عودة طالبان... نحو شراكة دولية وإقليمية أم فوضى قاتلة؟

مستقبل «قاتم» ينتظر أفغانستان
جندي أميركي في مطار كابل يمنع دخول المواطنين الأفغان (أ.ف.ب)
مقاتل من طالبان في أفغانستان في 14 أغسطس 2021 (رويترز)
مواطنون أفغان يهرعون إلى المطار في كابل، 16 أغسطس 2021 (وكالة الأناضول)
مواطنون ينتظرون العبور إلى أفغانستان، عند نقطة عبور في بلدة شامان الحدودية الباكستانية الأفغانية، باكستان، 13 أغسطس 2021
مقاتلو طالبان يحضرون تجمعا للاحتفال بالاتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان في مارس 2020
جندي أفغاني يقف في مركبة عسكرية في أحد شوارع كابل، أفغانستان، 15 أغسطس، 2021 (رويترز)
الرئيس الأفغاني أشرف غني، ووزير الدفاع بالإنابة بسم الله خان محمدي، يزوران الفيلق العسكري في كابل، أفغانستان في 14 أغسطس 2021
صبيان يمران بجوار عناصر الوحدة الحمراء لحركة طالبان في ولاية لغمان، أفغانستان 13 مارس 2020

طالبان.. حركة إسلامية عاد اسمها إلى المشهد الدولي والإقليمي من جديد، عقب نجاحها في استعادة الهيمنة على السلطة في أفغانستان بعد غياب دام عشرين عاما منذ الحرب الأميركية على أفغانستان عام 2001، في إطار الحرب العالمية على الإرهاب التي انطلقت جراء أحداث الحادى عشر من سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، تلك الحرب التي أنهت حكم الحركة الذي كان مسيطرا على السلطة في أفغانستان منذ عام 1996. إذ جاء القرار الأميركي الأخير باستكمال الانسحاب من أفغانستان بحلول الحادي والثلاثين من أغسطس (آب) الجاري (2021)، ليفتح الباب أمام استعادة الحركة زمام السيطرة على المحافظات الأفغانية البالغ عددها 34 محافظة، التي تساقطت في أيام معدودة لم تُكمل عشرة أيام منذ بدء تراجع القوات الأفغانية التي أفسحت المجال لقوات الحركة لاستلام هذه المحافظات وصولا إلى العاصمة الأفغانية كابل، والتي سقطت في أيدى الحركة مع هروب الرئيس الأفغاني أشرف غنى في الخامس عشر من أغسطس الجاري إلى دولة الامارات العربية المتحدة تحت مبرر الحفاظ على ارواح الافغانيين ومنع إراقة المزيد من الدماء كما برر ذلك الرئيس الأفغاني.

رئيس الأركان الأميركي: لم يتوقّع أحدّ منّا انهيار القوات الأفغانية خلال 11 يوماً

وقد أثارت عودة الحركة إلى الاستيلاء على حكم أفغانستان دون مقاومة تذكر من الداخل الأفغاني أو ممانعة إقليمية حقيقية أو رفض دولي قوى، كثيرا من التساؤلات التي ظلت تبحث عن إجابات في ضوء هذه التحولات التي تشهدها أفغانستان محليا وإقليميا وعالميا، ومن بين هذه التساؤلات: ما العوامل التي أدت إلى انسحاب الجيش الأفغاني والقوى المعارضة لحكم طالبان دون مقاومة، على غرار ما كان متوقعا بأن الأمر سيُدخل البلاد في أتون حرب أهلية؟ ما دوافع الأطراف الإقليمية الفاعلة في الملف الأفغاني لقبول عودة هيمنة الحركة على السلطة؟ هل يرجع ذلك إلى الرسائل المطمئنة من جانب الحركة لهذه الأطراف أم إلى تفهمها لإخفاقات الحكومة الأفغانية وأن الحركة هي البديل الموجود على الأرض؟ لماذا اتخذت الأطراف الدولية موقفا أقرب إلى المهادنة مع الحركة؟ هل يرجع ذلك إلى الارتكان للاتفاقات الأميركية مع قادة الحركة لضمان مصالح هذه الأطراف فى أفغانستان، خاصة مع الصورة الجديدة التي حاولت الحركة أن تقدمها إلى العالم عن احترامها للمرأة والتعليم وحقوق الإنسان في الداخل، ومنع التواصل مع التنظيمات الإرهابية والمتشددة في الخارج؟

وغني عن القول أن التساؤلات التي تثار حول الأوضاع الأفغانية اليوم تؤكد على تشابكية العوامل المؤثرة، وتعددية الأطراف المنغمسة، وتنوع التأثيرات المتوقعة، وتباين النتائج المتحققة جراء هذا التغير الذي شهدته أفغانستان مع قرار الولايات المتحدة بالانسحاب.

