سكرية لـ«المجلة»: الأدوية تدخل لبنان دون رقابة... ولقاح كورونا في البازار السياسي

مافيا الدواء ترتكب مجزرة يومية بحق اللبنانيين
صيدليات لبنان تعاني من فقدان الأدوية ( رويترز)
رئيس اللقاء الأكاديمي الصحي والهيئة الوطنية الصحية الدكتور إسماعيل سكرية

بيروت: يشكل الدواء القضية الأكثر إثارة على المستوى الصحي بعد فضائح طالت جودة الأدوية المروجة في الأسواق اللبنانية، إذ «لا توجد سياسة دوائية وطنية في لبنان ويخضع الدواء للتفكير التجاري والربح المادي والتواطؤ ما بين التاجر والإدارة وبحماية من الفساد السياسي. ومنذ تشكيل أول حكومة إلى اليوم يتم  استثمار موضوع الدواء سياسيا فكل الحكومات رصعت بياناتها الوزارية بوعود متعلقة بتأمين الدواء الجيد والرخيص وتنتهي القصة عند البيان الوزاري. فشركات الاحتكار القوية اخترقت الوسط السياسي ووصلت لدرجة تمويل الحملات الانتخابية».

وبالرغم من غياب السياسة الدوائية وهيمنة الشركات الاحتكارية على سوق الدواء، وفشل كل المحاولات الإصلاحية في هذا القطاع منذ عام 1971 مع وزير الصحة دكتور إميل بيطار، والثانية عام  1989. ومن خارج إرادة السلطة اللبنانية الحاكمة حيث كان لبنان أول دول عربية تقوم منظمة الصحة العالمية بمكننة الدواء لديها، ما يساهم في الحد من التلاعب بالأدوية، إلا أن الكمبيوترات تعطلت فجأة، وأعيدت الكرة في العام 1996 فلم تتعطل الكمبيوترات وحسب، بل بيعت المعلومات الموجودة، والثالثة تمثلت بالقرار 90/1 عام 1999 والذي يقضي بالسماح لأي كان باستيراد الأدوية شرط أن يكون سعرها أقل 25 في المائة من سعر السوق، فأقدمت شركات الاحتكار على شراء الأدوية المنخفضة السعر وقامت بتسجيلها في الوزارة إلا أنها لم تطرحها في السوق وأبقت على الأدوية المرتفعة السعر.

محاولات الإصلاح التي منيت جميعها بالفشل نتيجة التواطؤ بين أركان السلطة وشركات الاحتكار لا تظهر حجم التلاعب بصحة اللبنانيين وآلامهم فقط بقدر ما تظهر غياب رؤية صحية متكاملة.

وها هو المواطن اللبناني يدفع ثمن استمرار الاحتكار والفساد في هذا القطاع حيث وصلت أزمة الدواء التي ظلت تتأرجح صعودا وهبوطا في لبنان منذ مطلع العام الماضي إلى مرحلة غير مسبوقة من التعقيد والندرة والغلاء وسط صراعات محتدمة واتهامات متبادلة بالفساد والجشع بين كافة الأطراف خاصة المعنية بأمر استيراد وتسعير ودعم الأدوية في البلاد.

وطفت إلى السطح خلال الأشهر الماضية على لسان المسؤولين المتصارعين فضائح فساد ضخمة خلفت ركاما من الأسئلة بشأن مستقبل توفر الدواء وأسعاره ومن المسؤول عن التلاعب بحياة المواطنين في البلاد. ورغم التصريحات النارية بشأن وجود فساد وكسب غير مشروع في هذا القطاع غيرأن أجهزة الدولة لم تقدم على إجراءات قانونية متصلة وواضحة للقضاء على المفسدين والمهربين والمتلاعبين وتقديمهم للعدالة وفرض الشفافية في هذا القطاع، بل ظلت الاتهامات المتبادلة هي سيدة الموقف.

