الأحواز تشتعل بـ«انتفاضة العطش»... والشعب الإيراني يستجيب

الهتافات استهدفت نظام الملالي مباشرة... ولا مَطالب سوى الرحيل
متظاهرون يحتجون على ارتفاع أسعار الغاز، في طهران 2019. ( رويترز)

طهران: نزل المواطنون العرب في خوزستان، وتحديداً في الأحواز ومدن أخرى في المحافظة، إلى الشوارع احتجاجاً على نقص المياه، ليلة 14 يوليو (تموز)، في انتفاضة حملت اسم انتفاضة العطشى، وسرعان ما امتدت التظاهرات إلى مدن أخرى من المحافظة، هتف الموطنون فيها شعارات مثل «الموت للديكتاتور»، و«اخجل يا خامنئي، وارحل»، وشعارات أخرى ضد دعم النظام الإيراني للقوات التي تعمل بالوكالة في جميع أنحاء المنطقة.

وفي الأيام التالية، تظاهر مواطنون في مدن إيرانية أخرى دعما لأبناء وطنهم العرب، وشهد وسط طهران، عاصمة إيران، مسيرة شبابية واسعة النطاق منتصف نهار 26 يوليو الماضي، مرددين هتافات «الموت للديكتاتور». وفي اليوم السابق، وقفت مدينة تبريز، عاصمة محافظة أذربيجان، دعما لأهالي خوزستان. وكانت لوحدات المقاومة التابعة لمجاهدي خلق دور نشط في تنظيم مظاهرات واحتجاجات دعما لأهالي خوزستان.

 

مؤيدو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يحتجون أمام السفارة الإيرانية في برلين للمطالبة بمقاطعة الانتخابات في إيران (غيتي)

 

 

لكن ما سبب احتجاجات المواطنين العرب في خوزستان؟

كتبت صحيفة «مستقل» الرسمية، الأحد أول أغسطس (آب)، في إشارة إلى دور الحرس الثوري ومقر خاتم الأنبياء التابع لقوات الحرس في نهب موارد المياه في البلاد، وأكدت أن الحرس الثوري هو سبب كارثة المياه في خوزستان.

وقالت: «أظهرت كارثة المياه في خوزستان أنه كما أن انخراط العسكر في السياسة ينتهك الحقوق الأساسية للأمة، فإن تدخل الجيش في السيطرة على هيكل الأنشطة المدنية والإنمائية للبلاد يؤدي إلى إهدار كارثي للموارد».

وكتب موقع «انتخاب» على الإنترنت في 24 يوليو؛ نقلا عن أحمد رضا لاهيجان زاده، نائب مدير البيئة البحرية بوكالة حماية البيئة: «الدراسات كانت مفصلة للغاية من قبل شركة آينتكس اليابانية، وكان يجب إجراء جميع المرافق في الماء. حدث شيء واحد في الثمانينات، عندما تم حظر عمل جميع شركات النفط والشركات اليابانية ودخلت الشركات الصينية. يعود هذا الحادث المؤسف إلى الترخيص الممنوح عام 2010 بأنهم يعملون في بيئة غير مائية».

وشدد لاهيجان زاده على أن «تعرض هور العظيم للجفاف لصالح شركة النفط الصينية جاء بإذن من مجلس أمني رفيع المستوى، وقامت الحكومة الإيرانية بتجفيف هور العظيم لحفر آبار النفط، كما حولت مسارات الأنهار لإفساح المجال لصناعة الصلب وسط البلاد، وقام الحرس ببناء العديد من السدود على الأنهار في جميع أنحاء البلاد، وخاصة في محافظتي أصفهان وخوزستان، ونقل المياه من أنهار هذه المحافظات إلى مشاريع المياه مثل مصانع الصلب والبتروكيماويات في وسط البلاد، ومن هذه السدود سد كتوند الذي تم تسليم مشروعه لشركة سيباساد التابعة لمقر خاتم الأنبياء للحرس الثوري بقيمة 2000 مليار تومان».

فجوة بين طموحات المعارضة الإيرانية والاستراتيجية الأميركية

سد كتوند ومياه كارون

ملوحة مياه كارون دمرت معظم الزراعة والحياة للمواطنين العرب في خوزستان، وتسببت بنفوق الجواميس التي تعتبر مصدر رزق لكثير منهم وبجفاف هور العظيم، كل ذلك أدى إلى نقص حاد في المياه، ناهيك عن انقطاع الكهرباء ومشاكل مدنية أخرى جعلت حياة المواطنين جحيما، خاصة في محافظة هي الأغنى في البلاد من حيث الماء والنفط.

