بين المقاطعة وإمكانية التأجيل.. تحديات تواجه الانتخابات العراقية

مخاوف من التزوير واشتباك الأجنحة المسلحة للأحزاب
الشارع العراقي فقد ثقته في الانتخابات (أ.ف.ب)

بيروت: بدأ العد التنازلي للانتخابات المبكرة في العراق المقرر إجراؤها في 10 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وقد أثار إعلان المفوضية العليا للانتخابات في العراق، عن نشر 130 مراقباً دوليا لمتابعة عملية الاقتراع انتقادات واسعة في البلاد، بسبب ما اُعتبر أنه عدد غير كاف مقارنة بعدد الدوائر الانتخابية ومحطات ومراكز الاقتراع في البلاد.

 ويحق لأكثر من 25 مليون مواطن التصويت في الانتخابات العراقية بنسختها الخامسة منذ عام 2003، موزعين على 83 دائرة انتخابية في عموم مدن البلاد، وبواقع 8273 مركز اقتراع، و55 ألفا و41 محطة انتخابية، بينما يبلغ عدد المرشحين 3243، لكن قبول انسحاب العشرات من المرشحين سيؤدي إلى تراجع العدد.

أعلنت مفوضية الانتخابات، في بيان لها، أن ما يزيد على 130 مراقباً دولياً سيتم نشرهم في أنحاء العراق. ووفقا للبيان، فقد «توسعت مهام عمل البعثة لتشمل مراقبة العملية الانتخابية، فضلًا عن تقديم الدعم والمشورة الفنية للمفوّضية».

المحلل السياسي علي البيدر

يرى المحلل السياسي علي البيدر في حديث لـ«المجلة» أن «عدد المراقبين الدوليين قياساً مع أكثر من 8 آلاف مركز انتخابي يبدو ضئيلا وصوريا، خصوصاً أن مفوضية الانتخابات أعلنت أنها غير معنية بالشكاوى التي يقدمها المراقبون الدوليون، وإنما ترسل الشكاوى إلى الجهات التابعين إليها، وبالتالي فهي تُقر بأن وجودهم ليس بالضرورة أن يُساهم في تقويم العملية الانتخابية حيث يشوبها الكثير من الأسئلة حول نزاهتها واستقلاليتها».

وأضاف البيدر: «لا شك أن الشارع العراقي ما عاد يؤمن بنتائج الانتخابات ولا باللعبة الانتخابية، فالجمهور العراقي لا يثق بمفوضية الانتخابات، إذ إن تشكيل المفوضيات بعد عام 2003 جرى بطريقة فئوية وطائفية بحتة، حيث إنها تخضع للمحاصصة». وتابع: «الأحزاب السياسية وضعت أنصارا لها داخل المفوضية وهي تعمل لصالحها، هذا الأمر جعل الشارع يفقد جزءا من الثقة، فضلاً عن السلوكيات التي مُورست خلال عمل المفوضيات منذ أول دورة برلمانية وحتى اليوم وهي سلوكيات تصب في صالح الأحزاب السياسية الحاكمة داخل منظومة السلطة. وبالتالي هناك مبررات لفقدان الثقة».

 

المحلل السياسي العراقي أحمد الشريفي

ومن ناحيته، يرى المحلل السياسي العراقي أحمد الشريفي في حديث لـ«المجلة» أن «مخاوف الشارع العراقي من التلاعب والتزوير في الانتخابات له بُعدان، الأول أنه بات مُدركا لدى الرأي العام أن المنظومة السياسية تُعاني من تراجع جماهيري وبالتالي كيف سيعوض ذلك في التنافس الانتخابي». وأضاف: «أما البُعد الثاني فيتمثل بالخشية من حدوث تزوير إلكتروني، خصوصاً أن الأمن السيبراني غير متحقق، وإن تحقق فهو بسيطرة حزبية. لذا فإن حالة القلق من مخرجات الانتخابات واضحة لدى الرأي العام العراقي، ولكن المؤسف أن ليس من يُقرر هو الشارع العراقي وإنما الإرادة الدولية».

 

كيانات سياسية تُفاطع الانتخابات

وفي وقت سابق، أعلن زعيم التيار الصدري في العراق، مقتدى الصدر أنه لن يشارك في الانتخابات التشريعية المقبلة، مبررا ذلك بـ«المحافظة على ما تبقى من العراق».

وقال مقتدى الصدر إنه «بريء ممن يدعون الانتماء إلى تياره في الحكومتين الحالية والمقبلة»، مشددا على «ضرورة أن يخضع الجميع للمحاسبة». وكانت كتلة سائرون التي يتزعمها الصدر، قد فازت بالانتخابات التشريعية عام 2018 وحصلت على 54 مقعدا.

وسرعان ما انضم الحزب الشيوعي العراقي إلى التيار الصدري وقرر مقاطعة الانتخابات النيابية، ودعا الجماهير إلى عدم المشاركة فيها «لأنها تفتقر لأدنى درجات النزاهة».

وقال الحزب في بيان: «إننا إذ ندعو إلى المقاطعة فإنما ندعو إلى تغيير المسار السياسي بالقطيعة مع نهج المحاصصة والطائفية السياسية الذي قامت عليه العملية السياسية، وتحقيق الديمقراطية التي يهددها من يلجأون إلى المال السياسي والسلاح المنفلت والتزوير وإشاعة ثقافة الفساد، ومن يلتفون على أي إمكانية لإنقاذ البلاد من الهاوية التي تنحدر نحوها».