دراسة: كلفة غذاء عائلة لبنانية تساوي 5 أضعاف الحد الأدنى للأجور

* كلام مستوردي الأدوية كاذب وفاجر ويعاكس الحقيقة

وتتعدد الأسباب، لكن تظل أزمة الدواء هي الحقيقة التي لا جدال عليها، وما بين الانعدام والندرة والغلاء وفلتان سعر الدولار وانتشار السوق السوداء والتهريب إلى الخارج، يكابد المرضى للحصول على ما يحتاجون إليه من أدوية وذلك في ظل قرارات حكومية متلاحقة ومتضاربة أحياناً تهدف للتحكم والسيطرة على قنوات الاستيراد والتوزيع.

وسوق الدواء في لبنان يكلف سنوياً ملياراً و800 مليون دولار، ويتوقع أن يكون في العام 2023 حسب دراسة شركة الإحصاءات فيتش، مليارين و400 مليون دولار. 

يستفيد تجار الأدوية من غياب دعم الدولة للصناعات الدوائية الوطنية، ورقابتها على الأدوية الواردة، ليحققوا أرباحاً طائلة، بتواطؤ مع الكثير من الأطباء والصيادلة الذين يصفون أدوية معينة على حساب أدوية أخرى، بفعل رشى وهدايا وتقديمات يعطيها الكثير من التجار للأطباء والصيادلة. 

واجهة صيدلية في العاصمة بيروت (غيتي)

قبل أيام طالب رئيس اللقاء الأكاديمي الصحي والهيئة الوطنية الصحية (الصحة حق وكرامة) الدكتور إسماعيل سكرية، طالب «الحكومة ووزارة الصحة بوضع حد لتصدير الأدوية الوطنية الصنع، ومنعها منعا باتا، لتخفيف حدة أزمة فقدان الأدوية، التي طالت العديد من الأمراض الحساسة، مثل الضغط والسكري والهرمونات وبعض المضادات الأساسية والقلب، والتي تسبب بها عدد لا يتجاوز العشرة أشخاص ممن يتلقون دعم المصرف المركزي للمواد الخام المستوردة بدولار ألف وخمسمائة، ليعمدوا إلى تصدير دوائهم المصنع للخارج لقبض ثمنه بالدولار ووضعه في حسابهم دون المرور بالمصرف الداعم الذي يغطي دعما فقد مضمونه وقيمته وتحول كذبة كبرى وإهانة للناس».

ولم يستغرب أحد هذا المطلب لأن الجميع يعلمون أن سكرية يعرف هذا القطاع ويعرف كل المتورطين في رحلة الفساد التي رافقت هذا القطاع منذ زمن بعيد، ولكن هل تجاوبت السلطات المختصة مع هذا المطلب.

«المجلة» التقت الدكتور سكرية وحاورته في كل الأمور المحيطة بملف الدواء والأسباب والمسببات التي أوصلته إلى هذا المنحى.

 

* ماهي نظرتكم العامة لواقع قطاع الدواء ومن يتحمل مسؤولية المأساة الحاصلة اليوم؟

- واقع الدواء واقع مأساوي وخطير على الصحة العامة.. فُقدان الأمن الدوائي في السوق اللبنانية هو نتيجة لسياسات متراكمة غير وطنية وغير مسؤولة وتخللها الكثير من أعمال الفساد والتجارة منذ عقود من الزّمن كان التاجر يفرض التسعيرة ويفرض إرادته ويطوّع القانون لمصالحه بالتغطية السياسية والطائفية كما دائما في لبنان.

وقد وصلنا إلى أزمة فقدان الدواء منذ 10 أشهر لأن التجار وحتى الصناعة المحليّة للأسف راحوا يصدّرون أدويتهم للخارج لكي يقبضوا بالدولار ومن هنا بدأت تنقطع الأدوية من السوق ومن هذا المنطلق يتحمّل مسؤولية استمراريّة الأزمة وقد قلتها مرارا: كل الفرقاء المعنيين بالموضوع وهم وزارة الصحة، ونقابة الصيادلة، ونقابة المستوردين، والمصرف المركزي، وحتى لجنة الصحة البرلمانية، أولا حاكم المصرف؛ ألاعيبه وأسراره وماذا يملك؟ وماذا لديه من أموال للتغطية؟ يلفّها الغموض، كما أنّه يبيع ويشتري الوقت. وفي الوقت نفسه نقيب الصيادلة لديه تضارب مصالح ولديه مستودعه الخاص، فهو ليس متحررا بالمطلق من الثغرات المستخدمة للضغط عليه، وموقفه ضعيف دائما، أما نقابة المستوردين فهدفها تجاري ربحي.