كل هذه المشكلات دفعت المواطنين العرب في خوزستان إلى الخروج في احتجاجات عارمة، لكن النظام رد بالتجاهل، وبإنكار الحقائق، وتعمدت صحف النظام وإعلامه في البداية الصمت تجاه المظاهرات لكنها أجبرت على الاعتراف بها بعد ما استمرت المظاهرات الليلية والمواجهات في ليال أخرى وانتقلت شعلتها إلى مدن أخرى، خاصة عندما انضم المواطنون الآخرون في محافظات أخرى إلى الاحتجاج ورفعوا أصواتهم في محافظات أصفهان ولرستان وأذربيجان وخراسان رضوي وطهران وألبرز وغيرها تضامنا مع المواطنين العرب المحتجين في انتفاضة العطشى.

وقد أخذت هذه الاحتجاجات صداها خارج إيران ونددت المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان، مثل: العفو الدولية، وهيومان رايتس ووتش، بتعامل النظام مع المحتجين وقتل المتظاهرين.

 

* الحكومة الإيرانية جففت هور العظيم لحفر آبار النفط، وحولت مسارات الأنهار لصالح صناعة الصلب، وبنت العديد من السدود على الأنهار في جميع أنحاء البلاد

 

وكتبت صحيفة  «هيل» للكونغرس الأميركي 31 يوليو: «جذبت الاحتجاجات المتزايدة في إيران الاهتمام الدولي بسبب نقص المياه والكهرباء»، كما قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكين في حديث تلفزيوني إن الاحتجاجات وصلت الآن إلى طهران، واصفا إياها بـ«خيبة أمل الشعب العميقة من فشل الحكومة في تلبية احتياجاتها الأساسية». وقال: «بالطبع نتمنى أن نسمع أصوات الشعب الإيراني والوقوف إلى جانبهم ونحث النظام على عدم استخدام العنف والقمع لإسكات هذه الأصوات».

أبعاد الوجود العسكري الروسي في سوريا

وفي المقابل، شن النظام الإيراني حملة شيطانية وكذب في الفضاء العربي والإيراني بغرض تمهيد الطريق لقتل المزيد من الشباب العربي في خوزستان، وتقوم هذه الحملة الشيطانية على ركيزتين: الأولى، اتهام انتفاضة المواطنين العرب بأنها عملية انفصالية في خوزستان من أجل قطع دعم سكان المدن الإيرانية الأخرى عن المواطنين في خوزستان.

الركيزة الثانية هي دعاياته ضد منظمة مجاهدي خلق الإيرانية لأنها تعلم أن مجاهدي خلق هم القوة المنظمة الوحيدة على مستوى البلاد القادرة على التشجيع في المدن الإيرانية الأخرى لدعم خوزستان وهذا ما قامت به فعلا وحدات المقاومة التابعة للمنظمة خلال الأسابيع الماضية.

نقطة أخرى مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار هي أن الانتفاضات في الأحواز، وخوزستان، وأذربيجان، وكردستان، وبلوشستان، وفارس.. إلخ، كلها لها هدف واحد، وهو التخلص من نظام الملالي الإجرامي والإطاحة به، لا الاستقلال أو تحقيق المطالب المحدودة لقومية معينة، لأن الطريقة الوحيدة لتحرير جميع القوميات الإيرانية من الفرس والعرب والأكراد والبلوش والتركمان والأذريين، وغيرها من القوميات، هي الإطاحة بنظام الملالي، كما أن الطريقة الوحيدة لتخلص دول المنطقة من جرائم النظام وشروره هي إسقاطه، لذلك يجب عدم الوقوع في فخ دعاية النظام او إثارة قضايا مثيرة للجدل حول كلمة الأحواز أو الأهواز أو انفصال الأحواز، لأنها لا تخدم إلا النظام والمطلب الأساسي لجميع القوميات الايرانية وكافة شعوب المنطقة هو إسقاط نظام الملالي.

الاحتجاجات الإيرانية العام الماضي، والتي قوبلت بالعنف من جانب قوات الأمن الإيرانية (غيتي)

 

* أقل من 50 في المائة من المصانع والمنشآت تنتج حاليا أو أن إنتاجها مقبول، وجيش العاطلين عن العمل ينمو يوما بعد يوم

إسرائيل قلقة من أي اتفاق مع إيران لكنها متفائلة بسياسة بايدن

نظام الملالي مُضطهِد بالجملة

إن نظام الملالي يقمع جميع القوميات في البلاد سواء الفرس والعرب والأكراد والأتراك والبلوش وغيرهم، والشيعة والسنة، والشيء الوحيد الذي يهمه هو الحفاظ على سلطته وثروة خامنئي والعصابات التابعة له، لذلك لا ينبغي الاعتقاد بأن هذا النظام يضطهد عرب خوزستان وقوميات أخرى لدعم الفرس، أو أنه يعدم السنة لدعم الشيعة، ليس كذلك، فقد أعدم النظام المزيد من الفرس والشيعة.

