المسرح السوداني يستعيد حضوره المتألق وجمهوره المفقود

إحياء النشاط الثقافي في عروض مهرجان «هامش النيل»
جانب من عروض مهرجان هامش النيل

الخرطوم: عاود المسرح السوداني نشاطه بعد توقف لفترة طويلة، بافتتاح مهرجان «هامش النيل» النسخة الأولى، على خشبة المسرح القومي السوداني، خلال الفترة من 28 يوليو (تموز) الأول من أغسطس (آب) الجاري، وبدأ المهرجان الذي قدمت من خلاله 15 مسرحية، وكأنه إحياء لنشاط ثقافي وفني أصابه الركود لفترة طويلة جراء جائجة كورونا التي أضافت إلى مشاكله مشكلة جديدة، فالمسرح السوداني يواجه تحديات فنية واقتصادية، ويحاول بقدر المستطاع اللحاق بجمهوره الذي يتسلل إلى فضاءات إبداعية جديدة، مما يثير قلق المشتغلين في هذا الحقل العريق.

وشارك في مهرجان «هامش النيل» الذي أقيم على خشبة المسرح القومي في مدينة أم درمان في العاصمة الخرطوم، عدد كبير من المسرحيين السودانيين، كما صاحب العروض ملتقى ومنتدى فكري عن تجارب الفرقة القومية للتمثيل وعن تجارب مسرح العرائس قدمها كل من الرواد في هذا المجال عبد الحكبم عامر وموسى الأمير، وعقب عليها النقاد أبو طالب محمد وعبد الله الميري، وبحضور جمهور معقول وعدد من المتابعين للنشاط المسرحي في البلاد.

يقول نبيل ساتي العضو المؤسس في مهرجان «هامش النيل» لـ«المجلة» إن واحدا من أهداف  المهرجان تحريك ساكن الحركة المسرحية، وعدم انتظار الجهات المنوط بها دعم أنشطة المسرح في ظل ظروف اقتصادية معقدة، موضحا أن المهرحان يقوم بدور اجتماعي وسياسي في وقت تشهد فيه البلاد تغييرا في كل مناحي الحياة، «ولو كان بطيئا»، حسب قوله.

 

جانب من عروض مهرجان هامش النيل

 

وذكر ساتي أن هدفه من تنظيم المهرجان توجيه رسالة مفادها «نحن في قلب معركة التغيير، ولو بأبسط الأدوات، وأعتقد أننا قد نجحنا، وذلك في خلق تظاهرة مسرحية متكاملة شلمت العروض والمنتديات».

وبالنسبة للمخرج ماهر سيد، فإن المهرجان الذي ابتدعه الفنان المسرحي نبيل ساتي هو أول نشاط فني ملموس بعد جائحة كورونا التي أوقفت كل الأنشطة الفنية والثقافية قرابة العام والنصف بحسابات الزمن وهي مدة طويلة ومؤثرة على كافة الأصعدة الفنية والثقافية.

وحسب ملاحظة سيد في حديثه مع «المجلة» فإن عروض المهرجان تفاوتت جودتها وتباينت في قيمتها الفنية مع أن المهرجان كسر لواقع مسرحي رتيب لعبت ظروف خارجة عن الإرادة فيها كما في الأصل يعاني الوسط المسرحي منذ فترة ليست بالقصيرة من ركود على الرغم من حركة التغيير التي اجتاحت البلاد بسبب ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة التي هدمت ثلاثين عاما من التشتت الذهني في ما يتعلق بالواقع المسرحي السوداني صاحب التاريخ الناصع منذ سنوات نهضته وانتشاره كفن له دوره الرائد في المجتمع.

ويرى سيد أن عروض المهرجان كانت مساحة للتمرين واكتساب اللياقة، وأظهرت أن توقف النشاط المسرحي قد أثر على هؤلاء الدراميين وبدت الخشبة غريبة وواسعة عليهم لذلك جاءت عروض معظمهم تحمل معنى الميلودراما دون رتوش أو اجتهادات، وعروض أخرى مبهرة وذات نكهة خاصة، من بينها ما جاءت من الشرق السوداني تلك المنطقة الغنية بتراثها وجودة حكاياتها.