* لا يوجد أي دواء يدخل إلى لبنان يخضع للرقابة؛ لا الأميركي ولا الياباني ولا الإيراني ولا المصري

وزارة الصحة للأسف الشديد دخلت بلعبة تمرير الوقت ووعود ترشيد الدعم لأن الأمور وصلت إلى هذه الفوضى وهذا الفقدان القوي وانعدام الأمان الدوائي في السوق والوضع الكارثي الحقيقي لردة فعل قرر الوزير أن يفتح باب استيراد الدواء الجينيريك وضرب الاحتكار، عظيم... منذ 24 سنة وأنا أنادي بضرورة كسر الاحتكار، ولكن لا تكسروا بطريقة قد ترتد سلبا، بمعنى أنه لا يمكنني أن أقول إنني أريد أدوية «جينيريك» رخيصة من دول العالم الثالث لأنها أرخص من دون التأكد من مدى فعاليتها وإذا كانت فعاليتها غير كافية تصبح أغلى لأن الدواء الذي لا يؤثّر على مرض معيّن تصبح تداعيات المرض أكثر وتتطلب أدوية أكثر ودخول مستشفى وبالتالي أثمانا باهظة. 

وهذا أقوله عن تجربة، فهناك ملفات قديمة لا تزال موجودة في قصر العدل عن معاناتنا بالأدوية الهندية والصينية لدول فرعية عظيمة لديها الأدوية التي تصدرها أو التاجر اللبناني يجلب الأدوية الرخيصة لكي يربح.

حتى من دول الغرب مثل فرنسا وإيطاليا، فهنالك بعض التجار اللبنانيين الذين يجلبون الأدوية ضعيفة التركيب لأنها أرخص بكثير أو لأن مدّتها قد شارفت على الانتهاء وللأسف تغيب الرقابة والمحاسبة، لذا لست متفاجئا نهائيا بما آلت إليه الظروف اليوم. 

لبناني يقدم على إحراق سيارته بعد يأسه من تأمين البنزين لها

أكبر دليل على غياب الدولة في لبنان أنه عندما كنت أطرح في مجلس النواب اللبناني معلومات عن أدوية مزوّرة أودت بحياة بعض الناس أو أطرح معلومات عن أدوية أسعارها خمسة أضعاف أو معلومات عن أشخاص أو مرضى ماتوا على أبواب طوارئ المستشفيات بسبب عدم توفّر الأموال، للأسف اليوم لا يوجد أي نائب اليوم يصارح الناس بالحقيقة.

 

* طالبتم قبل فترة بمنع تصدير الدواء المصنع محلياً، ما الأسباب وهل تجاوبت الجهات المعنية مع هذا الطلب؟

- أتمنى أن تصبح الصناعة الوطنية قوية وتستطيع أن تصدر وأنا من الداعين إلى تشجيعها مع شرط وجود مختبر وطني وقد طالبت لأن بعض أصنافها فقدت في السوق اللبنانية ويتم بيعها في الخارج من أجل الدولار، طالبت بمنع تصدير الدواء المصنع محليا إلا بعد أن تكون السوق اللبنانية مؤمنة.