الواقع أن الشارع الإيراني المحتقن يعيش حالة ثورية ويثور مع كل مشكلة، فتارة يخرج المواطنون إلى الشوارع لنقص المياه في مدن خوزستان وتارة بسبب انقطاع الكهرباء كما حصل في طهران وتارة أخرى بسبب مباراة كرة قدم، وقبل أيام كان ارتفاع الأسعار سببا للمظاهرات في تبريز.

النتيجة القطعية لهذا الوضع هي الظروف الثورية الأكثر حدة في المجتمع الإيراني. مجتمع سئم 42 عامًا من ديكتاتورية الملالي ومشبع بالحالة الثورية، لم يعد من الممكن التنكيل به بالقمع والترويع أو التذرع بفيروس كورونا. هذا المجتمع مشبع بالغضب لدرجة أن أي عامل يمكن أن يكون شرارة لغضب جديد، وهذا الوضع يبرر حقيقة أن القضايا المختلفة التي تخلق أقل فرصة للاحتجاج تتحول فورًا إلى انتفاضة اجتماعية بشعارات داعية لإسقاط النظام وحسب وصف موقع «إنصاف نيوز»، يوم 31 يوليو الماضي: «الشعارات غير مطلبية، بل تستهدف النظام برمته». وأضاف: «نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 كان نقطة تحول أخرى في وجود الشارع غير السياسي. وإذا تكرر، فإنه ينتج عنه مرات عنف أكثر من قبل الناس».

الموقع نفسه كتب في الأول من أغسطس نقلا عن مسؤول حكومي بعد مباراة كرة القدم وانتفاضات ديسمبر (كانون الأول) 2017 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وكتب بخوف عن وصول إبراهيم رئيسي إلى السلطة وخطر الانتفاضة: «رئيسي أمامه عمل شاق. إذا كانت الحكومة مليئة بالأشخاص الذين يفكرون في إغلاق البلاد وقطع الإنترنت، فمن المحتمل أن يحمل هذا الشتاء أكبر أعمال الشغب في البلاد، حيث سيكون الإحباط في وقت مبكر من عام 2017».

 

* عائدات النفط لم تُنفَق أبدًا على رفاهية الشعب، بل لطالما تم إنفاقها على المؤسسات القمعية والقوات التي تعمل بالوكالة عن النظام في المنطقة

 

رئيسي... الورقة الأخيرة لخامنئي

أمام رئيسي مشاكل اقتصادية لم يتم حلها، مما يضع الناس حاليًا في موقف صعب، وهي الأزمة الأكثر تعقيدًا التي تواجه حكومة إبراهيم رئيسي وتتمثل بإفلاس المؤسسات الصناعية والمصانع، كما أن أقل من 50 في المائة من المصانع والمنشآت تنتج حاليا أو أن إنتاجها مقبول، وجيش العاطلين عن العمل ينمو يوما بعد يوم، والتضخم يرتفع بشكل صاروخي، وفي ظل هذه الظروف، وصل إبراهيم رئيسي إلى السلطة.

بناء على كلام رئيسي، وقاليباف رئيس مجلس شورى النظام، خلال حفل التنصيب في البرلمان، فإن النظام ليس لديه في الوقت الحالي ما ينفقه على الشعب، لكن دعونا نفترض أنه قد يتم رفع بعض العقوبات. وقد يباع بعض النفط. فهل سيتم فتح طريق في هذه الحالة؟

أوضحت تجربة السنوات السابقة والحكومات السابقة أن عائدات النفط لم تُنفَق أبدًا على رفاهية الشعب، بل تم إنفاقها بشكل أساسي على المؤسسات القمعية والنهب مثل الحرس والقوات التي تعمل بالوكالة عن النظام في المنطقة و الفساد الحكومي.

والأهم من كل شيء هو سياسة الابتزاز القائمة على الإرهاب والترويع في المنطقة والعالم والتي ينتهجها النظام في تعامله مع العالم، وهي سياسة تنذر بالتشدد بعد مجيء رئيسي الذي يعتبر الورقة الأخيرة لخامنئي في تعامله مع الأطراف المفاوضة، لكنها ورقة محروقة.

الشعب الإيراني الصامد قال كلمته من خلال «لا» كبيرة في مقاطعة انتخابات النظام، وبما أن سارقي الحكم لن يرحلوا من تلقاء أنفسهم، فإن الشعب الإيراني قرّر التحرّك لتحقيق هدفه.

دول الخليج العربية والبرنامج النووي الإيراني: المخاوف مشروعة

* عضو المجلس الوطني‌ للمقاومة الإيرانیة

 

 

 


مقالات ذات صلة