الصفويون الجدد

بقدوم إسماعيل الصفوى من الأناضول واحتلاله لتبريز 907 هـ/1502م، وإعلان نفسه شاهاً وإصداره الأمر الملكي الأول بالمناداة في الأذان «أشهد أن عليا ولي الله» تم تدشين المذهب الإمامي دينا رسميا للدولة الإيرانية في انتهازية سياسية فجة ساهمت في توطيد دعائم حكم الدولة الصفوية. رغم أن إسماعيل الصفوي لم يعرف عنه التشيع من قبل، فكانت الطريقة السنية الصوفية الصفوية هي ميراثه من أجداده وعلى رأسهم الجنيد وابنه حيدر الذي تم تأليهه عندما كانت الأناضول تربة خاصة لجميع الملل والنحل.

وعندما غزا إسماعيل الصفوي إيران بدأ بتبريز لوجود تصوف شيعي الهوى متطرف ولكنه ليس بالأغلبية، ولكنه مال إليهم لكفاءتهم في بث الدعوة وهو ما سيساعده على بناء دولته. فـ«وافق شن طبقة»، وبدأ مرحلة جديدة وهي تحول إيران من المذهب السني إلى المذهب الشيعي.

صحيح أن إرهاصات الفكر الشيعى ظهرت علي يد الخماسي الألمعي محمد الكليتي (توفي 329هـ) ومحمد القمى ابن بابوبه (توفي 381هـ)، ومحمد الطوسي المعروف بشيخ الطائفة (توفي 460هـ)، والشيخ المفيد (توفي 413هـ)، والشريف الرضي علم الهدى (توفي 346هـ). وليس من العجب أن ثلاثة منهم أصلهم فارسي، وهذا بيت القصيد. بالإضافة لوجود علماء من الشيعة مثل الشوبتري الذي اتخد أشعار مولانا جلال الدين الرومي إثباتا لإمامية إيران، ومع ذلك عندما دخل إسماعيل الصفوي تبريز لم يستطع إلا بشق الأنفس العثور على مخطوطة إمامية واحدة وهو ما يثبت سنية إيران قبل غلبة الصفويين بالقوة القاهرة، وهو ما فشل فيه ابن المظهر (العلامة الحلي) لاعتماده على الدعوة فقط في نشر الإمامية إبان الحقبة المغولية التي تبنت التسامح الديني.

ومن الحقائق الغريبة أن مؤسس هذه الطريقة الصوفية الشيخ صفي الدين، كان لا يحيد عن الشريعة قيد أنملة. وعندما أسس طريقته 735هـ كان كل أتباعه من الشافعية والحنفية وكان معاصراً لابن تيمية، المعارض اللدود للنهج الصوفي، وكان تصوفه من التصوف الراقي، لكن أحفاده بدأوا الانحراف والغلو للوصول للسلطة تماما مثلما فعل الشاه إسماعيل الصفوي عندما تبنى مذهب الإمامية الأرثوذكسي للمحافظة على السلطة.

ومما تقدم يتضح أن تشيع إيران تشيع سياسي، عكس تشيع العرب، فهو تشيع عقائدي. وكما أن هناك شخصيات قلقة في الإسلام مثل ابن الرواندي، هناك دول إسلامية قلقة وعلى رأسها إيران، وهو ما يفسر سلوكها العدواني ضد جيرانها في المحيط السني. طبقاً لسلوك معظم الأقليات، فهم يغالون في كل شيء لإثبات وجودهم مع وجود أمراض الشعوبية الفارسية التي لم تغفر للمسلمين فتح فارس، وما زالت تجتر أمجادها الغابرة. ولكن باستخدام المذهب ومحاولة تصدير هذا الفكر مغلفا بالثورة الإسلامية التي فشلت حتى الآن في خلق الصورة التي يستطيعون بها تسويق مذهبهم، تارة باستخدام القوة الناعمة وتارة بإنشاء وكلاء محليين في الدول العربية لتحارب نيابة عن إيران الدول العربية ذات المذهب السني مستخدمين قوة الأقليات لبث الرعب بين أوصال الدولة الإسلامية. وكأن التاريخ أعاد طائفة الحشاشين للحياة، وأصبح قائد الحرس الثوري هو حسن الصباح منشئ الحشاشين في قلعة الموت، وأصبح العالم الإسلامي أضحوكة الدنيا، وكأننا لم نتعلم من ملوك الطوائف الأندلسية ولا من حروب الفتنة الكبرى. ففي كل بلد وجد فيه نفوذ إيراني تجد حالة من الاستقطاب وإنكار الآخر وآيديولوجيات دينية بهدف السياسة والحكم. حدث هذا في العراق وسوريا واليمن، وما لبنان منا ببعيد، فيما يشبه شكل الهلال الذي أصبح شيعيا وبامتياز، وفي محاولة لحصار الجزيرة العربية وتقطيع أوصال العالم السني بإضعافه وهوما لن يفيد أحدا حتى إيران، ولكنه قصر النظر السياسي تحت تأثير الشعوبية وللأسف فشلت إيران في الإجابة عن السهل الممتنع.

هل ضعف السنة ينتج عنه شيعة قوية؟ بالطبع لا. لأننا كلنا في الهم مسلمون. ومهما حاول النظام الإيراني ادعاء العداء النظري لإسرائيل لكن يظل العداء الفعلي هو للدول السنية، فالمسيّرات الطائرة الحوثية والحرص عل امتلاك قوة نووية، خير دليل على ذلك، حتى أسماء وكلائهم تنم عن العداء، فإذا كان الحوثيون (أنصار الله) وحزب جنوب لبنان (حزب الله)، فماذا نكون نحن غالبية المسلمين؟ فلا عجب أن إيران لم ولن تستطيع تصدير ثورتها، لسبب بسيط هو أنها ثورة من أجل الديمقراطية وضد الأوتوقراطية تقودها الثيوقراطية. فأي نخبة سياسية ترضى بأن يقودها أعمى حتى لو ادعى أنه يحمل شجونا فلسطينية؟ لأن الطريق إلى فلسطين مفتوح تماما أمام القوات الإيرانية مروراً بالعراق وسوريا والضاحية الجنوبية في لبنان ولكن إيران لم تفعل أي شيء غير تهديد جيرانها منذ بداية حكم الصفويين الجدد.

 * كاتب وباحث مصري في تاريخ الأديان وفلسفة المذاهب.