تركيا وإثيوبيا… معالجات متشابهة لقضايا متباينة

اتفاقات عسكرية غير معلنة ورسائل إقليمية
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في زيارة الأخير لأنقرة، تركيا (أ.ب)

في زيارة عمل لرئيس الوزراء الإثيوبي آبى أحمد إلى تركيا في أواخر منتصف أغسطس (آب) الجاري (2021)، تلبية لدعوة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وقع الطرفان على أربع اتفاقيات في المجال العسكري والمائي، لتثير تلك الزيارة في هذا التوقيت على وجه الدقة، وكذلك ما أُبرم خلالها من اتفاقات، العديد من الاستفهامات حول دوافع الطرفين وأهدافهما من وراء هذه الزيارة، وتأثيراتها على مواقفهما ومصالحهما من ناحية، ومواقف الأطراف الإقليمية المعنية من ناحية أخرى.

وفي خضم قراءة أبعاد هذه الزيارة وما أفرزته من نتائج، يحاول هذا التقرير الإجابة على هذه الاستفهامات من خلال محورين على النحو الآتي:

آبي أحمد لشعبي مصر والسودان: «أطمئنكم أن الملء لن يضر أي من بلداننا»

أولا: تركيا وإثيوبيا... اتفاقات جديدة

أبرم البلدان على هامش زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبى أحمد إلى تركيا عدة اتفاقيات تعاون في المجال العسكري، حيث وقع وزير الدفاع التركي خلوصي آكار، مع نظيره الإثيوبي كينا ياديتا، مذكرتي تفاهم للتعاون المالي والعسكري، وتنفيذ المساعدات النقدية بين حكومتي البلدين. كما وقع أيضا اتفاقية أخرى في الإطار العسكري. وفي مجال التعاون المائي وقع كل من نائبة وزير الزراعة والغابات التركي، عائشة إيشيكجيجي، والسفير رضوان حسين نائب وزير الخارجية الإثيوبي مذكرة تفاهم. وذلك كله دون الإفصاح عن مضامين هذه الاتفاقيات التي تأتي استكمالا لمسار التعاون المشترك بين البلدين في مجالات أخرى، حاول كل طرف منهما دعم الآخر فيما يواجه من تهديدات، فقد سبقت هذه الزيارة الرئاسية زيارة وزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونين إلى تركيا في 12 فبراير (شباط) 2021، حيث تم خلالها بحث العلاقات الثنائية والتمهيد للزيارة الرئاسية، فضلا عن افتتاح المقر الجديد للسفارة الإثيوبية في أنقرة، كما جاءت الزيارة الأخيرة ردا على الزيارة الرئاسية التي قام بها رجب طيب إردوغان إلى إثيوبيا عام 2015، وهو ما يؤكد على التنسيق السياسي رفيع المستوى بين البلدين، ذلك التنسيق الذي يشهد اتساعا ليشمل أبعادا أخرى؛ عسكرية على غرار الأخبار التي نُشرت- نسبة إلى وكالة الأنباء الإيطالية «نوفا»- عن تزويد تركيا لإثيوبيا بعشر طائرات مسيرة لاستخدامها في حربها مع جبهة تحرير التيغراي التي تعد جماعة إرهابية وفقا للقانون الإثيوبي. صحيح أن تركيا نفت ذلك صراحة، إلا أن الواقع يؤكد على أن ثمة تعاونا تركيا إثيوبيا عسكريا غير معلن وهو ما يحمل صحة لمثل هذه الأخبار. يدلل على ذلك ما أشار إليه اللواء يلما ميرداسا من سلاح الجو الإثيوبي في مقابلة مع وسائل الإعلام المحلية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 بقوله: «إننا نعتمد على أنفسنا إلى حد كبير، وإن قواتنا الجوية مجهزة بطائرات دون طيار حديثة. ولدينا الفنيون ووحدات التحكم الخاصة بنا الذين يديرونها ويطيرونها. لسنا بحاجة إلى الآخرين لمساعدتنا في معركتنا ضد المتطرفين». لكنه لم يجب عن سؤال مهم بشكل خاص، منْ بنى أسطول إثيوبيا من الطائرات دون طيار؟ حيث تواترت الأنباء عن دعم تركي في هذا الخصوص، وذلك على غرار ما ذكره موقع «إريتريا هوب» من أن تركيا قدمت الدعم العسكري لإثيوبيا من خلال منحها 10 طائرات مسيرة، وجرى تصنيعها في مركز تدريب واستخبارات تابع لوكالة أمن شبكة المعلومات (إنسا) التابعة للاستخبارات الإثيوبية، بدعم الفنيين الأتراك المسؤولين، فضلا عن قيامها بتدريب القوات الإثيوبية على استخدامها، وأن المدير العام لشبكة المعلومات تمسجين تروني هو المسؤول العام عن البرنامج، كما أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يزور هذا الموقع بشكل متكرر.