ومن الأهمية بمكان قبل البحث عن إجابات لهذه التساؤلات، يجدر بنا الإشارة إلى ملاحظتين مهمتين:

الأولى، تتعلق بالقرار الأميركي من الانسحاب من أفغانستان، إذ تشير كثير من التقارير إلى أن هذا القرار يعبر عن أن ثمة علاقة وثيقة بين الإدارات الديمقراطية في الولايات المتحدة وجماعات الإسلام السياسي، ويأتي هذا القرار في إطار تلك العلاقة.

يدلل أصحاب هذا الرأي على ذلك بأن قرار الانسحاب اُتخذ في عهد الرئيس الأميركي الديمقراطي الأسبق باراك أوباما، صحيح أنه لم يستطع أن يُنفذه حينذاك مع تصاعد الأوضاع وتوترها في أفغانستان مما أدى إلى تأجيل هذا القرار، إلا أنه من الصحيح أيضا أن الرئيس الحالي والذي كان يشغل منصب نائب الرئيس أوباما اتخذ القرار بالتطبيق بحجة أنه لا يريد أن يمد عمر الأزمة إلى من سيأتي بعده، وذلك على حد وصفه. كما يدللون أيضا على صحة وجهة نظرهم برد الفعل المنتقد من جانب الجمهوريين لقرار الإدارة الأميركية الحالية. ولكن هذا الرأي يتغاضى عن ذات الموقف الذي كان قد عبر عنه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب المؤيد لقرار الانسحاب، بما يؤكد على أن قرار الانسحاب الأميركي من أفغانستان بعد عشرين عاما من الإخفاق قرار استراتيجي يتعلق بالرؤية الأميركية لتطورات الأوضاع هناك من ناحية، وارتباطا بالتوجه الأميركي الجديد نحو التوجه شرقا لمواجهة النفوذ الصيني المتصاعد من ناحية أخرى، حيث يأتي هذا القرار ضمن رؤية أميركية جديدة في صراعها مع الصين.

طالبان تعلن مسؤوليتها عن هجوم كابول

أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بالتغير في خطاب حركة طالبان، ذلك التغير الذي حاول تسويق رؤيتها الجديدة داخليا وخارجيا (إقليميا ودوليا)، حيث حظى الخطاب الجديد الذي طرحته الحركة في نظرتها للمرأة وتعليمها وكذلك دعوتها للتعاون مع الأطراف الأفغانية المعارضة لها، بالترحيب على أمل أن الحركة طورت من منظومتها الفكرية بعد الخبرة التي اكتسبتها من فشل حكمها السابق أو من خلال خبرتها التفاوضية مع الولايات المتحدة الأميركية، إذ إنه من المعلوم أن حركة طالبان تختلف عن كثير من التنظيمات الإسلامية المتطرفة سواء من حيث قبولها للعمل بالسياسة من خلال إبرام توافقات مع أطراف أخرى داخلية أو خارجية، أو من حيث رؤيتها المحلية لدورها ومسؤولياتها على عكس التنظيمات الإسلامية الأخرى مثل القاعدة وداعش التي تحمل رؤية عالمية يجعل تدخلاتها في شؤون عدد من الدول أمرا حتميا من وجهة نظرها.

في ضوء هاتين الملاحظتين، يستعرض التقرير مستقبل أفغانستان في ظل حكم طالبان من خلال محورين على النحو الآتي:

تفاهمات حذرة داخليا وخارجيا

ليست مبالغة القول إن ما يقال عن مفاجأة صعود طالبان وهيمنتها على السلطة في أفغانستان ليس صحيحا على إطلاقه، إذ إن التقارير كافة التي نُشرت لتقدير الأوضاع عقب الانسحاب الأميركي من أفغانستان كانت تؤكد على استعادة الحركة للسلطة، إلا أن المفاجأة جاءت من سرعة هذه الاستعادة، فلم تصل كما أشارت بعض التقديرات الأميركية إلى ثلاثة أشهر، لحين استعادة الحركة السيطرة على مقاليد الحكم عقب خوضها حربا أهلية مع الأطراف الأفغانية الرافضة لحكم الحركة، والتي كانت ستحظى في هذه الحرب ضد الحركة باصطفافات إقليمية ودولية.

