الخلاف ليس معركة الحق كله ضد الباطل كله

إذا ما نظرنا إلى خريطة المستجدات السياسية في منطقتنا وأثرها على ما يحصل في سوريا فسنجد مثلا أن ما يحصل في كل من العراق ولبنان وإيران له التأثير الأكبر أو الدلالة الأوضح على ما يطبخ لسوريا، وإذا ما نظرنا إلى المظاهرات في إيران والتي انطلقت من الأحواز العربية لتصل إلى طهران ومدن إيرانية أخرى، لظننا أن العرب عموما والسوريين على وجه الخصوص سيستمرون أمام الشاشات لمتابعة أحداث هذه المظاهرات.

هذا بالطبع بالإضافة إلى ما يحصل في درعا وتراجع النظام ومعه روسيا عن التزاماتهما، وطرح أهالي درعا البلد مبادرة تتضمن ترحيلهم عن منطقتهم. كل هذه الأحداث وأكثر مرتبطة ومترابطة مع ما يحضر لسوريا وللمشرق العربي، وسيكون لها تأثير وتداعيات على الوضع في سوريا. ومع ذلك تجد الكثير من العرب ومن السوريين معارضين وكتابا وغيرهما مشغولون بما يحدث في تونس دون سواها، مع أن تأثير ما يحصل بتونس على أهميته لا يقارن بتأثير باقي الملفات سواء في الوضع السوري أو في وضع دول المشرق التي تعيش في حالة هزيمة أمام مشروع استعماري استيطاني إيراني بات يعمل على تدمير المجتمعات العربية في المشرق ولا يكتفي بتدمير الدولة وتحويلها إلى دولة فاشلة عبر ميليشياته العابرة للحدود وعبر عدم احترامه لحدود الدول ولسيادتها .

من المؤكد أن من حق أي مواطن عربي أو أي سوري أن يكون له موقف من أي حدث سواء الحدث التونسي أو سواه، ومن حق أيٍ كان أن يتخذ الموقف الذي ينسجم مع قناعاته ومع الآيديولوجيا التي يعتنقها، لكن عليه أيضا أن يدرك أن موقفه هذا هو مجرد انطباع وصدى لأفكاره، وقد لا يكون مبنيا على قراءة حقيقية ودقيقة لتفاصيل الحدث التونسي، ومن المهم أن لا يتحول اختلاف الآراء وزاوية الرؤية إلى ما يشبه «هرمجدون وطني»، بحيث يصر البعض على تصوير الأمر وكأنه «معركة الباطل كله ضد الحق كله».

فحرية رأيك شيء، وأن يتحول هذا الرأي لمادة للخصومة الداخلية شيء آخر، فأيا كان ارتباطك بالحدث التونسي وتأثيراته عليك فإنه ولا شك لن يرقى إلى ما يعانيه بلدك من مشاكل وهموم تصل إلى حد المعضلات، هذه ليست دعوة للانكفاء على الذات أو لقطع الصلة التي تجمعنا بالعالم المحيط بنا شرقه وغربه، وخاصة في المنطقة العربية، فالجميع يدرك أن ترابط هذه المنطقة يجعل أي حدث في أي دولة سيترك أثره على باقي الدول مهما كان مستوى هذا التأثير وشكله.

إقرأ لنفس الكاتبة:

ما لم يقله فاندام

لكن وحتى نطرح الأمر بشكل واضح، فإن الانقسام الآيديولوجي الحاصل ليس بين السوريين فحسب، بل في معظم مجتمعات دول الربيع العربي بات ثقيلا جدا إلى حد أنه صار كبرميل البارود القابل للاشتعال أمام أي حدث وإزاء أي قضية مهما كانت عظيمة أو تافهة.

واللافت أن هذا الانقسام العمودي لم يترك مجالا لقلة قليلة أن تملك رأيا مغايرا، حتى يكاد المرء يظن نفسه غريبا عن المنطقة إن رفض الانتماء لأحد المعسكرين، إسلامياً كان أم عسكرياً استبدادياً، وأن الخيار الثالث خيانة.

* تعاني سوريا، إضافة إلى كل ما تعانيه، من أزمة هوية حقيقية، وإن كان الحديث عنها في كثير من الأحيان يعتبر من المحرمات، إلا أن قمع النظام البعثي جعلها اليوم تنفجر في وجه الجميع كأنها بركان

ودون إنكار أهمية ما يحصل في تونس؛ كون الربيع العربي انطلق من هناك، وكون التجربة الديمقراطية التونسية كانت الأكثر صحية وتفاؤلا كما تبدو لنا عن بُعد، ولكن الكلام هنا عن تأثير الأحداث وتفاعلها، إضافة إلى الانقسامات العمودية التي يسببها أي خلاف مهما كان بسيطا بين من يُفترض أنهم ينتمون إلى معسكر واحد.

تعاني سوريا، إضافة إلى كل ما تعانيه، من أزمة هوية حقيقية، وإن كان الحديث عنها في كثير من الأحيان يعتبر من المحرمات، إلا أنه لا يمكن لأي متابع إلا أن يرى كيف برزت على السطح الهويات الفرعية عرقية ومذهبية، كانت موجودة من الأساس، إلا أن قمع النظام البعثي جعلها اليوم تنفجر في وجه الجميع كأنها بركان. وإضافة إلى هذه الانقسامات برز خلال الثورة السورية وتحديدا بعد تسليح الثورة وظهور الحركات الإسلامية والمجموعات المسلحة المرتبطة بها، انقسام جديد ليس أقل خطورة من الانقسامات الأخرى وهو الانقسام الآيديولوجي بين إسلامي وعلماني، ومع محاولات بعض النخب والمعارضة ابتكار مفهوم وسطي للحد من هذا الانقسام وهو «الدولة المدنية»، إلا أن الأمر فشل لأنه لم يقم على أسس واضحة وحوار صريح وبناء، بل قام على مبدأ التعتيم على الإشكالية الحقيقية وهي: من هم السوريون وأي سوريا يريدون؟

إقرأ لنفس الكاتبة:

مكافأة الإرهاب جريمة

من المؤكد أن طبيعة النظام البعثي القمعي، وخصوصا نظام الأسدين القائم على أساس طائفي، أدى إلى انعدام الثقة بين السوريين أنفسهم، وانهارت معه فكرة الهوية الوطنية التي لم تكن قد نضجت أساسا بسبب ميل السوريين إلى مفاهيم الوحدة والعروبة ورفضهم سنين طويلة لحدود سايكس بيكو، ومن مخاطر ما نتج عن غياب هذه الهوية هو الغياب شبه التام لمفهوم المواطنة الحديثة القائمة على المساواة في الحقوق والواجبات للسوريين كافة بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والمذهبية والفكرية.

واليوم بدل أن تفتح أحداث المنطقة الفرصة أمام السوريين للحوار والتلاقي على المشترك بينهم، نجد أن أي حدث يراكم من الانقسامات، وقد يقع جزء من المسؤولية على النخب السورية، والتي، في أغلبها، بدل أن تحول أي حدث لفرصة لطرح حوار ونقاش بين السوريين أنفسهم وليخلصوا منه باكتشاف المشترك بينهم، نجد معظم هذه النخب سباقة بالاصطفاف على أسس آيديولوجية.

إقرأ لنفس الكاتبة:

عباءة المرشد فوق قيم الجمهورية