* الواقع يؤكد أن ثمة تعاونا تركيا إثيوبيا عسكريا غير معلن

وعلى الجانب الآخر، وردا على الدعم التركي واسع المدى لإثيوبيا، جاء العون الإثيوبي للنظام التركي لمحاصرة حركة خدمة التي تتبع الداعية فتح الله غولن، إذ يذكر أن «وقف المعارف» التركي أعلن في بيان له في يونيو (حزيران) 2021 عن تسلمه مدارس تابعة لتنظيم غولن في منطقة ألمغينا التابعة لولاية أوروميا الواقعة في جنوب غربي إثيوبيا، وجاء هذا التسلم كما وصفه جهاد ديميرالي عضو هيئة الوقف تنفيذا لقرار المحاكم الإثيوبية، حيث تم تسليم 11 مدرسة تضم ألفي تلميذ لتبدأ الدراسة في هذه المدارس وفقا لإدارة جديدة في سبتمبر المقبل 2021. ولم يقتصر الدعم على ذلك فحسب، بل أعلن ليفنت شاهين، ممثل هيئة المعارف في إثيوبيا أن: «السلطات الإثيوبية فتحت تحقيقاً بحق شركات تابعة لتنظيم (غولن) بتهمتي الإرهاب وتبييض الأموال»، وهو ما يدعم نظام إردوغان في مواجهة غريمه فتح الله غولن المتهم من جانب الحكومة التركية بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة التي حدثت عام 2016.

وزير الدفاع التركي خلوصي آكار يلتقي وزير الدفاع السوداني إبراهيم ياسين في أنقرة، تركيا في 9 فبراير 2021 (غيتي)

ثانيا: تركيا.. المنقذ لإثيوبيا: رؤية مغلوطة

لا شك أن القراءة التحليلية لما جاء في كلمات كل من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء الإثيوبي آبى أحمد في المؤتمر الصحافي الذي عقداه في ختام زيارة العمل التي قام بها الأخير إلى تركيا، تكشف عن رؤية مغلوطة من الجانبين في سعي كل منهما لتحقيق مصالحه. صحيح أنهما حاولا أن يعطيا للقائهما عمقا تاريخيا كما جاء في بيان الرئاسة التركية بأن الزيارة جاءت متزامنة مع الذكرى الـ 125 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وتركيا وردا على زيارة عمل رسمية قام بها الرئيس التركي إلى إثيوبيا في الفترة ما بين 21-23 يناير (كانون الثاني) 2015 كما سبقت الإشارة، إلا أنه من الصحيح أيضا أنه رغم ما يحمله التاريخ من دلالات مهمة تؤثر بلا شك على مسارات الحاضر والمستقبل، إلا أن استدعاءه في غير محله يجعل الاستفادة من هذه الخبرات التاريخية أمرا مضللا.

وإذا كان الخطاب الحكومي التركي راح يقلب في التواريخ لعله يكسب خطوة في الحاضر، حينما أشار إلى أن أول اتصال دبلوماسي بين تركيا وإثيوبيا يعود إلى عام 1896 مع تبادل الوفود في عهد السلطان عبد الحميد الثاني والإمبراطور منليك الثاني. وأن السنوات اللاحقة شهدت توسع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فقد تم إنشاء أول قنصلية تركية عثمانية في مدينة هرار عام 1912. كما أن تركيا الحديثة أنشأت أول سفارة لها في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في أديس أبابا عام 1926، وافتتحت إثيوبيا سفارتها في تركيا عام 1933، فإن كل هذه الأحداث التاريخية التي استدعتها تركيا على هامش الزيارة، محاولةً توظيفها، لا تحمل رؤية لما يمكن أن تقوم به تركيا في مساعدة رئيس الوزراء الإثيوبي آبى أحمد في الخروج من مآزقه الداخلية والخارجية، يؤكد على ذلك مؤشران:  

