«مدرسة الروابي للبنات» يبدأ بحادثة تنمّر وينتهي بصفعة على وجه المشاهد

المسلسل يضيء على الرواسب التي تتركها العلاقات الأسريّة غير السويّة على الأولاد
من مسلسل مدرسة الروابي للبنات
من مسلسل مدرسة الروابي للبنات
من مسلسل مدرسة الروابي للبنات
من مسلسل مدرسة الروابي للبنات
من مسلسل مدرسة الروابي للبنات

كل وجع النّساء في العالم العربي، وكل مشاكل الطالبات في مرحلة عمريّة حسّاسة، وكل أمراض المجتمع وعلاّته، من نظام أبوي متسلّط إلى نظام تربوي متفلّت، وضعتها الكاتبة والمخرجة الأردنية تيما الشوملي بالتعاون مع الكاتبة شيرين كمال في مسلسل «مدرسة الروابي للبنات» الذي بدأ عرضه قبل أيام على منصة «نتفليكس».

 

هو ثاني إنتاج أردني يعرض على المنصّة العالميّة بعد «جن» الذي أثار جدلاً في الأردن، ووصل حدّ المطالبة بمنعه من العرض بسبب «إساءته إلى المجتمع وتصديره صورة مشوّهة عن الشعب الأردني»، مطالبات وصلت يومها إلى مجلس النواب والهيئات الرقابيّة.

لم يكن «جن» من الناحية الفنيّة بمستوى «مدرسة الروابي للبنات»، الاسم لا يبدو جذاباً، لكن داخل هذه المدرسة ثمّة ملخّص لمجمل ما قد يواجهه الطلاب، وللرواسب التي تتركها العلاقات الأسريّة غير السويّة على الأولاد، ونظرة شاملة للنفس البشرية، حيث ثمّة بذرة خير داخل كلّ منا، وحيث إنّ بعض المشاكل لم تكن تحتاج سوى إلى حوار كي لا تصل إلى نقطة الانفجار، وحيث إنّ الضحيّة حين تتحوّل إلى جلاّد تتفنّن في استخدام كل صنوف التعذيب.

يبدأ العمل في الباص، حيث تجتمع فتيات من عائلات ثريّة يقصدن المدرسة الراقية المخصّصة للبنات. ليان (نور طاهر) الفتاة القويّة صاحبة الشعبية الواسعة، والشخصيّة القيادية التي تسير في فلكها فتيات أشبه بمرافقات، ومريم (أندريا طايع) الفتاة المهذّبة، صاحبة الشخصيّة الضعيفة، التي تجد فيها ليان فريسة سهلة، وتبدأ بمناكفتها وصولاً إلى أذيّتها.

القصّة في بدايتها تبدو غير مقنعة، وانطلاقة الحلقة الأولى كانت ضعيفة نسبة إلى تصاعد الأحداث، فلا رواسب للعداء بين الزميلتين، سوى أن الأولى وجدت في الثانية ضحيّة يسهل ممارسة دور الجلاد عليها.

تتعرّض مريم للأذية، تتّهمها ليان بأمور لا أخلاقيّة، تشهد صديقاتها لصالحها، وتصدقّهن أم مريم، التي تقرّر أن تخلع رداء البراءة، وأن تخطّط للانتقام.

صديقتها دينا (يارا مصطفى)، الفتاة البسيطة رغم انتمائها إلى عائلة شديدة الثراء، ونوف (ركين سعد) الفتاة غريبة الأطوار، التي حضرت إلى العام الدراسي متأخرة، بعد طردها من مدرستها السابقة، هي تحت المراقبة، تساعد مريم على الانتقام دون أن تظهر في الصورة، وتدفع الثمن عامها الدراسي.

في خضم الحروب بين الزميلتين، تطالعنا مشاهد غير واقعيّة، تعثر ليان على دفتر مذكّرات مريم، تطبعه وتوزّعه على الطالبات على طريقة الأعمال الهوليوودية، تنشغل المدرسة كلها بقراءة مذكرات فتاة تزور المعالجة النفسية لشعورها الدائم بالقلق، تبدأ الفتيات بالتنمّر على مريم، يصفنها بالمجنونة، مشهد لا يليق بمدرسة دوليّة، وجود المعالجة النفسية فيها ضرورة كما معلّمة الرياضة.

كما أنّ الطالبات بالمجمل متنمّرات، لا يمتلكن حسّ التعاطف، والمعلّمات فاقدات السيطرة على طالباتهنّ، في نسف لصورة المعلم الذي لا يزال يحظى بقدر من الاحترام في مدارسنا.