وبالإضافة إلى التيار الصدري والحزب الشيوعي، أعلنت كل من جبهة الحوار الوطني التي يتزعمها صالح المطلك، والمنبر الوطني الذي يقوده رئيس الجبهة الوطنية المدنية إياد علاوي، انسحابهما من السباق الانتخابي.

وفي بيان وقعه المتحدث باسمها، وائل عبد اللطيف، قالت كتلة المنبر الوطني إن «تضاؤل وتناقص»نسب المشاركة الجماهيرية في (الانتخابات) سيجعلها تنتج «دورة برلمانية غير كفوءة لتحمل الأعباء العظيمة، وستنتج منها حكومة ضعيفة، ومستضعفة مقرونة بالفساد والتزوير».

ومن جهتها، قالت جبهة الحوار الوطني في بيان إن «الوضع السيئ الذي وصل إليه البلد وعدم توفير بيئة آمنة لإجراء الانتخابات المبكرة وانتشار السلاح المنفلت، كلها عوامل تؤكد أنّ لا تغيير واضحا سيحصل».

وفي هذا الصدد، يرى الشريفي أن «هناك جس نبض للإرادة الدولية من قبل الكيانات السياسية التي قررت مقاطعة الانتخابات». وأضاف: «الكثير من هذه الكيانات التي تتحدث عن قوة الرصيد الجماهيري، إذا حصلت الانتخابات في ظل الواقع المرير الذي يعيشه العراق فمعنى ذلك أن أرصدتهم الحقيقية الضعيفة ستظهر، وحينها سيكونون أمام حقيقة لا يقبلونها، لذلك يُناورون في العملية الانتخابية حتى لا يوضعون في هذا الموقف».

ومن ناحيته، أشار البيدر إلى أن «مقاطعة بعض الأحزاب للعملية الانتخابية تعود لأسباب متنوعة، الأول أن هناك أطرافا سياسية أدركت أن حظوظها صفرية داخل المعادلة الانتخابية، لذا انسحبت حفاظاً على ماء الوجه». وأضاف: «السبب الثاني يتعلق بجهات تبحث عن بيئة انتخابية مناسبة، لذلك أعلنت عن انسحابها المرهون بتوفير هذه البيئة، إذ إنها تحتج على الاستعدادات الانتخابية التي تقوم بها الحكومة في ظل فوضى السلاح».

وتابع: «أما القسم الثالث فهو التيار الصدري ويعود إلى أن السيد مقتدى الصدر أراد تحشيد جمهوره وحثه على الانتخابات، فعندما أعلن مقاطعته الانتخابات بات المحور السياسي والاجتماعي والإعلامي الأول في البلاد وعندما يعود عن هذه المقاطعة سيبقى في هذه المكانة، فضلا عن أنه يتمتع بجمهور عريض». ولفت البيدر إلى أنه «في حال استمرار مقاطعة بعض الأطراف فإنها لن تؤثر على مجريات العملية الانتخابية، ولدينا تجارب سابقة في هذا الصدد».

يحق لأكثر من 25 مليون مواطن التصويت في الانتخابات العراقية (أ.ف.ب)

احتمالات تأجيل العملية الانتخابية

ويرى البيدر أن «فرضية تأجيل الانتخابات قائمة، حتى إننا نُلاحظ عدم اندفاع الأحزاب السياسية الكبيرة في بث دعايتها الانتخابية أو إنفاق المزيد من الأموال عليها، وذلك يعود إلى إدراكها أن هناك احتمالية لتأجيل الانتخابات رغم تأكيدات الحكومة بإجرائها مع التشاور مع المجتمع الإقليمي والدولي». ولفت البيدر إلى أن «هناك أطرافا داخل منظومة السلطة ترغب في إطالة أمد وجودها. كما أن البيئة الانتخابية ما تزال غير مهيأة، حيث يوجد سلاح متفلت واستخدام موارد وإمكانات الدولة لصالح أطراف معينة وهذا ما يُقلق بعض الأطراف ويدفعها إلى طرح فكرة التأجيل».

ومن ناحيته، يرى الشريفي أن «قضية تأجيل الانتخابات تتعلق بالوضع الأمني، ويوما بعد آخر نُلاحظ ازديادا في الأزمات الأمنية وآخرها قضية إحراق أبراج الكهرباء التي تخلق نقمة جماهيرية وعدم قناعة في الأداء الحكومي، كما أن المال السياسي القادم من الخارج يعبث بالإرادة الوطنية، إذ إن ذلك يحول دون تحقيق التنافس الانتخابي الشريف».

وأضاف الشريفي: «لغاية الآن، أميل الى أن نسبة تأجيل موعد الانتخابات هي 75 في المائة، إذ إن هناك احتمالا لحصول اشتباك بين الأجنحة المسلحة للأحزاب وقد بدأت باستهداف صور المرشحين والتي قد تصل إلى التصفية الجسدية أو القيام بأعمال عنف». وتابع: «الـ25 في المائة المتبقة هي احتمال دفع الإرادة الدولية لتبني خيار إجراء الانتخابات، وذلك بعد قمة بغداد والتوافقات التي قد تحصل بين القوى الإقليمية».

 

نتائج الانتخابات

وأشار البيدر إلى أنه «من الصعب حدوث تغيير في نتائج الانتخابات، وإن حدث ذلك فسيكون تغييرا شكليا إذ إن منظومة السلطة الحاكمة تُحاول ارتداء جلود جديدة وإطلاق شعارات جديدة تتلاءم مع ما يُريده العراقيون اليوم، لذلك فإن مساحة التغيير والإصلاح ستكون صفرية في الانتخابات، وهو ما يعني سيطرة الأحزاب الكلاسيكية على البرلمان والحكومة المقبلة».