المؤشر الأول، الإفلاس التركي في ظل حكم إردوغان الذي انتقل هو الآخر من فكرة صفر مشكلات مع الجوار إلى صفر حلول مع الجميع، فالإخفاق في جميع الملفات الإقليمية التي انغمست فيها تركيا لن يبقي لها مكانة في لعب دور الوسيط في أية أزمة سواء قريبة أو بعيدة، فالتعهد التركي كما جاء على لسان الرئيس إردوغان لحماية سلامة الأراضي الإثيوبية بقوله: «إن سلامة أراضي إثيوبيا وسلامها مهمان لنا وسنبذل قصارى جهدنا لحل النزاع. نحن نعلق أهمية كبيرة على حل النزاع»، لن يجد له مجالا للتنفيذ حتى في لعب دور الوساطة بين إثيوبيا والسودان، كما وعد بأنه «سيتم حل النزاع على أساس الحوار وستقدم تركيا أي نوع من الدعم للحل السلمي، مع اقتصار دورها على كونها وسيطًا»، وهو ما ينسحب أيضا على ما ذكره بشأن الحرب الدائرة مع جبهة تحرير تيغراي، حيث عرض إردوغان أيضا وساطته بقوله: «إذا تدهور الوضع، ستتأثر جميع دول المنطقة... نحن على استعداد لتقديم كل مساهمة في حل المشكلة، بما في ذلك الوساطة».

* استقبال رئيس الوزراء الإثيوبي عقب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان هو محاولة تركية لبعث رسائل إلى القاهرة بأهمية تحريك المياه التي ركدت في نهر المصالحة

لا شك أن خطاب إردوغان في هذا الخصوص، يأتي انطلاقا من دوافع ثلاثة:

  • أولا، بعث رسالة إلى الأطراف الإقليمية وتحديدا مصر بأن الوجود التركي في الملف الإثيوبي لا يزال قائما، ويمكن لها أن تؤثر على الملف الأكثر أهمية في العلاقات المصرية الإثيوبية وهو ملف سد النهضة، الأمر الذي قد يدفع مصر إلى اتخاذ خطوات أكثر سرعة في الاستجابة للمحاولات التركية للتقارب معها وعودة العلاقات بينهما، إذ إنها ترى أن قطعها قد ترك تأثيرا سلبيا كبيرا على المصالح التركية في المنطقة، وترى في عودة العلاقة مع القاهرة مدخلا يُمكن أن يسهم في حل كثير من الأزمات التي تواجهها السياسة التركية في المنطقة. وفي هذا الخصوص يمكن قراءة الترتيب التركي لاستقبال رئيس الوزراء الإثيوبي عقب استقبالها لرئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، كمحاولة تركية لبعث رسائل إلى القاهرة بأهمية تحريك المياه التي ركدت في نهر المصالحة الذي كان قد بدأ منذ أشهر قليلة وشهد توقفا بسبب تباين المواقف بين البلدين في بعض الملفات من أبرزها الملف الليبي. 
  • ثانيا، خشية تركيا من أن تؤدي الأحداث التي تعيشها إثيوبيا حاليا إلى إسقاط حكومة آبي أحمد ودخول الدولة الإثيوبية في احتراب أهلي يؤدي إلى ضياع جهودها التي بذلتها للتواجد في هذه المنطقة الجيواستراتيجية، فضلا عن خسارتها لمصالحها الاقتصادية، سواء على مستوى التبادل التجاري البالغ وفقا لتقديرات وزارة الخارجية التركية، 398.8 مليون دولار أميركي في عام 2019 (بلغت الصادرات 378.3 مليون دولار أميركي والواردات 27.5 مليون دولار أميركي)، أو على مستوى الاستثمارات التركية التي يبلغ حجمها على حد قول السفيرة التركية في إثيوبيا يابراك ألب، 2.5 مليار دولار، وهي ثاني أكبر مستثمر في إثيوبيا بعد الصين، وتتركز استثماراتها في صناعات النسيج الحديثة وشركات تصنيع الكابلات، حيث يتواجد هناك ما يقرب من 200 شركة تركية. هذا إلى جانب النظر إلى إثيوبيا كسوق مهمة للصناعات العسكرية التركية.
  • ثالثا: سعى تركيا لتعويض خسائرها التي تكبدتها خلال العقد الأخير على المستويين الإقليمي والدولي سياسيا واقتصاديا في ضوء سلسلة الأزمات في علاقات أنقرة مع الغرب وتزايد عزلتها في الشرق الأوسط، حيث تسعى تركيا إلى تأكيد وجودها في تلك المنطقة لاستعادة دورها إقليميا ودوليا.
نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي (يسار) والرئيس السوداني السابق عمر البشير (يمين) خلال لقاء في الخرطوم، السودان في 21 نوفمبر 2018 (غيتي)

