تمويل الملكية الجماعية: ثورة صناعة الاستثمار في السعودية

اللاعب الأقوى على الساحة بترخيص من هيئة السوق المالية
موظفة سعودية في هايبر ماركت يديره فريق من النساء، في مدينة جدة (أ.ف.ب)

جدة: على مدار عقود طويلة، كان تمويل المشاريع الفردية والصغيرة السعودية- ولا يزال في جزء  معتبر منه- يقوم على جمع مبالغ أو قروض من أفراد العائلة والأصدقاء، تضاف إلى ما جمعه صاحب فكرة المشروع؛ لينطلق إلى حيز الوجود. وقد يصبح الممولون من الأقارب شركاء أو مجرد مقرضين على أساس الثقة أو كتابة الدين بحضور شهود؛ على أن يتم الوفاء به من الأرباح المرتقبة بعد النجاح.

هناك المحظوظون والمجتهدون والأذكياء وصائدو الفرص، ممن ينطلقون في عالم الأعمال، ويؤسسون من متجر أو مطعم أو مزرعة أو معمل صغير كيانات أكبر حجمًا؛ ليعرفوا سر المال وينضموا إلى عالم أصحاب الملايين. وكما يقول بعض الأثرياء إنهم امتلكوا سر المال بعد جني المليون الأول!

من جانب آخر، هناك من يسقطون بسبب سوء التخطيط أو حصول أحداث مفاجئة، تعطل مسيرة الأعمال أو مطالبة أحد المقرضين بكامل الدين فجأة، فيغلقون الأعمال، ويعودون إلى وظائفهم أو يجربون من جديد أو ينتهي بهم المطاف في السجن، لا قدر الله.  

مجلس الوزراء السعودي يوافق على مذكرة تفاهم مع ألمانيا في مجال الهيدروجين

مع مرور الوقت وتطور التشريعات وأساليب تمويل المشاريع الفردية والصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال في السعودية، صار التمويل يمر عبر مؤسسات التمويل الخاصة كمؤسسات التسهيلات الائتمانية والبنوك التقليدية والمصارف الإسلامية أو بعض الصناديق والمؤسسات التمويلية المتخصصة.

لكن لاعبًا ثوريًا جديدًا ظهر في سوق تمويل الأفكار الاستثمارية ذات الجدوى المدروسة والشركات والمشاريع الصغيرة والمتوسطة من خارج السياقات المعتادة، أي دون تمويلات أو قروض عائلية ودون اللجوء للقروض المصرفية الخاصة أو الحكومية. فمن هو هذا اللاعب الجديد الذي بدأ في الظهور عام 2018 ويحمل موثوقية الترخيص من هيئة السوق المالية؟ وما آلية العمل؟ وما طبيعة المشاريع التي يمولها؟

إنه ببساطة تمويل الملكية الجماعية أو التمويل الجماعي الاستثماري (crowdfunding).

 

حجاج يتجولون في برج ساعة مكة الملكي في مدينة مكة المكرمة يوم 20 يوليو 2021 (أ.ف.ب)

 

 

* أسهل تعريف لتمويل الملكية الجماعية هو قيام رائد أعمال بجمع تمويل من أكبر عدد ممكن من الأفراد لأغراض التوسع عبر بيع حصص ملكية أو حقوق ملكية أو أسهم، يمكن للمستثمر بيعها لاحقاً

 

استثمار فردي بحصص ملكية

لعل أسهل تعريف لتمويل الملكية الجماعية هو قيام رائد أعمال أو شركة ناشئة أو صغيرة بجمع تمويل من أكبر عدد ممكن من الأفراد لأغراض التوسع عبر بيع حصص ملكية أو حقوق ملكية أو أسهم، يمكن للمستثمر بيعها لاحقاً عند إدراج الشركة في سوق الأسهم الأساسية أو الثانوية أو الاستحواذ عليها من شركة أخرى بعد نضوج أعمالها.

ويقدم تمويل الملكية الجماعية فرصاً استثمارية للأفراد الذين يرغبون في الدخول في مخاطرة استثمارية معززة بدراسة الجدوى والتأكد من صحة القوائم المالية للشركات الناشئة أو تلك الراغبة في التوسع والساعية لجمع المزيد من الأموال لتمويل خططها التوسعية.

أما عرض الفرص الاستثمارية، فيتم عبر منصات متخصصة مرخصة من هيئة سوق المال، علمًا بأنه يمكن لأي فرد راغب في الاستثمار أن يدفع مبلغًا لا يتجاوز 1000 ريال سعودي (266 دولارًا) لامتلاك سهم أو حصة ملكية.

أما إشراف هيئة سوق المال السعودية على منصات التمويل الجماعي، فهو ليس من قبيل ضمان توليد الأرباح أو عدم حصول مخاطر استثمارية، بل إن الأمر يقتصر على التأكد من أن منصات التمويل الجماعي لن تروج لأي مشروع إلا ضمن ضوابط محددة وشرح وافٍ لطبيعة الفرصة الاستثمارية المطروحة مع ترك قرار الفرد في المضي بالاستثمار من عدمه له وحده.  