 

* من يعارض إنشاء مكتب الدواء المطروح منذ زمن طويل؛ الطبقة السياسية أم كارتيل الدواء؟

- هم واحد. مافيا الدواء التي سميتها أول ما فتحت ملف الدواء في مايو (أيار) 1997 في البرلمان وسميتها «مافيا تجارية سياسية إدارية» أي إن هناك تداخلا سياسيا مع التجار، بحيث يستفيد بعض السياسيين وهناك الإدارة في وزارة الصحة والقطاع الصحي ككل متواطئ معهم، هناك الكثير من السياسيين فمعظم مصاريف نشاطاتهم وانتخاباتهم تغطيها شركات الأدوية.

 

* من يسمع كلام مستوردي الأدوية وأصحاب المصانع ونقيب الصيادلة ووزير الصحة يكاد يدوخ ويسأل: من المسؤول عن الواقع الذي نعيشه؟ وأين دور الوزارة في هذا الواقع؟

- بالنسبة لهم المسؤول هو المواطن المسكين الذي يعاني من فقدان الدواء وارتفاع أسعار الدواء لأن كلامهم فاجر وكاذب ومعاكس للحقيقة. 

نضع اللوم على الإعلام الذي ينقل هذا الكلام الذي يعمل على تغطية نشاطاتهم وكلامهم. أما بالنسبة للوزارة ولا مرة تصدّت بشكل جدي لأعمال الفساد هذه وكذلك نسمع وعود وتصريحات وبطولات واهية لم يتحقق منها شيء ودورها فاشل على كل حال.

 

* هل جميع الأدوية الموجودة في السوق ومنها الأدوية الإيرانية تخضع للرقابة قبل طرحها في السوق؟

-لا يوجد أي دواء يدخل إلى لبنان يخضع للرقابة، لا الأميركي ولا الياباني ولا الإيراني ولا المصري... لأنه لا يوجد لدينا مختبر. وحسب قانون الصيدلة يفترض أن يكون هناك مختبر يطبّق كل الفحوصات على كل الأدوية الداخلة إلى لبنان من كافة البلدان سواء من الصومال أو واشنطن أو سويسرا، وهذا للأسف غير موجود لأنه يضرب مصالح كبيرة وأرقاما خيالية. 

منذ ست سنوات نقيب المحامين جورج جريج طلب مني أن نطلق محاضرة في بيت المحامي عن الدواء وحينها دعا كل المحامين وامتلأت القاعة بأكثر من 400 شخص من محامين ونقابيين وجسم إعلامي وإذ وقف أحد المحامين من كسروان وعرّف عن نفسه على أن لديه صديقا يعمل مدير مصنع أدوية في فرنسا قال له إن تجارا لبنانيين يأتون إليهم من فترة إلى أخرى ويطلبون منهم أن يصنعوا شبيها للدواء المطلوب في لبنان ولكن شرط أن يكون أرخص لكي يستطيع بعدها أن ينافس في السعر وقد طلب منه بشكل جاد حتى لو كان ذلك أن «نضطر لخفض النوعية». وقال له المحامي هل تقبلون في فرنسا أن يحصل ذلك؟ قال له نحن في فرنسا تهمنا مصلحة المواطن أولا. وهذه عينة صغيرة من الذي يحصل في لبنان.

 

* من المسؤول عن المجزرة التي حصلت على صعيد تسعير الأدوية على سعر المنصة والتي رفصت من أكثر من طرف؟

- جميع الذين ذكرتهم. أولا تجار الدواء. الموقف الغامض للوزارة ونقابة الصيادلة ولجنة الصحة البرلمانية وحاكم مصرف لبنان.

 

* هل صحيح أن كارتيل الدواء أقوى من الدولة أو شريك مع الطبقة السياسية؟

- أنا أكتفي بالذي قاله وزير الصحة علي حسن الخليل في 16 فبراير (شباط) عام 2013، حينها قال: «إن هناك شركات دواء أقوى من وزارة الصحة».

 

* هل صحيح أن اللقاح ضد لائحة كورونا دخل البازر السياسي والانتخابي؟

- طبعا، كل شيء في لبنان يدخل في البازار السياسي، وأكتفي بهذا القدر.

فرنسا تفتح تحقيقاً حول ثروة حاكم المركزي اللبناني في أوروبا


مقالات ذات صلة