ولكن ما حدث كان مغايرا لكل هذه التوقعات، إذ سرعان ما انسحبت القوات الحكومية الأفغانية من مناطق تمركزها، وسلمت المحافظات إلى قوات الحركة التي لم تشهد مقاومة تذكر، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء ثلاثة عوامل:

الأول، يتعلق بموقف الأطراف الأفغانية التي كانت معارضة سابقا لحكم حركة طالبان في تسعينات القرن الماضى، وهي الأطراف المنتمية إلى عرقيات مختلفة مثل الطاجيك والأوزبك أو إلى مذاهب مختلفة مثل الهزارة الشيعة، بل وبعض المنتمين إلى البشتون (وهي الجماعة العرقية التي تنتمي إليها حركة طالبان)، حيث خاضوا جميعا حربا ضد الحركة خلال سنوات حكمها السابق. ولكن الأوضاع الداخلية لهذه الجماعات المعارضة تباينت الآن سواء بسبب كبر سن قادتها وانخراطهم في العمل السياسي على مدار العشرين سنة الأخيرة فأدى الأمر إلى تفكك قواتهم وضعف استعدادهم لخوض معارك جديدة أو بسبب وفاة بعض قادتها الذين حملوا مسؤولية المعارضة لحكم الحركة.

أما العامل الثاني، فيتعلق بمواقف الأطراف الإقليمية المنغمسة في الأزمة الأفغانية والتي كانت تمد الجماعات الأفغانية بالقوة لمواجهة حكم الحركة الذي كان يمثل تهديدا لأمن هذه الأطراف، وخاصة الجوار المباشر في جمهوريات آسيا الوسطى (طاجيكستان- تركمانستان- أوزبكستان)، التي خبرت خلال حكم طالبان على مدار خمس سنوات (1996-2001) أن الحركة ليس لديها النية للإقدام على  التدخل في شؤونهم الداخلية، بما يجعلهم اليوم أقل معارضة لوجودها خاصة وأنهم يدركون غلبة الرؤية المحلية للحركة في تأسيس حكمها بعيدا عن الخطابات الهادفة إلى التدخل في شؤون الجوار الإقليمي أو حمل رسالة عالمية كما هو الحال في بعض الحركات الإسلامية الأخرى مثل داعش والقاعدة وما سبق أن عبرت عنه الثورة الإيرانية عام 1979 في خطابها التدخلي لنشر أهداف ثورتها إلى خارج حدودها مما مثل تهديدا مباشرا للجوار الإقليمي وهو ما لم تتبنه حركة طالبان في خطابها.

لماذا لم يترك بايدن 2500 جندي في أفغانستان للحؤول دون عودة طالبان إلى الحكم؟

العامل الثالث، يتعلق بالخطاب الجديد الذي حملته الحركة وحاولت أن تقدمه إلى العالم بأسره بشأن تطوير رؤيتها تجاه القضايا التي كانت محل خلاف مع مختلف الأطراف العالمية  سواء تلك التي حظيت باهتمام الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية (خطاب المرأة والتعليم على وجه التحديد) أو تلك التي حظيت باهتمام الجوار الأفغاني في اللقاءات التي عقدتها الحركة مع بعض هذه الأطراف لتقديم تطمينات بشأن عدم معاونة الجماعات الإسلامية المتشددة على أراضيها، في إشارة واضحة إلى كل من روسيا والصين وجمهوريات آسيا الوسطي، التي تخشى من أن تتحول أفغانستان تحت حكمها إلى مفرخة للتنظيمات الإرهابية، كما كان الأمر في السابق. وهو ما أعطى هذه الدول أريحية في التعامل مع وفود الحركة التي التقت مع مسؤولين صينين أكدوا على أن المرحلة القادمة ستشهد تعاونا مشتركا، وهو الأمر ذاته الذي شهد تقاربا روسياً مع الحركة من خلال تكرار عقد اللقاءات التي أكدت على التعاون المشترك في حماية البعثات الدبلوماسية للجميع مع عدم معاونة التنظيمات المتشددة في الأراضي الروسية.