ويصف المخرج سيد مهرجان هامش النيل بأنه بشرة خير واجتماع أحباب تحدوا الجائحة الصحية ورسموا لوحة على ضفاف النيل، ووجهوا رسالة مفادها «نحن هنا وإن صدقت النوايا سوف نكون ما كانت الرؤية».

 

* صاحب العروض ملتقى ومنتدى فكري عن تجارب الفرقة القومية للتمثيل وعن تجارب مسرح العرائس

 

أما الكاتب المسرحي والدرامي المعروف خطاب حسن أحمد فقد رأى أن المهرجان لم يحظ بإعلان جيد خلال فترة كافية لجذب الجمهور، وحين حضوري حوالي ثلاثة أرباع أنشطته ثمنت جدا جهد الشباب القائمين به وإدارة المسرح ممثلة في مديره والفنيين والعاملين، إذ إن الجميع عمل في ظروف بالغة الصعوبة إذا وضعنا في الاعتبار أن فكرة إقامة مهرجان جاءت كأنها إجابة على السؤال الذي أنطق به وليم شكسبير شخصيته هاملت «لقد أراد المهرجان أن يكون فكان»، وبمجهود خاص، وعززت إدارة المسرح هذا العزم والحماس مع أن المسرح يحتاج إلى كثير من الإصلاح والصيانة لأداء وظيفته كمسرح قومي عريق.

وحول مستقبل المسرح في السودان، يتوقع خطاب حسن أحمد نهضته وتطوره على كافة المستويات «الجدة في الأفكار والرؤى والمضامين وأيضا في تكنيك طرق العرض»، مبينا أن تراكم تجارب المجتمعات السودانية في مختلف المناطق وما عايشته من صراعات قاسية تظل مصدر ثراء مسرحي كبير له شخصيته وملامحه الخاصة التي ستضيف أبعادا طيبة لملامح المسرح في العالم.

بينما يرى الشاعر بابكر الوسيلة الذي حضر فعاليات المهرجان المسرحي، أن  شكراً جزيلاً للمسرح لما وفره لنا مهرجان هامش النيل من عروض مسرحية ومن فضاء ثقافي، رغم كل ما يمكن أن يقال عنه من ضعف واستعجال ولملمة الأطراف على عجل، إلا أنه خطوة إلى الأمام في طريق الابتعاد عن «الاستهبال الحقيقي للسُّلطة» الذي هو أدهى وأمر، وما يمكن أن يخلفه هذا التأثير السُّلطوي من جرح بليغ في مسار غرض السُّلطة نحو أهدافها المغلقة بين شخوصها المعينين بدقة، لا أهداف المسرح المفتوحة الآفاق باتجاه التعدد الهائل للثقافات الشعبية في هذا المكان الرحب بمبدعيه.

وخطاب يدعو في هذا السياق إلى مسرح يقوم على الأيادي الأخوية وعلى التصفيق الشعبي الحر في أبهى صوره، مما يعد مسرحا «يؤسَس على الإيمان بالحرية والسلام والعدالة».

بيد أن مشكلة ضعف الجمهور ما تزال مقلقة بالنسبة للمشفقين على المسرح الموصوف بـ«أبو الفنون»، خصوصا لريادته الفنية التاريخية ودوره الفعال في الحياة الثقافية والاجتماعية في السودان، ما يدفع بنقاد إلى التصويب نحو هذه المشكلة.

