لبنان في انتظار الخارج

إن معظم المشاكل الكبيرة والأزمات الخطيرة التي تعرّض لها لبنان جاء حلّها مفروضا من خلال تدخل الخارج من دول و قوى اقليمية لها علاقة بالواقع اللبناني التي تستعمل ساحته في صراعاتها المستترة فيما بينها. اما سمة العنف كانت دائما حاضرة عند اي مواجهة قبائلية لبنانية.

من مجازر 1840 ثم حروب 1860 عندما كان ما يزال لبنان جبلا وفرض عليه نظام القائمقاميتين ولاحقا المتصرفية من قبل القوى الإقليمية التي كانت تناقش «الرجل المريض» إلى اتفاق الطائف وإهداء لبنان لسوريا الأسد ثمنا لمشاركته في عاصفة الصحراء بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت من غزوة صدام حسين، هناك تاريخ من الوصايات على البلد وشعوبه تجعل الكلام عن سيادته واستقلاله أمرا مضحكا أحيانا.

قبل أيام تمنى الرئيس الفرنسي ماكرون على الرئيس الإيراني التعاون من أجل حل مشاكل لبنان وتأمين استقراره. لم يستغرب أحد في الداخل  قط هذا التصريح، لا من سياسيين ولا من محللين لأنهم على حد سواء مقتنعون بأن الحل للمعضلة اللبنانية سيأتي يوما ما من الخارج. حتى بطريرك الموارنة وبعض القوى السياسية التي تدور في فلكه تدعو إلى مؤتمر دولي، ساعة من أجل إعلان حياد لبنان، وساعة أخرى من أجل تطبيق الدستور، ودائما من أجل نزع سلاح الميليشيات، لا سيما حزب الله.

على ماذا تنطوي تلك المطالبات أو على ماذا تدلّ؟

هي إن دلت على شيء إنما على عجز اللبنانيين عن اجتراح حلول لمعضلاتهم الشتى، وذلك على مدى تاريخ إعلان دولة لبنان الكبير، وقبلا فشل اللبنانيين في تنظيم حياتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية يعود أصلا إلى فشل نظامهم القبلي. ظن البعض وفي مقدمهم ميشال شيحا أبو الدستور اللبناني أن التوازنات الطائفية  كفيلة بجعل اللبنانيين يلجأون إلى «تفاهمات» تقيهم الصدام فيما بينهم وتجبرهم على اقتراح حلول ترضي الجميع.

المشكلة في تلك النظرية أنها لم تصمد يوما أمام العواصف التي هبّت على لبنان ولم تبرهن جدواها منذ أن كان مواثيق قبلية تنظم الحياة السياسية فيه. وليست الحرب الأهلية إلا دليل على فشل نظرية التوازنات الطائفية والتي للأسف ما زال يتكلم عنها بعض المحللين السذج على أساس أنه الإكسير العجائبي الذي يستطيع كبح جماح حزب الله. مع هذا كله هذا لا يمنعهم من طلب العون من الخارج للتغلب على حزب الله.

لمطالبات البعض بتدويل القضية اللبنانية وجه آخر أيضا، وهو اقتناع اللبنانيين بأن مشكلة حزب الله تفوق قدراتهم على حلهّا. أي إن موضوع ترسانة الحزب وقضية حماية لبنان من إسرائيل وتحرير القدس والدخول في الحرب السورية واليمنية ومهاجمة دول الخليج- هذا في الشق الخارجي- وتأليف الحكومات وانتخاب الرؤساء والسيطرة على المرافئ وبعض أجهزة الأمن- هذا بعض ما يمارسه الحزب في الشق الداخلي- أصبح بمكان لا يستطيع البطريرك أو غيره مواجهته إلا بمساعدة دولية بغض النظر إن كانت تلك المساعدة متاحة أو حتى يرغب الغرب في إسدائها للبنان.

هذا الضعف لم يدفع البطرك تحديدا كما سائر المتعاطين بالشأن العام إلى أن يتساءلوا مثلا: كيف أصبح حزب الله بهذه السطوة وكيف تحوّل إلى مشكلة إقليمية لا بل دولية؟ لم يتساءل الداعون للتدويل عن مكامن الأخطاء في النظام السياسي التي تحوّل لبنان لساحة صراعات كل 15 سنة؟

حسنا، حزب الله صار أكبر من لبنان، بل يمكن القول إنه ابتلع لبنان بشكل تدريجي. حزب الله يلعب في ملعب الموساد و«إف بي آي»، وهو متواجد في أوروبا والأميركتين، وله خلايا نائمة فيهما، يمتلك معامل لتصنيع الصواريخ الدقيقة وترسانة أسلحة تخشاها إسرائيل ومقاتلون متمرسون في قتال الشوارع كما الحروب العسكرية (التجربة السورية) وفوق هذا كله هو حزب مدعوم بشكل جدي وعقائدي من دولة إقليمية. بالرغم من كل الكلام حول إفلاسه ومروره بأزمات اقتصادية وبالرغم من الوضع الاقتصادي العام الذي تتأثر به بيئته كما باقي اللبنانيين ما زال هذا الحزب قادرا على خدمة أبناء الطائفة من خلال مساعدات عينية ومالية في بعض الأحوال.

الحلّ؟

في الأفق القريب، ولنكن صريحين، ليس هناك أي أفق لحل تلك المعضلة إلا إذا انهار النظام الإيراني الذي تستعد الولايات المتحدة لتعويمه من خلال إحياء اتفاقية النووي أو التوجه نحو تفاهمات أخرى ترفع العقوبات عنه. لأن حربا إسرائيلية أو أميركية هي مستبعدة اليوم وأصلا غير مضمونة النتائج في موضوع القضاء على حزب الله. هذا فيما يتعلق بالخارج الذي أصبح متفهما وقابلا لسيطرة حزب الله أي إيران على لبنان.

ماذا عن لبنان؟

الانكباب على دراسة العوامل التي أنتجت حزب الله وقبله السلاح الفلسطيني، وكل النتائج التي ترتبت على البلد جراء تلك العوامل من أجل أن لا تتكرر. وهذا يتطلب نقاشا هادئا وعاقلا في أسس النظام الطائفي اللبناني أحد المسببات الرئيسية للأزمات اللبنانية. ثم طرح دستور جديد يقوم على المواطنة بحيث يوم يأتي التغيير، من الخارج طبعا، يواكبه الداخل بشكل يوحي بأنه تعلم من أخطاء الماضي ولا يريد تكرارها. هذا أقصى ما هو متاح في الداخل، أما الكلام عن حرب أهلية فهو مجرد وهم؛ إذ إنه ليس هناك استعداد لها أو حتى إرادة شعبية تدفع باتجاهها.

كل شيء آخر لا يعدو كونه شعارات وحفلات زجل.

 

* كاتب ومحلل سياسي وباحث أكاديمي لبناني