وزير الري المصري: جاهزون للتعامل مع كافة سيناريوهات سد النهضة

المؤشر الثاني: الإخفاق الإثيوبي، حيث يعيش رئيس الوزراء الإثيوبي آبى أحمد لحظة من أسوأ اللحظات في تاريخه السياسي داخليا وخارجيا. صحيح أنه بدأ بخطاب تصالحي مع جواره الجغرافي محاولا أن يعطي صورة إيجابية عن رؤيته لإقرار السلام في منطقة ظلت تعاني من صراعات وحروب، كان لإثيوبيا دور فاعل في إثارتها، وهو ما أهله للحصول على جائزة نوبل للسلام، إلا أن خطابه للسلام لم يحمل بعدا حقيقيا في تعامله مع الداخل الإثيوبي الذي بدأ بمحاولة فرض هيمنته على جميع المقدرات الوطنية حينما حاول أن يصهر الجميع في حزبه الذي اسسه تحت اسم «الازدهار» وهو عنوان لكتاب له أيضا، في حين أن الحزب لم يكن للازدهار وإنما كان للانصهار، وهو ما فجر الأوضاع داخليا مع سياسة هدفت إلى فرض الهيمنة على كافة أقاليم الدولة ومؤسساتها، لتنفجر أزمة إقليم تيغراي الذي رفض الخنوع لهذه السياسة محافظا على حقوقه السياسية التي يمنحها له الدستور الإثيوبي في إجراء الاستحقاقات الانتخابية بعيدا عن تعسف السلطة المركزية، وهو ما أدخل الدولة الإثيوبية في بدايات أزمة كان يمكن أن تجد حلا إذ لم يلجأ رئيس الوزراء آبي أحمد للاحتكام إلى السلاح بمعاونة الجيش الإريتري الذي وجد فيها فرصة للانتقام من أهل تيغراي على خلفية الحرب التي كانت تدور بين البلدين في عهد رئاسة التيغرانيين للدولة الإثيوبية. وما وصلت إليه الأوضاع الداخلية اليوم في إثيوبيا بعد الهزيمة التي مني بها الجيش الإثيوبي أمام صمود التيغراي ودعوة رئيس الوزراء آبي أحمد جميع المواطنين الذين بلغوا سن الرشد إلى الالتحاق بالجيش لمواجهة الجبهة، مما دفع القوميات الإثيوبية إلى التحالف مع التيغراي ضد تعنت الحكومة الإثيوبية، إذ أعلن جيش تحرير أورومو التحالف عسكريا مع الجبهة إلى جانب كل من العفر والأمهرا وغيرها، الأمر الذي وسع دائرة الحرب الداخلية في بلد شديد الهشاشة والتنوع الإثني والعرقي والثقافي، بما يعجل بالوصول إلى نقطة الانهيار للفيدرالية الإثيوبية وليس للازدهار كما وعد آبي أحمد.

ولذا فقد وجد رئيس الوزراء الإثيوبي في اللجوء إلى تركيا معاونا وداعما يمكن أن يساعده في الخروج من أزمته، مستفيدا في ذلك من توتر العلاقات التركية المصرية، ومحاولا أن يقدم لها مزيدا من التنازلات إذا ما ساندته في أزمته التي يواجه فيها حربا داخلية تتسع دائرتها وتزداد وتيرتها، وكذلك حصارا دوليا يشدد الخناق حول عنقه بسبب إخفاقه في إدارة ملف سد النهضة مع مصر والسودان، ذلك الإخفاق الذي تأكد بعدم قدرته على استكمال ما عُرف بالملء الثاني الأحادي للسد الإثيوبي، إذ لم تستطع إثيوبيا سوى حجز 3 مليارات متر مكعب من المياه، بدلاً من المستهدف المعلن عنه سابقاً والمقدر بـ13 مليار متر مكعب. صحيح أن دول المصب (مصر والسودان) لم تتأثرا بالكميات الواردة لكل منهما هذا العام بسبب ارتفاع فيضان النيل الأزرق، إلا أن الأمر يتطلب التوصل إلى اتفاق ينظم عملية الملء والتشغيل بين الأطراف الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا).

