع عن حقوق الإنسان.

الرئاسة الفلسطينية: لا سلام بدون إقامة دولة مستقلة

* فشلت الدولة فشلاً ذريعًا في معرفة سبب حدوث هجمات ترتكب ضد اليهود العاديين المقيمين في بلدان بعيدة كل البعد عن بؤرة الصراع

ومن أجل فهم حقيقة سبب استهداف اليهود في أوروبا، وأسباب فشل قادة المجتمع والسياسيين أو على الأقل إحجامهم عن معالجة تصاعد الهجمات المعادية للسامية، من المهم استكشاف معنى معاداة السامية وخصائصها المميزة التي تفصلها عن أشكال التمييز الأخرى.

ترتبط معاداة السامية بالعداء تجاه اليهود أو التحيز ضدهم. فهي كراهية قديمة، أصبحت متأصلة في الحياة الأوروبية بمجرد أن أصبحت المسيحية الديانة السائدة في القارة. اعتقد المسيحيون الأوائل أن اليهود هم المسؤولون عن موت المسيح، وبالتالي تم تشويه سمعتهم، كما تم إلقاء اللوم على اليهود في مجموعة من العلل والكوارث المجتمعية، من الطاعون الأسود، إلى تجارة الرقيق، إلى 11 سبتمبر (أيلول)، إلى الانهيار الاقتصادي لعام 2008. وهنا يكمن الجانب الرئيسي لمعاداة السامية الذي يميزها عن غيرها من أشكال التمييز، والذي يفسر جزئياً سبب استمرار اعتبار معاداة السامية شكلاً «مقبولاً» أكثر من أشكال التحيز.

لطالما تم تصوير اليهود على أنهم أقوياء في الخفاء، حيث إن التصوير الدائم لليهود كرأسماليين أثرياء، وممولين جشعين يديرون النظام المصرفي العالمي ويطمعون في الهيمنة على العالم، يستمر في شغل الخيال العالمي. فلا يوجد عدد كافٍ من الأشخاص ينادون بمعاداة السامية لأنهم قادوا إلى الاعتقاد بأن اليهود أقوياء، ولا يمكن قمع الأشخاص الأقوياء. روج النظام النازي بسخاء لتصوير اليهود كمصادر للفساد بالإضافة إلى المشاكل الاجتماعية والمالية.

رئيس الوزراء الفرنسي جان كاستكس والوزيرة الفرنسية المفوضة للمساواة بين الجنسين إليزابيث مورينو خلال حفل لإحياء ذكرى ضحايا العنصرية والجرائم المعادية للسامية (غيتي)

أبو مازن لـ«المجلة»: لم ينته عدائي مع إسرائيل

وفي أوروبا، بلغت قرون من الاضطهاد والنبذ والمذابح ذروتها في شبه إبادة اليهود في الهولوكوست. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حاولت أوروبا التكفير عن خطاياها ولم يعد يتم التسامح مع معاداة السامية. على الأقل، هذه هي الرواية الرسمية. الحقيقة هي أن معاداة السامية لم تترك أوروبا حقًا، حيث يتم استهداف اليهود الذين يعيشون في فرنسا والنمسا وألمانيا وبريطانيا بشكل منتظم في شكل إهانات عنصرية ومضايقات وتهديدات بالقتل والاعتداءات العنيفة والقتل وتدنيس المقابر والمعابد اليهودية.

الأكثر عرضة للانتهاكات المعادية للسامية هم اليهود «المرئيون»، مثل الحاخامات واليهود المتطرفين. ففي فترات انعدام الأمن المتزايدة، نصح اليهود بعضهم البعض بتجنب ارتداء الملابس أو الشعارات الدينية في الأماكن العامة حتى لا يلفتوا الانتباه. يشعر كثير من اليهود أنهم الأقل عددًا وبالتالي فالمساحات الآمنة لهم في أوروبا أقل. وقد هاجر الكثيرون إلى إسرائيل بسبب هذا الشعور بعدم الأمان وانعدام الانتماء.

* التصوير الدائم لليهود كرأسماليين أثرياء، وممولين جشعين يديرون النظام المصرفي العالمي ويطمعون في الهيمنة على العالم، يستمر في شغل الخيال العالمي

ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون الحل لمشكلة معاداة السامية هو هجرة يهود أوروبا إلى إسرائيل. سيكون هذا بمثابة اعتراف بالهزيمة من جانب أوروبا لأنها فشلت في حماية واحدة من أقدم مجتمعاتها. كما يلعب دورًا في الحجة الصهيونية بأن المكان الوحيد الذي سيسمح لليهود بالعيش فيه بسلام هو إسرائيل. وهذا بالضبط ما حدث بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948. حيث اختفت بين عشية وضحاها المجتمعات اليهودية التي عاشت في الأراضي ذات الأغلبية المسلمة في الشرق الأوسط لأجيال بمجرد أن اتخذت الحكومات العربية قرار طردهم.

وبعد ذهاب العديد من هؤلاء اليهود إلى إسرائيل، وأصبح أكثر من نصف السكان اليهود في إسرائيل هم من اليهود الشرقيين، اليهود الذين ينحدرون من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أتوقع أن يندم الكثير من العرب على فقدان مثل هذه المجتمعات. لكن الكثيرين اختاروا التقليد المسيحي الأوروبي القديم المتمثل في إلقاء اللوم على اليهود ورؤيتهم على أنهم منظمون للفوضى متعطشون للسلطة.

وتظهر الاستطلاعات أن الشرق الأوسط لديه إلى حد بعيد تصورات سلبية عن اليهود أكثر من أي منطقة في العالم. معاداة السامية الإسلامية أو العربية هي قضية يجب استكشافها في حد ذاتها، حيث إن لها تداعيات متزايدة على معاداة السامية بشكل عام في أوروبا. لكن جزءًا من مشكلة معاداة السامية، وهذا هو الحال دائمًا، هو أن اليهود يُنظر إليهم على أنهم «الآخر»، وأنهم لا ينتمون لأي مكان. والأخطر أن ولاءاتهم تكمن في مكان آخر. وهذا ما أثار مخاوف العرب من أن اليهود يعيشون في أراضيهم بعد عام 1948. فالكثير منهم توقف عن رؤيتهم كمصريين أو عراقيين أو إيرانيين أو يمنيين  لمجرد أنهم أصبحوا يهودا. لقد اعتبروهم يهودًا أولاً وقبل كل شيء ومخلصين قبل أي شيء لإسرائيل فقط.

إن طريقة معالجة معاداة السامية في أوروبا هي تذكير أولئك الذين ينظرون إلى اليهود الأوروبيين بشك بأن اليهودي الفرنسي يفتخر بكونه فرنسيًا مثل أي شخص آخر. ولهذا السبب، على الرغم من كل شيء، اختار البقاء في فرنسا.

القضية الفلسطينية بين الاستقلالية وتعدد التبعية


مقالات ذات صلة