ولكن رغم كل هذه المواقف التى مكّنت الحركة من العودة إلى قمة السلطة بسهولة ويسر، لا تضمن أن تمكّن الحركة من ترسيخ وجودها في حكم البلاد، إذ يظل الأمر مرهونا بعوامل ثلاثة:

الأول: مصداقية الحركة في تنفيذ وعودها سواء تلك المتعلقة بحماية جميع البعثات الدبلوماسية على أراضيها من ناحية، أو تلك المتعلقة باحترام تعهداتها بإفساح المجال لمشاركة الأطراف الأفغانية الأخرى في الحكومة القادمة من ناحية أخرى. ليس فقط في المرحلة الانتقالية وإنما فيما بعدها.

الثاني: قدرة الحركة على حل المعضلات الأمنية والأزمات الاقتصادية اليومية التي يعيشها الشعب الأفغاني والتي تفاقمت، سواء بسبب استمرار الحروب الداخلية مع تفشي جائحة فيروس كوفيد-19 في موجته الجديدة التي شهدت موجاتها السابقة إخفاقا حكوميا كبيرا جعل المواطنين الأفغان يعارضون استمرار حكومة أشرف غني، بل يمكن القول إن هذا الإخفاق كان واحدا من العوامل التي جعلت الحركة محل ترحيب من جانب المواطنين الأفغان الذين عانوا في ظل الحكومات الأفغانية السابقة.

الثالث: وفاء الحركة بتعهداتها مع الأطراف الدولية والإقليمية بعدم معاونة التنظيمات الإرهابية على أراضيها من ناحية، وحماية مصالحها وبعثاتها الدبلوماسية المتواجدة على الأراضي الأفغانية من ناحية أخرى.

 

أفغانستان وسيناريوهات متعددة

لن يكون طرح سيناريوهات مستقبلية لتطورات الأحداث في أفغانستان بالأمر اليسير، نظرا لتشابك الأحداث وتداخل السياسات وتناقض المواقف وتعارض الرؤى على المستويات كافة؛ داخليا وخارجيا، الأمر الذي يجعل المستقبل مفتوحا على كثير من السيناريوهات المطروحة والتي يمكن أن نجملها في أربعة سيناريوهات على النحو الآتي:

