«عاش يا كابتن»: وثائقي عن رحلة فتاة مصرية في رياضة رفع الأثقال

عندما يكون دعم الرجل سبباً في تحقيق لاعبات رفع الأثقال حلمهن
زبيبة (أسماء رمضان) تشارك في مسابقة رفع أثقال في مشهد من فيلم «عاش يا كابتن»

القاهرة: عندما يقرر الكاتب أو المؤلف توثيق قصة ما، يجب أن يكون لديه ما يقوله من خلالها. تقول القاعدة: إذا لم يكن هناك شيء تخبره للجمهور، فلا تصنع الفيلم! يمكن أن يمتلك العديد من الأشخاص مهارات التصوير والكتابة والإخراج وتقنيات صناعة الأفلام، لكن أهم شيء ينساه صانع الفيلم هو لماذا أصنع هذا الفيلم بالذات؟ لماذا أرغب في سرد هذه القصة بالتحديد؟ إذا كان لديك الجواب الذي يقنعك، ابدأ الرحلة!

في المشهد الحالي لصناعة السينما حول العالم، تحظى القصص الواقعية بمكانة قوية لأنه وسط كل الحكايات التي تجعلنا نبحر في عالم الخيال والروايات وحتى المستقبل الذي أصبح بإمكاننا توقع خباياه إلى حد ما، يريد الناس أن يشاهدوا ويتفاعلوا مع القصص الإنسانية التي تصور لهم فصولا من حياة أناس آخرين.

يمكنك أن تعيش أكثر من حياة إذا قرأت كتابًا أو شاهدت فيلمًا، ولكن عندما تكون القصة مليئة بالحقيقة والتحدي وصعوبات الحياة فإنك تصدقها وتدرك أن الحياة تفاجئنا بأحداثها المجردة أكثر من أي نص خيالي.

زبيبة (أسماء رمضان) تجلس مع مدربها الكابتن رمضان في مشهد من فيلم «عاش يا كابتن»

الفيلم الوثائقي «عاش يا كابتن»

يمثل هذا النوع من الأفلام البسيطة التي تعتمد على تسجيل الأحداث الحقيقية التي حدثت لشخصية معينة في فترة زمنية محددة. الفيلم كتابة وإخراج الشابة مي زايد والتي قامت بتوثيق رحلة رافعة الأثقال أسماء رمضان (زبيبة)، الفتاة التي تعيش في محافظة الإسكندرية، من سن 14 وحتى بلوغها 18 عامًا، وشمل هذا التوثيق تدريباتها والبطولات التي شاركت فيها.

قامت منصة «نتفليكس» مؤخراً بعرض الفيلم باعتباره أول فيلم وثائقي مصري يتم تقديمه على المنصة الدولية. هذا وقد شارك الفيلم في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي بكندا في العرض العالمي الأول له، كما تم عرضه في مهرجان «دوك نيويورك» أكبر مهرجان للأفلام الوثائقية في الولايات المتحدة الأميركية.

* في المشهد الحالي لصناعة السينما حول العالم، تحظى القصص الواقعية بمكانة قوية، حيث يحب الناس أن يشاهدوا ويتفاعلوا مع القصص الإنسانية التي تصور لهم فصولا من حياة أناس آخرين

وقد حاز فيلم «عاش يا كابتن» على العديد من الجوائز العالمية والمحلية، حيث حصل على جائزة الیمامة الذهبیة لأفضل فيلم في مسابقة الأفلام الألمانية في مهرجان «دوك لایبزغ» في ألمانيا وجائزة أفضل مخرج في مهرجان سيول الدولي لأفلام الأطفال في كوريا الجنوبية. بالإضافة إلى ذلك، فاز بثلاث جوائز من مهرجان القاهرة السينمائي، وهي جائزة الهرم البرونزي، وجائزة إيزيس، وجائزة الجمهور يوسف شريف رزق الله. استمر الفيلم في حصد الجوائز بحصوله على جائزة أفضل فيلم وثائقي في حفل توزيع جوائز النقاد للأفلام العربية التي نظمها مركز السينما العربية في مهرجان كان السينمائي عام 2021 حيث صوّت لصالحه 160 ناقدًا من 63 دولة.

يتتبع الفيلم الحياة اليومية لرافعة الأثقال أسماء رمضان أو زبيبة لمدة 4 سنوات حيث كانت هي وزملاؤها يتدربون في أرض فارغة دون أي إمكانيات أو رعاية في منطقة الورديان الشعبية بمحافظة الإسكندرية تحت إشراف الكابتن رمضان الذي حاول جاهدًا توفير مساحة وأجواء تدفع الفتيات لاستكمال تدريبهن والوصول إلى أعلى المستويات وتحقيق البطولات.

تتدرب أسماء يومياً على يد الكابتن رمضان الذي يثق في قدراتها لتحقيق حلمها في أن تصبح بطلة دون كلل أو تراجع. المثير للدهشة أنه بالرغم من قلة الإمكانيات المتوفرة تنجح زبيبة بالتدريب والإصرار وبمساعدة الكابتن رمضان في الحصول على بطولات على مستوى محافظة الإسكندرية وكذلك على مستوى الجمهورية وقارة أفريقيا. لتثبت لنا القصة أن الإرادة والتشجيع والعمل المستمر أساس أي نجاح حتى لو كانت البيئة فقيرة.