أما الكليشيه، فهو في طريقة تصوير المدرسة، «الروابي» لا تشبه المدارس التي يرتادها معظمنا، وتعيدنا إلى الأعمال الأميركيّة التي عالجت مشكلة التنمّر في المدارس، تتقابل الفتيات في صالة الألعاب، والسباحة، وفي صالات تبديل الملابس، وحول الخزانات الخاصة، حيث تدور مناكفات اعتياديّة، فتسير البطلة مطأطئة الرأس، وحولها زميلاتها يغرقن في الضحك.

يأخذ العمل مساراً مختلفاً في آخر حلقتين، حين نتعرّف متأخّرين على رواسب العلاقات الأسريّة التي جعلت من ليان وحشاً يتلذّذ بتعذيب الآخرين، وجعلت من صديقتها رانيا (جوانا عريضة) نسخة عنها، أما رقية (سلسبيلا) الفتاة المحجبة، التي تسير في فلك زميلتيها، فتنكسر عند أوّل مشكلة، الشخصيات القاسية غالباً ما تخفي شخصيات هزيلة تختبىء خلف ستار القوّة والجبروت.

نوف الفتاة القوية، التي يملأ جسدها الوشم ووجهها الأقراط المعدنية، غريبة الأطوار، القوية المندفعة، في لحظة تتعرّض فيها للتحرّش، تسقط عنها كل أقنعة القوّة على شخصية منكسرة، تجيد الدفاع عن الآخرين كما تجيد السكوت عن حقّها.

معالجة المعلمة عبير (ريم سعادة) لقضيّة التحرّش تفتح الباب على نوعيّة من النساء، تتلذّذ بأن تكون ضحية، وبأن تجد الأعذار للمتحرّش وتلقي اللوم على المعتدى عليها.

وبالعودة إلى الضحيّة التي تتحوّل إلى جلاد، لم تكن مريم تحتاج سوى إلى عائلة تتفهّم هواجسها، لا إلى عائلة تتضافر مع جلادها، لتمعن في قهرها وتعريتها من كل جوانب الفضيلة، وتحويلها إلى قنبلة جاهزة للانفجار، لا ترحم، حتى لو كانت شظايا القنبلة ستؤذي ضحايا أبرياء، وحتى لو كان ردّ الفعل أقوى من الفعل بحد ذاته.

ودون حرق للأحداث، يضيء المسلسل على قضيّة جرائم الشرف في الأردن، التي نسمع باستمرار عنها، ونقرأ أسماء ضحايا، نتعاطف معهن، ويخرج المجرم دون عقاب، لكن هذه المرّة، نعايش الضحيّة وكل الأرقام التي تسجّل في خانة ضحايا جرائم الشرف، تخرج من كونها أرقاماَ لتتجسّد على الشاشة على هيئة إنسانة من لحم ودم ومشاعر حب وحقد وخيبة وأمل، تدفع ثمن أنّها أحبّت في مجتمع يجرّم الحب، في حين أنّها خرجت دون عقاب حين حقدت ودفعت زميلة لها ثمن حقدها غالياً.

كم من الوجع ينقله المسلسل، بكشفه عن قنابل انفجرت، كان بالإمكان نزع فتيلها بأقلّ الأضرار.

مسلسل يستحق أن يشاهده الأهل مع أولادهم المراهقين، ليدرك كلٌ من وجهة نظره، كيف أن التأخّر في معالجة الأمور، قد يجعل الأمور غير قابلة للعلاج.

يحسب للعمل كمّ الرّسائل الإنسانية والنفسية والاجتماعية التي تمرّ بسلاسة دون وعظ مباشر، ويحسب عليه أنّه في بعض مشاهده لم يخرج عن دائرة أعمال شاهدناها من قبل في مسلسل «Elite» الإسباني، ومسلسل «13 reasons why» حين يؤدّي التنمّر بالطالبة هانا بايكر إلى الانتحار، مسلسل دفع بمراهقين يعانون من التنمّر إلى تقليد هانا وإنهاء حياتهم البائسة، قبل أن يقرّر صنّاع العمل السّير بموسمٍ ثانٍ، على طريقة الفلاش باك، ظهرت فيه هانا بصورة الفتاة الشريرة، التي دفعت ثمن شرّها أكثر ممّا أذاها التنمّر. في «الروابي» الأمر مختلف، فالمسلسل لا يشجّع سوى على التأمّل لأخذ العبر.

المسلسل نسائي بالكامل، كتابة وإخراجاً وبطولة، من 6 حلقات، بطولة مجموعة من الشابات اللواتي يتعرّف الجمهور العربي على معظمهنّ للمرّة الأولى وهن أندريا طايع، ركين سعد، نور طاهر، جوانا عريضة، يارا مصطفى، اللواتي يتفاوت أداؤهن، إلا أنّهن بالمجمل يقدّمن عملاً ممتعاً، مع الممثلتين القديرتين ريم سعادة، ونادرة عمران.


مقالات ذات صلة