 

 المسرحي ومؤسس المهرجان نبيل ساتي

 

وحسب الناقد المعروف السر السيد فإن تسرب الجمهور يعود في جانب منه إلى المبالغة فى الشكليات والغرائبية في كثير من العروض المسرحية فضلا عن المراهنة على الجسد عبر محاولة عزله عن سياقه الثقافي عنوة وهذا النوع من المسرح كأنه يسعى عمدا إلى كل ما يساعد على استحالة فك شفراته لذلك فهو أيضا بقصد منه أم بغير قصد يتماهى مع آيديولوجيا السلطة هنا أو هناك تلك السلطة أو السلط التي ترى ليس ثمة من ضرورة لمشاركة الجماهير/ المواطنين في مسرحها.. فى الفضاء العام (مسرح الحياة / مسرح المجتمع)، ويضيف قائلا: «إذا كانت السلطة أي سلطة تسعى إلى جعل الإنسان مغتربا عن واقعه وبالتالي إلى تزييف وعيه بما يحيط به ومن ثم إلى تعطيل قدراته في العمل على تغييره فهذا النوع من المسرح يسعى إلى تأكيد هذا الاغتراب مما يعني أنه يلتقي مع المسرح الذي أشرنا له آنفا والذي يعمل على إعادة إنتاج القمع عبر توسلاته بالمسكوت عنه فى السياسة والجنس فى نقطة واحدة هي سعيهما لتأكيد اغتراب الجماهير عن واقعها بل والعمل على تكريس هذا الاغتراب».

 

* أقيم مهرجان «هامش النيل» على خشبة المسرح القومي في مدينة أم درمان في العاصمة الخرطوم، وشارك فيه عدد كبير من المسرحيين السودانيين

 

ومن هذا المفهوم، يعتقد السر السيد في حديثه لـ«المجلة» أنه لم يكن غريبا أن يتفق هذان النوعان من المسرح الحاضران لحد كبير في التجربة المسرحية العربية الراهنة على ازدراء التجارب المسرحية هنا وهناك والتي تحاول أن تجمع بين المتعة والرسالة وأن تعبر عن المسرح بما أنه فن يتخطى الحواجز ويتجاوز الثوابت ولا يقف عند شكل واحد أو صيغة واحدة لا على مستوى المضامين ولا على مستوى الأشكال ويلتقيان كذلك ليس فى الفهم الخاطئ لمفهوم المسرح الجماهيري وإنما في الرؤية الفكرية كل من موقعه إلى ماهية المسرح ودوره وموقعه في المجتمع وإلى ماهية الجماهير/ المواطنين/ المتفرجين ودورهم وموقعه في المجتمع، تلك الرؤية الفكرية التي أوضحنا تماهيها مع رؤية السلطة والثقافة السائدة التي إلى أن يتدهور كل شيء (الخدمات/ الصحة/ التعليم... إلخ. وبالطبع المسرح).

بيد أن للناقدة المسرحية ميسون عبد الحميد مقاربة أخرى لهذه الأزمة، فقد قالت لـ«المجلة» إن علاقة المسرح بالجمهور، مشكلة جوهرية للنشاط المسرحي في السودان، فالجمهور هو الشرط الأساسي والمميز للعمل المسرحي بين كل الفنون الأخرى، وهو بالتالي فن يرتبط بحرية التعبير والحقوق الأساسية للمواطن.

وتعتقد أن أبرز قضايا مسرح ما بعد الحداثة، الذي هو في الأصل فن يعتمد على التجريب، قضية تراجع جماهيرية العمل المسرحي، وترى عبد الحميد في هذا الصدد أن تناول مشكلات الجماعات المسرحية في السودان من زاوية علاقة التجريب بالجمهور هي المدخل المناسب الذي تعتبر مقاربات ما بعد الحداثة قد حققت فيه تقدماً كبيراً. ومن هذا المسار المنهجي يطرح السؤال الأساسي وهو: لماذا لم يتمكن العدد الأكبر من الجماعات المسرحية المستقلة في السودان من الاستمرار، وخلق جمهور له ثقافة وذائقة مسرحية متطورة؟

وتشير إلى أن الإجابة على السؤال تفترض أن الفرق والجماعات المسرحية المستقلة هي تجارب مسرحية ما بعد حداثية فتحاول أن تفهم، من منظور مقارن، التحول من مسرح الحداثة إلى مسرح ما بعد الحداثة الذي تم في السودان في النصف الثاني من القرن العشرين على ضوء التحولات الفكرية والثقافية التي شهدتها البلاد.