* كلتا الدولتين تواجهان تجربة إثنية معقدة يغيب عنها التجانس والاندماج الاجتماعي، الأمر الذي يعرض سلامة الدولتين للخطر

ومن هذا المنطلق، يمكن تفهم تحرك رئيس الوزراء آبي أحمد نحو تركيا في محاولة للتخفيف من حدة الضغوطات الخارجية والإخفاقات الداخلية التي تواجهه، كما جاء في تصريحاته بأن «العلاقة التاريخية والرابطة الثقافية بين البلدين صمدت أمام اختبار الزمن. لقد وفرت هذه أسسا متينة لعلاقاتنا... إن إثيوبيا تقدر صداقتها وشراكتها. وسوف تساعد العلاقات المتنامية باستمرار بين البلدين ليس فقط في تعزيز الاستثمارات ولكن من المتوقع أيضًا أن تعزز العلاقات بين الناس، وتطوير صناعة السياحة، ونقل التكنولوجيا الصناعية ونقل المهارات بين البلدين».

ومن نافل القول إن التوجه الإثيوبي إلى تركيا لم يكن مصادفة، إنما يأتي من رؤية يتبناها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، تأتي من منطلقين: الأول، التوافق في التوجهات واستراتيجية العمل بينه وبين الرئيس التركي، حيث يجمع الاثنين بدايات متشابهة وسياسات متقاربة، خارجيا وداخليا، فكما بدأ الرئيس التركي سياسته الخارجية من صفر مشكلات، انتهج رئيس الوزراء الإثيوبي تصفير المشكلات مع الجوار الجغرافي (بما في ذلك مصر والسودان مع بداية توليه المسؤولية)، مع تبني كل منهما لجهود دبلوماسية في حلحلة بعض الأزمات الإقليمية، إلا أنهما على الجانب الآخر تبنوا سياسة داخلية هدفها الهيمنة على الداخل وفرض نموذج واحد على الجميع وفقا لمقولة «الكل في واحد» بهدف إلغاء التمايزات والتباينات في الداخل، مستغلين في ذلك الصورة الإيجابية التي حاول أن يصدرها كل منهما إلى الخارج كرجل سلام وتعاون، وهو ما جعل ثمة توافقا بينهما.

نائب وزير الخارجية المصري حمدي سند لوزا يلتقي نظيره التركي سادات أونال في مقر وزارة الخارجية بالعاصمة المصرية القاهرة في 5 مايو 2021 )أ.ف.ب)

المنطلق الثاني، يأتي من نظرة رئيس الوزراء الإثيوبي إلي الإعجاب بالنموذج الإردوغاني في إدارة دولته داخليا وخارجيا كما وصف هو ذاته ذلك خلال زيارته إلى تركيا بقوله إن: «تركيا الحديثة تقف كنموذج للمسار الوطني المستقل في مجال التنمية وإن خياراتها تحددها مصالح شعبها»، حيث يرى أن ثمة حالة تقارب شديدة في السياسات التركية الإثيوبية على صعيد السياسة الداخلية والخارجية، فكلتا الدولتين تواجهان تجربة إثنيه معقدة يغيب عنها التجانس والاندماج الاجتماعي، الأمر الذي يعرض سلامة الدولتين للخطر الشديد، في ظل تصاعد حدة الحرب الأهلية. ومن ثم، فلعل أحد أهداف التوجه الإثيوبي صوب تركيا في بداية حرب التيغراي كان يتمثل في الاستفادة من التجربة التركية في محاربة متمردي الأكراد في جنوب البلاد، وذلك رغم التباين في الحالتين التركية والإثيوبية، إذ إن التنوع العرقي والإثني في إثيوبيا أكثر تشعبا وتعددا من الحالة التركية، وهو ما يجعل القياس على النموذج التركي قياسا فاسدا.

* السياسات الإثيوبية تجاه أزمة سد النهضة تكاد تكون تكرارا ونقلا للتجربة التركية في سد أتاتورك

هذا إلى جانب انتهاج الدولتين لسياسة مائية متشابهة إلى الحد الذي يمكن معه القول إن السياسات الإثيوبية تجاه أزمة سد النهضة تكاد تكون تكرارا ونقلا للتجربة التركية في سد أتاتورك الذي تم تدشينه عام 1992، والذي حرم سوريا والعراق من 75 في المائة من إيرادات نهر الفرات، كما أن سد إليسو حجب نحو 60 في المائة من إيرادات نهر دجلة بالعراق، الأمر الذي أدخل سوريا والعراق في أزمات اقتصادية طاحنة بسبب انحسار المياه عن نهري دجلة والفرات، وهو ما يحاول أن يطبقه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في إدارته لملف سد النهضة الذي يهدد المصالح المصرية السودانية، رغم التباين الكبير أيضا في الحالتين والذي لا يدركه الجانب الإثيوبي، إذ إن الأوضاع في العراق وسوريا لا تتشابه مع الأوضاع في مصر والسودان، بما يجعل من القياس على النموذج التركي في إدارة ملف المياه أيضا قياسا فاسدا.