 

التقنية المالية وآلية الإدراج

توجد في المملكة 8 شركات مرخصة للعمل كمنصات لتمويل الملكية الجماعية، منها ما هو نشيط ويعمل على إدراج الشركات بوتيرة منتظمة، ومنها ما لم يقم بأي عملية تمويل للملكية الجماعية، ومنها ما قام بعمليتي إدراج أو ثلاث. وقد منحت هيئة سوق المال السعودية أول ترخيصين لشركات تمويل الملكية الجماعية في يوليو (تموز) 2018، ثم تبعها 4 تراخيص عام 2019، وجرى ترخيص شركتين أخريين عام 2020، فيما لم تصدر الهيئة أية تراخيص العام الجاري حتى الآن.

وتندرج تلك الشركات تحت اسم شركات التقنية المالية (Financial Technology) المعروفة اختصارًا بالفنتك (FinTech). وتقوم التقنية المالية على دمج التقنية في تقديم الخدمات المالية مثلما هو حاصل في المحافظ الإلكترونية (E-wallets) والبنوك الرقمية والتطبيقات البنكية وتطبيقات تحويل الأموال وغيرها.

أما بالنسبة لآلية الإدراج، فهي تقوم على اتفاق الشركات الناشئة وتلك الراغبة في التوسع مع منصات تمويل الملكية الجمعية مع تحديد المبلغ المطلوب جمعه، فتتأكد المنصة من صحة التراخيص والقوائم المالية ومعقولية المبلغ المطلوب جمعه. وبعد نيل ترخيص الإدراج، تعرض المنصة جميع تفاصيل الشركة المدرجة عبر موقعها الإلكتروني والأفراد القائمين عليها وسيرتهم الذاتية المختصرة مع تحديد الهدف من الإدراج والحد الأدنى للمساهمة أي ثمن حصة أو حق الملكية أو السهم؛ على أن يتم تحديد مدة معينة لجمع التمويل (الفترة ليست مفتوحة) وإظهار عداد يعمل بالوقت الحقيقي (real time) للمبالغ التي تم جمعها بكل شفافية. وقد تتيح المنصات الاستثمار للشركات.

وعند رغبة أي شخص في المساهمة، فكل ما عليه هو التسجيل الإلكتروني في المنصة وإقرار إخلاء المسؤولية (لا المنصة ولا هيئة سوق المال تضمنان الأرباح)، ثم الاطلاع على تفاصيل الشركة وشراء الحصة عند الرغبة.

 

صور لعمال على متن خط المترو في الرياض (أ.ف.ب)

 

* تمويل الملكية الجماعية يتغلب على العوائق البيروقراطية للتمويل من البنوك والمصارف ومؤسسات التمويل الخاصة والحكومية

السعودية تعيد فتح أراضيها أمام السياح الملقحين بالكامل اعتبارا من 1 أغسطس

مجالات الاستثمار

اطلعت «المجلة» على مجالات الاستثمار المتاحة، وكانت متنوعة بين الصناعة والموسيقى والسياحة وتعليم اللغات عبر التطبيقات والتموين والإطعام والغذاء وخدمات التوصيل عبر التطبيقات ووساطة التأمين، وغيرها. وتضمنت ملفات بعض الشركات المدرجة مقاطع فيديو تعريفية بالشركة وشروحاً لاستراتيجيتها وخططها الآنية والمستقبلية.

ويقول الخبير المالي محمد إبراهيم إن الاستثمار في تمويل الملكية الجماعية يحتاج إلى نفس طويل وقدرة على تجميد المبالغ الاستثمارية لفترة تتراوح بين 3-5 سنوات، وهي الفترة التي يمكن للشركة الناشئة أن تزيد فيها من قيمتها السوقية وتسريع وتيرة أعمالها وانتشارها وانتظار إدراجها في سوق المال الرئيسي أو الثانوي أو الاستحواذ عليها بمبلغ أكبر، وهنا تتحقق الأرباح.

ويضيف أن ذلك النوع من الاستثمار يحتاج إلى قلوب قوية، لا تهاب الخسارة وتتفاءل بالربح، فرواد الأعمال- بشكل عام- أكثر اجتهادًا وسعيًا وعملًا من أجل النجاح، ولن يطلب معظمهم تمويلًا جماعيًا إلا بسبب إيمانهم بقدرتهم على التوسع وإحراز النجاح، موضحًا أن القاعدة الذهبية تكمن في عدم وضع بيض المستثمر كله في سلة واحدة، بل توزيع الاستثمارات على أكثر من شركة.

واختتم بالقول إن تمويل الملكية الجماعية يتغلب على العوائق البيروقراطية للتمويل من البنوك والمصارف ومؤسسات التمويل الخاصة والحكومية. إنها من الناس للناس، ولكنها لا تزال ضمن اقتصاد السوق والمبادرة الفردية، وليست شكلًا من أشكال الاشتراكية!

وإذا كان العرب يعتبرون في موروثهم الشعبي أن الموت مع الجماعة رحمة، فقد يكون الاستثمار مع الجماعة أرحم وأكثر فائدة!

محمد بن سلمان: دور ريادي للسعودية في دفع عجلة التنمية بأفريقيا

 


مقالات ذات صلة