«غزة مونامور»: نظرة مختلفة لمدينة الحرب والحصار

فيلم يسلط الضوء على يوميات أبناء غزة
عيسى (سليم ضو) وسهام (هيام عباس) في انتظار مواصلة على الطريق في مشهد من فيلم «غزة مونامور».

القاهرة: يأتي الحديث دائمًا عن فلسطين أو قطاع غزة بالتحديد مصحوباً بذكر الحرب وحياة الناس بين الصواريخ والقصف كأنهم يعيشون في سجن، حيث المدينة المعاقبة بالحصار الخانق من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الخارج ومن قبل حركة حماس في الداخل.

هذه المعاناة جعلت الناس يتذكرون المدينة التي تطل على البحر، والذي أصبح يقتصرعلى ثلاثة أميال فقط للإبحار والصيد، بالبؤس والدمار والاحتلال، ولكن رغم كل هذا، هناك حياة! هناك أناس يطمحون إلى عيش حياة طبيعية يستمتعون فيها بالعمل والموسيقى والحب!

يرسم لنا فيلم «غزة مونامور»صورة تمثل المجتمع الفلسطيني بألمه والصعوبات التي يواجهها، ولكن أيضًا تضم الصورة مشاعره وعاطفته والجانب الإنساني الذي يتمتع به لتعلن أن أصدق ما يجب أن ندين به دائمًا هو الحب وكيف يجعلنا نحتمل الحياة، في أي عمر وتحت أي ظرف من الظروف.

«غزة مونامور»من تأليف وإخراج التوأم طرزان وعرب ناصر وهو ثاني فيلم روائي طويل لهما. الفيلم إنتاج فلسطيني- فرنسي- ألماني- برتغالي مشترك، من بطولة سليم ضو وهيام عباس وميساء عبد الهادي وجورج إسكندر ومنال عوض. وقد تم ترشيحه لتمثيل فلسطين في حفل توزيع جوائز الأوسكار الأخيرة في دورته الـ93 في فئة أفضل فيلم أجنبي وحصل على جائزتي أفضل ممثلة وأفضل فيلم ضمن جوائز النقاد للأفلام العربية.

عيسى وسهام في السوق، في مشهد من فيلم«غزة مونامور»

تم عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان البندقية السينمائي الدولي وشارك في العديد من المهرجانات الدولية، بما في ذلك مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي ومهرجان استكهولم السينمائي ومهرجان سالونيك السينمائي ومهرجان زغرب السينمائي.

وقد حصل الفيلم مؤخرًا على جائزة النقاد في مهرجان فرايبورغ السينمائي في سويسرا. كما حاز على العديد من الجوائز الدولية الأخرى كجائزة أفضل ممثل من مهرجان مالمو للفيلم العربي في السويد، وجائزة أفضل فيلم عربي من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي وجائزة اتحاد دعم السينما الآسيوية (نيتباك) من مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، وفاز أيضاً بجائزة أفضل ممثل في مهرجان أنطاليا السينمائي، وجائزتين لأفضل فيلم وأفضل سيناريو من مهرجان فالادوليد السينمائي الدولي. وقد بدأ مؤخراً عرض الفيلم تجارياً في مصر استعداداً لانطلاق عرضه في باقي الدول العربية.

تدور أحداث الفيلم في غزة الخاضعة لسيطرة حركة حماس، حيث يقع عيسى (سليم ضو) والذي يعمل صيادًا، في حب جارته في السوق سهام (هيام عباس) والتي تعمل خياطة في محل ملابس نسائية. قبل أن يتقدم عيسى لخطبتها، يجد أثناء رحلة صيد ليلية تمثالًا للإله أبولو. الأمر الذي يوقعه في مشاكل مع السلطة بعد أن قام بتخبئته في منزله. لكن في النهاية، يقررعيسى أن يتقدم لسهام ويتزوجا.