  • الأول: أفغانستان وإعادة بناء الدولة، وفقا لهذا السيناريو تنجح حركة طالبان في إدارة شؤون الدولة من خلال الالتزام بتعهداتها داخليا بتبني مسار تعاوني مع مختلف القوى الأفغانية لتشكيل حكومة قادرة على حل الأزمات المعيشية اليومية للمواطن الأفغاني مع إعادة الاعتبار لوضع المرأة الأفغانية. وكذلك التزامها بالوفاء بتعهداتها خارجيا بمنع تحول أفغانستان إلى بؤرة جامعة للتنظيمات الإرهابية التي تهدد الأمن والاستقرار العالمى والإقليمي، بما يجعل الأطراف الفاعلة في الأزمة داعمة لتوجهات بناء دولة تحترم جوارها الجغرافي بتشديد المراقبة على حدودها وفك ارتباطها بالتنظيمات المتشددة والإرهابية. ويظل هذا السيناريو أبعد عن التحقق في المرحلة الراهنة، إذ من غير المأمول أن تشهد طالبان تغيرا حقيقيا في رؤيتها الفكرية المتشددة بما يؤكد على أن ثمة فجوة واسعة بين الشعارات التي ترفعها الحركة وبين السياسات التي ستنتهجها داخليا، يدلل على ذلك النظرة السريعة إلى طبيعة عناصرها التي اقتحمت المدن الأفغانية، إذ لم يتخل رجالها عن إطلاق اللحى ولا عن إرغام نسائها على الحجاب، مع محاربتها لنشر وسائل التكنولوجيا والتقدم بين أتباعها. فضلا عن ذلك أيضا من غير المتوقع أن تنفصل الحركة عن مرجعيتها الفكرية المتمثلة في فكر جماعة الإخوان، مما يجعلها ملاذا جديدا لعناصر الجماعة التي يشهد وجودهم أوروبيا وعربيا تراجعا كبيرا، بل أضحت أفغانستان الملاذ الأكثر قبولا لدى التنظيم الدولي للإخوان ليعيد ترتيب أوراقه بعد ما تعرض له من إخفاقات في المنطقة العربية مع فشل ما أطلق عليه الربيع العربي، وكانت آخر هذه الإخفاقات ما حدث في تونس، هذا إلى جانب ما تتعرض له عناصر الجماعة من تضييق الخناق في عدد من الدول الأوروبية التي ضاقت ذرعا بممارساتهم وإرهابهم.
  • الثاني: أفغانستان والعودة إلى الحرب الأهلية، وفقا لهذا السيناريو تفشل الحركة في إدارة شؤون البلاد في المرحلة الانتقالية التي يغلب عليها الترقب من جانب الأطراف الداخلية والخارجية للمسار الذي تتبناه الحركة في تنظيم علاقتها مع شركاء الداخل وفواعل الخارج، بما يعيد إلى الأذهان مرحلة الاقتتال الداخلي التي عاشتها أفغانستان بعد الانسحاب السوفياتي في أواخر ثمانينات القرن المنصرم. ويظل هذا السيناريو أقرب إلى التحقق رغم تكلفته الباهظة أفغانيا وإقليميا، حيث تصبح أفغانستان في هذه الحالة بؤرة لانطلاق حرب مدمرة في القارة الآسيوية قد تستدعي تدخلات أطراف عالمية تزيد من سعيرها.
  • الثالث: أفغانستان والنموذج البلقاني، وفقا لهذا السيناريو تشهد أفغانستان بعد الدخول في حرب أهلية حالة من التقسيم والتفتيت إلى كيانات مستقلة على أسس عرقية أو طائفية، بما يعنى تأسيس دويلات صغيرة تتناحر فيما بينها وترتبط بالتبعية لأطراف إقليمية ودولية داعمة يغذي كل منها إحدى هذه الدويلات بما يزيد من سعير معركة لا يعرف أحد نهايتها. ويظل هذا السيناريو غير مطروح في المدى المنظور، نظرا لتكلفته وصعوبة تطبيقه في ظل التشابكات الداخلية والتدخلات الخارجية التي تحول دون تحققه، خشية أن تمتد تأثيراته إلى داخل حدود دول الجوار الجغرافي التي تمثل امتدادا مباشرا لما يحدث في الداخل الأفغاني، بحكم التدخلات العرقية والانتماءات المذهبية.
  • الرابع: أفغانستان والنموذج السوري، وفقا لهذا السيناريو تصبح أفغانستان ساحة حرب مفتوحة، من خلال وجود ضعيف لحركة طالبان في السلطة، حيث لا تستطع الحركة بسط سيطرتها على كامل أفغانستان، بل ستتركز مناطق سيطرتها في الأجزاء التي تنتمى إليها عرقيا (البشتون)، في حين تصبح بقية الأجزاء مناطق نفوذ تابعة لأطراف إقليمية ودولية. بمعنى أكثر تحديدا سيؤدي فشل الحركة في إدارة شؤون البلاد إلى فقدان سيطرتها على جميع أنحائها بسبب نقص الموارد البشرية والأزمات الاقتصادية والتدخلات الخارجية، الأمر الذي يُحول الوضع فى أفغانستان إلى ما يشبه النموذج السوري الراهن. ومن الجدير بالذكر أن هذا النموذج هو الأقرب إلى التحقق في أفغانستان، يعزز من ذلك تكرارية هذا النموذج في العديد من الدول التي شهدت تدخلا أميركيا على غرار العراق وسوريا وليبيا واليمن، إذ إن وجود مثل هذا النموذج القائم على وجود حكومة شرعية لا تحكم على أرض الواقع في حين وجود وكلاء تابعين لفواعل إقليمية ودولية تدير مناطق نفوذ تابعة لهؤلاء الفواعل، يضمن تحقيق هدفين معا:
  1. الحفاظ على استقرار هش في الدولة بعيدا عن الاقتتال اليومي، دون أن يمنع ذلك من وقوع حوادث كبرى بين الحين والآخر إلا أنها تظل محدودة النطاق فلا تمتد تأثيراتها خارج حدود دولتها.  
  2. منح الأطراف الفاعلة في الأزمة منطقة نفوذ تحقق مصالحها دون الإضرار بمصالح الفاعلين الآخرين، خاصة إذا ما حدث توافق بين هؤلاء الأطراف في توزيع مساحات النفوذ طبقا لحجم تدخلها.