مما سبق، يمكن القول إن التحرك الإثيوبي صوب تركيا الذي يتبناه رئيس وزرائها آبي أحمد، يصب في صالح الجانب التركي فحسب، في حين أنه يُحمل الدولة الإثيوبية أعباءً إضافية وحمولات سياسية وأمنية لن يستطع رئيس وزراء إثيوبيا أن يفلت منها بسبب السياسات التركية الهادفة إلى توظيف الأزمات واستغلالها بما يحقق المصالح التركية على حساب مصالح الأطراف الأخرى، ولعل المتتبع للسياسات التركية منذ وصول إردوغان يستقرئ هذا الواقع على غرار ما يحدث في كافة الأزمات التي تدخلت فيها تركيا بدءا من الأزمة السورية والعراقية مرورا بالأزمة الليبية وصولا إلى أزمة جنوب القوقاز، بل والأوضح في كل ذلك الموقف التركي من الرئيس السوداني السابق عمر البشير الذي منح تركيا ميناء سواكن، أملا في أن تساعده في حل أزماته الداخلية وصراعاته الخارجية، التي انتهت بإسقاط نظامه وخضوعه للمحاكمة على جرائمه التي ارتكبها في حق الشعب السوداني، واليوم تحاول تركيا تكرار ذات السياسة مع النظام الحاكم في السودان الذي يعي جيدًا الأهداف التركية ومخاطر تحركها على أمنه واستقرار دولته. هدف تركيا هو البحث عن مصالحها عبر محاولة اختراق الأزمات لتوظيف الأطراف الأقل ضعفا لتحقيق مكاسب على حسابها كما حدث في حال أزمة جماعة الإخوان في مصر حينما حاولت تركيا توظيفها ضد النظام الحاكم في مصر إلا أنها أخفقت في ذلك، فكانت عودتها إلى التودد للجانب المصرى محاولةً أن تعيد علاقاتها مع مصر والتضحية بعناصر الجماعة الذين اعتقدوا أن تركيا سوف تساندهم، ولكن ما حدث هو أن تركيا الإردوغانية نجحت في توظيفهم وتحقيق مكاسب على حسابهم، وهو ما تكرر أيضا بإدارة تركيا لملف اللاجئين في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، إذ سعت تركيا إلى توظيف هذا الملف بما يحقق مصالحها على حساب الأبعاد الإنسانية لحياة هؤلاء اللاجئين.

أثيوبيا تلوّح بالحرب وتشكك في قدرات مصر والسودان

خلاصة القول، يؤكد كل ما سبق على أن تركيا في إدارتها لكثير من القضايا والملفات الإقليمية والدولية إنما يعطى درسا لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يجب أن يعيه قبل فوات الأوان، فإنه إذا كان يحاول أن يسابق الزمن لإيجاد حلول لأزمات الداخل وصراعات الخارج التي تطوق عنقه خلال الأيام القادمة مع ما يشهده الداخل من تغيرات وما يشهده الجوار من تحولات، فعليه أن يعيد قراءة سياساته الداخلية وعلاقاته الخارجية من خلال تبني نهج الحوار البناء والفعال وصولا إلى حلول حقيقية ومعالجات جذرية تعيد ترتيب أوراق دولته من الداخل، وتبني أسس تعاونية في علاقاته مع جواره في الخارج وخاصة في ملفين أساسيين (ملف سد النهضة مع مصر والسودان، وملف الفشقة مع السودان)، لأنه من دون ذلك يصبح مصير الدولة الإثيوبية على المحك نحو الانهيار والتفكك، حينذاك لن تنفعه تركيا ومن يدعمه في تبني مسار آخر غير مسار سلام الداخل وتعاون الخارج.

التوم لـ«المجلة»: مستعدون لاتفاق «مرحلي ومشروط» قبل الملء الثاني لسد النهضة


مقالات ذات صلة