ولكن إلى ماذا يشير تمثال أبولو هنا؟ أبولو هو إله الشمس عند الإغريق، وقد وجده عيسى غارقا قبالة شاطئ غزة وهو ما يمثل الواقع المؤلم لهذه المدينة، أو ربما العثور عليه يجسد نور الحلم لأولئك الذين يعيشون في هذا الواقع الصعب وتخيُل أن الأمور ستتحسن يومًا ما.

كما ظهر التمثال بقضيب منتصب في إشارة رمزية إلى عيسى، الرجل الفلسطيني البالغ من العمر 60 عامًا والذي يعيش بمفرده يحلم بسهام، الأرملة التي تعيش مع ابنتها المطلقة، ويفكر في رجولته وفحولته طوال الوقت.

 

سهام جالسة تفكر في منزلها في مشهد من فيلم «غزة مونامور»

لا يدورالفيلم حول عيسى وسهام فحسب، بل يبرز أيضًا الأزمات السياسية والاقتصادية في غزة. نرى ملصقات الأقصى والشعارات الرنانة على الجدران، ومحاولات مسؤولي حماس بيع التمثال لمتحف دولي، واحتفال قوات حماس بصنع صاروخ بأغانٍ حماسية يرددها أنصارهم.

تعكس مواقع تصوير الفيلم واقع المجتمع في غزة سواء في قسم الشرطة أو شاطئ غزة أو منزل عيسى أو سهام أو السوق وشوارع القطاع، وقد تم تمثيل هذا الواقع بشكل جيد في كادرات الفيلم. فكل مشهد يحكي ويقول شيئًا حتى لو بشكل غير مباشر، بدءًا من المشهد الأول للجنود وهم يقومون بإعداد الطعام أثناء مشاهدة فيلم حرب على التلفزيون إلى آخر مشهد حميمي بين عيسى وسهام في المركب وسط الورود وطلقات جيش الاحتلال التي تحذرهم لأنهما تجاوزا الحد المسموح به للإبحار.

تحاكي أيضاً الألوان الباردة في معظم المشاهد المزاج غير الدافئ للحياة في غزة والذي يدفع بعض سكانها للتفكير في الهجرة بحثًا عن الحرية والحياة المشرقة. كانت الإضاءة خافتة في معظم المشاهد لتنقل لنا الحياة الحقيقية للسكان الذين يعانون من انقطاع التيار الكهربائي بشكل دائم. ما يمنح الفيلم أيضًا طعمًا مختلفًا هو المزيج الفريد بين الموسيقى العربية الكلاسيكية والموسيقى العالمية الكلاسيكية في المشاهد.

عيسى وسهام 

فيما يتعلق بالتمثيل، فقد أدت جميع الشخصيات أداء مميزا في أدوارها، وخاصة بطل الفيلم سليم ضو الذي يقوم بدوره الأول في السينما. عند المشاهدة، تشعر أن عيسى هو صياد وحيد حقًا يعيش بشكل عشوائي ويخوض اشتباكات مع السلطات الأمنية، ولكن في نفس الوقت، على الرغم من خشونته المعروف بها، فإنه يصبح لطيفًا ذا قلب خجول ورقيق عند رؤية سهام.

سلط «غزة مونامور»الضوء على جانب لسنا معتادين على رؤيته في عالم غزة، المدينة التي تشهد الكثير من الصراعات والموت. أعتقد أن الفيلم نجح في كسر الصورة النمطية لتلك المدينة. بالنسبة لي، اسم الفيلم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بفكرته، هل يوجد حب دون حب الأرض التي ننتمي إليها؟ هل حب أنفسنا والآخرين منفصل عن حبنالبلادنا؟

ربما تكون غزة ذات يوم مدينة بلا حرب ولا حصار وتتخلص من كل الحزن والصرخات، ربما سيجد الحب طريقه إلى كل شوارعها وأحيائها. فالرسالة هنا واضحة، الناس قادرون على الحب والحياة حتى وسط الدمار والتشدد والحصار والفساد لأننا نحن كما نحن، وسنظل دائماً بشراً، أهم ما يمتلكونه الكثير من المشاعر.