والحقيقة أن هذا السيناريو الذي يرجح حدوثه في أفغانستان يحمل قلقا مستقبليا بشأن رؤية الولايات المتحدة والقوى الكبرى في رسم مستقبل دول المنطقة العربية، إذ إنه مع نظرة واسعة إلى مآلات الدول التي تعاني من صراعات داخلية، يبرز تحقق هذا النموذج في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا بما يجعله السيناريو الأكثر ترجيحا في قادم الأيام إذا ما واجهت دولة ما صراعا داخليا على غرار ما هو موجود في المنطقة العربية.

في خضم كل ما سبق، يظل التساؤل الرئيسي متعلقا بالموقف العربي مما يحدث في أفغانستان التي أثرت بأحداثها السابقة في الأمن والاستقرار في كثير من دول المنطقة، حينما كانت بؤرة لنشر الفكر المتطرف والأعمال الإرهابية في مختلف دول العالم بما فيها المنطقة العربية؟

وتأتي الإجابة جلية في أنه إذا كان الموقف الذي اتخذته المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بإجلاء بعثتيهما الدبلوماسيتين من أفغانستان يمثل خطوة مهمة في سبيل التأكيد على رفضهما لعودة حكم حركة طالبان، فإنه من الأهمية بمكان أن لا يعني ذلك عدم التفاعل مع مستجدات القضية وتطوراتها حتى لا يحدث ما جرى في العراق سابقا، بل يجب أن يكون للدول العربية الفاعلة (مصر والسعودية والإمارات على وجه التحديد) دور فاعل في حماية أفغانستان من انفراد حركة طالبان بإدارة شؤونها، مستفيدة في ذلك من علاقات قديمة كانت تربط كلا من السعودية والإمارات بجماعة طالبان، حيث كانت الدولتان (السعودية والإمارات إلى جانب باكستان قد اعترفت بحكم طالبان، ثم قطعت العلاقات معها نتيجة أحداث الحادي عشر من سبتمبر)، وقد يكون من المفيد استغلال هذه العلاقة القديمة بالانفتاح والحوار مع قادة الحركة، التي ستكون بحاجة إلى اعتراف السعودية؛ لما تمثله من ثقل عربي وإسلامي كبير، وكذلك الإمارات بما تملك من قدرات اقتصادية وسوق مفتوحة، إلى جانب مصر ومرجعية الأزهر الشريف، مقابل الحصول من الحركة على ضمانات بعدم إيواء فلول القاعدة، أو استقبال أي مقاتلين فارين من بؤر الصراع في ليبيا، وسوريا، وغيرهما. ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال تنسيق الأدوار والسياسات مع الفواعل الدولية التي لديها تخوفات حقيقية من نوايا الحركة في قادم الأيام (يقصد بذلك روسيا والصين التي فتحت كل منهما خطا مباشرا في التنسيق والتفاوض مع الحركة)، وكذلك مع الولايات المتحدة الأميركية التي يظل لها الوجود الأكثر تأثيرا في أفغانستان، وأيضا مع الفواعل الإقليمية التي لديها تفاعل مباشر مع الأطراف الأفغانية (طاجيكستان وأوزبكستان وباكستان). ومما يعزز هذا التوجه أن طبيعة علاقات الدول العربية الثلاثة بكل هذه الأطراف الدولية والإقليمية، تسمح لها بالتنسيق المشترك ورسم مسارات المستقبل المأمول لأفغانستان بعيدا عن الوقوع رهينة في يد حركة طالبان وتحالفاتها مع شركاء الأمس من التنظيمات الإرهابية والجهادية المنتشرة في بعض دول المنطقة وتهدد أمنها واستقرارها.

ويُقترح في هذا الشأن أن تُسرع الدول العربية الثلاث بتنظيم مؤتمر دولي تدعو إليه كافة الأطراف المحلية (الأفغانية) والإقليمية الدولية المنغمسة في الأزمة، وممثلى المنظمات المعنية بالشأن الأفغاني، حيث يناقش كيفية بناء مستقبل أفغانستان من خلال التوصل إلى خريطة طريق لاستعادة الدولة الأفغانية بعيدا عن التجاذبات الدولية والأطماع الإقليمية والصراعات المحلية.

الأفغان قلقون:هذه المهن ستُمنع في أفغانستان في حال عودة طالبان إلى الحكم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


مقالات ذات صلة