أمضى الكابتن رمضان عبد المعطي مدرب أسماء ووالد البطلة نهلة رمضان بطلة رفع الأثقال السابقة أكثر من 20 عامًا في تدريب وتأهيل الفتيات لرفع الأثقال في شوارع الإسكندرية وتوفي عام 2017 أثناء تصوير الفيلم لكنه ترك روحه وأثره في نفوس الفتيات والذي كان الدافع لهن على الاستمرار رغم حزنهن على فقدانه وفقدان الداعم الكبير والأب. كان إيمان الكابتن رمضان القوي بدعم الفتيات وتأهيلهن ليصبحن بطلات في رياضة كانت حتى وقت قريب تقتصر على الذكور فقط بمثابة خسارة كبيرة. لقد رأينا إخلاصه في عمله وسعادته بنجاحهم وفرحته الطفولية التي كانت تُرسم على وجهه عند فوزهن.

كان الكابتن رمضان خير مثال لقائد صارم ومحب في نفس الوقت. فهو من يدعم المتدربات وهو أيضا الذي يقسو في بعض الأوقات حرصاً على مصلحتهن. أما الفتيات فهن قريبات منه ويحببنه كأبيهن، في علاقة من الدعم والنقد والتي كانت من أهم أسباب نجاح هؤلاء الفتيات.

غالبًا ما يعزز ثقة الفرد بنفسه إيمان وثقة الآخرين به، وهذا ما حدث مع الكابتن رمضان وبناته. فقد كان إيمانهن بتحقيق المزيد، حتى لو بدا في البداية أنه مستحيل، كن مدعومات بثقة كابتن رمضان بهن وتأكيده الدائم لهن بأنهن يستطعن أنه لا فرق بين الرجل والمرأة.

الوثائقي يخبرنا عن عالم رياضة رفع الأثقال الذي يعني الخسارة والنصر والكثير من المشاعر والدعم والضغط والتدريب المستمر، لكننا في نفس الوقت نشاهد فيلمًا يتطرق بذكاء أيضاً إلى قوتنا الجسدية وحركات الجسد التي تعني الكثير. فقد نجحت الكاميرا في نقل إحساسنا بالجسد وحركاته مثل السقوط والاصطدام والقفز لتجعلنا نشعر بما يشعر به أبطاله ومعرفة ما يحدث في هذا العالم.

زبيبة (أسماء رمضان) تقف بعد فوزها في بطولة أفريقيا لرفع الأثقال في مشهد من فيلم «عاش يا كابتن»

في عالم رفع الأثقال كما ستعرف، «أهم شيء هو الوزن!» فالإكثار من تناول الطعام يعني زيادة الوزن وإن تناولت كميات أقل من اللازم فهذا يؤثر على طاقتك. الجسم في الفيلم حساس للغاية وكل غرام يؤثر على الجسد وأداء اللاعب.

يحتوي الفيلم قدرا كبيرا من التواصل الجسدي كالعناق والقبلات والتهنئة والتدريبات على الظهر والتوبيخ بوخز في الكتف الذي قامت به الشخصيات بشكل عفوي للتعبير عن أنفسهن وعلاقاتهن مع الآخرين.

* الوثائقي يخبرنا عن عالم رياضة رفع الأثقال الذي يعني الخسارة والنصر والكثير من المشاعر والدعم والضغط والتدريب المستمر

ما لاحظته أيضًا هو إبراز مفهوم رؤية الجمال في أي مكان وفي كل شيء. فقر المكان لم يجعل الكابتن رمضان لا يهتم بجماله ويستمتع به. على العكس فقد حرص على زراعة الأشجار به مضيفًا عنصرًا جماليًا إلى مكان مفعم بالحيوية والألفة حتى انعكس ذلك على مزاج الفتيات بشكل إيجابي. فقد رأينا زبيبة تواصل ري النباتات والأشجار بعد فقدان الكابتن رمضان.

لم يتم استخدام أي تأثيرات موسيقية أو غرافيكس طوال الفيلم، فالقصة هي.. حكاية زبيبة والكابتن رمضان وفتيات رفع الأثقال وأمهاتهن اللاتي يقمن بتشجيعهن بشكل دائم وشوارع الإسكندرية والرغبة في النصر! وما أجمل من أن تكون تلك الحكايات هي المعبرة بشكل كلي عن الفيلم؟

يسلط الفيلم الضوء على الفتيات المصريات المنغمسات في رياضة رفع الأثقال، وتلك الشجاعة وروح الحماسة الجميلة التي يتمتعن بها، للإعلان عن أجيال أخرى قادمة من الفتيات القادرات على التحدي وإثبات أنفسهن.

نحن لا نجد ذواتنا بالصدفة- لا أحد يجلب لنا الفرصة- ولكن بالتعلم والتدريب المستمر والتأمل في العالم من حولنا (يتم إيجاد الفرصة) وهذا ما أكده الفيلم. النجاح جميل ولكن لا شيء يأتي بسهولة في هذه الحياة والشخص الشجاع هو الذي لا يسقط أو يستسلم أثناء رحلة البحث عن نفسه وتحقيقها. لا تزال زبيبة تسعى إلى المزيد من النجاح فهي مستمرة في التدريب حتى ترى اللحظة التي طالما حلمت بها، وهي أن تصبح بطلة العالم في رفع الأثقال.