من ليس عنده يؤخذ منه

هناك أمر غريب يحصل في لبنان ويتعلق بضخ كم من الأخبار التي لا صحة لها على الإطلاق، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، من مثل نشر صور عن بوارج مقابل الشاطئ اللبناني على أثر إعلان الأمين العام لحزب الله عن قرب وصول باخرة إيرانية محملة بالنفط، أو تداول خبر عن انفجار في سفينة نقل إيرانية قرب السواحل السعودية ليتبين أن الصور والأخبار غير دقيقة وتعود لأعوام خلت. هناك أمثلة كثيرة عن تلفيقات أخرى متداولة تلقى صداها بين الناس وخاصة مناصري الأحزاب اللبنانية. إشاعات تخدم في نهاية المطاف صورة الزعيم أولا وآخرا.

إلى جانب التضليل الإعلامي الذي تنتجه ربما بعض الجهات الأمنية والحزبية أو مجرد الصدفة يأتيك التحليل السياسي من قبل الصحافة اللبنانية المنفصل عن الواقع تماما.

مثالا أيضا الباخرة الإيرانية التي أعلن عن قدومها إلى لبنان أمين عام حزب الله. من لحظة الإعلان كثرت التحليلات الصحافية عن وقوع لبنان في المحظور وعن العقوبات الأميركية التي ستطال البلد إن رست الناقلة في مرفأ بيروت المدمّر. البعض تحدث عن احتمال فصل القطاع المصرفي اللبناني عن البنوك المراسلة في الخارج وإلى ما هنالك من تحليلات لا تمت للواقع ولا لمجريات الأحداث في لبنان خاصة بأية صلة.

إقرأ لنفس الكاتب:

لبنان في انتظار الخارج

كيف؟

من لحظة إعلان نصر الله عن إبحار ناقلة النفط الإيرانية باتجاه لبنان حتى تلقى رئيس الجمهورية اتصالا من السفيرة الأميركية تبشّره بإمكانية حصول لبنان على الغاز عبر الأراضي السورية من دون التعرض للعقوبات، بكلام آخر لبنان معفى من تداعيات قانون العقوبات الأميركية على سوريا المعروف بقانون قيصر. هذا الاستثناء الأميركي باتجاه لبنان (وهو ليس يتيما أصلا) لم يمنع البعض من استنتاج أن «عاصفة حزم أميركية ستمنع سقوط لبنان بيد حزب الله بالكامل».

وفي معرض رد السفيرة الأميركية على إعلان نصر الله إدخال النفط الإيراني إلى لبنان حذرت دوروثي شيا اللبنانيين ليس من العقوبات المحتملة على لبنان إذا ما دخل النفط الإيراني بالفعل، إنما حذرتهم من عدم مراعاة حزب الله لعدالة التوزيع على المكونات اللبنانية.

* تصبح ناقلة النفط المخصصة لحزب الله موضوعا يتخطى حلّ أزمة الوقود في سوريا ليصل إلى حد تثبيت صورة حزب الله وقائده ومكانتهما في الداخل اللبناني تحديدا

أما كيف فهم البعض تصريح السفيرة الأميركية غير المعترض أصلا على إدخال النفط الإيراني لبنان أو حتى إعفاء إدارة بلادها لبنان من تداعيات التعامل مع سوريا الأسد على أنه إعلان مواجهة مع حزب الله فهو أمر عجيب. حتى من حذر من عقوبات قد تطال المصارف اللبنانية من جراء قضية السفينة الإيرانية الشهيرة- غير معروف أصلا، فما دخل المصارف اللبنانية بهذا الموضوع؟ خاصة وأنها لن تقوم بتحويل أموال إلى إيران، إلا إذا سمحت إدارة بايدن بذلك!) لقد نسوا أن الوثائق المسربة من قبل قراصنة النت والتي تعود إلى القرض الحسن أثبتت بالدليل القاطع أن تلك المؤسسة الموضوعة على لائحة العقوبات الأميركية تتعامل مع كل المصارف اللبنانية تقريبا. كيف كانت ردة الفعل الأميركية تجاه هذا الموضوع؟ هل وضعت المصارف اللبنانية، أو أقله تلك التي تعاملت مع القرض الحسن على لائحة العقوبات؟ كلا.

الخيال اللبناني ذهب إلى حد ربط سماح استجرار الغاز عبر الأراضي السورية برغبة دفينة عند إدارة بايدن بإطلاق يد بشار الأسد في لبنان كي يواجه النفوذ الإيراني. في عصر الانفتاح الأميركي على إيران والإغراءات التي يغدق بها روبرت مالي على إدارة رئيسي الموضوع على لوائح العقوبات الأميركية، في عصر التشدد الأميركي تجاه حلفائها في المنطقة ومنعها من التصعيد بوجه التصعيد الإيراني، يظن البعض أن لبنان له أهمية ما خارج السياسة الأميركية تجاه إيران خصوصا.

بالعودة إلى موضوع السفينة الذي اعتبرها بعض السياسيين «نكتة سمجة»، متسائلين: لماذا لا تحل إيران أزمة المحروقات في سوريا بدلا من إرسال ناقلة واحدة لن تغني ولن تسمن السوق اللبنانية، فهنا أيضا لم يفهم البعض معنى ما قام به سليماني ومن ورائه فيلق القدس والحرس الثوري في سوريا. المسألة ليست حبا بالأسد أو شغفا به، فانتقاد وازدراء سليماني بالأسد وجيشه وقدراتهم القتالية أصبح معروفا. الموضوع كان وما يزال حماية حزب الله ومنع محاصرته إذا ما كان كتب للثورة السورية قلب النظام فيها والإطاحة بالأسد وقيام بديل معاد لإيران. بهذا المعنى تصبح ناقلة النفط المخصصة لحزب الله موضوعا يتخطى حلّ أزمة الوقود في سوريا ليصل إلى حد تثبيت صورة حزب الله وقائده ومكانتهما في الداخل اللبناني تحديدا.

إقرأ لنفس الكاتب:

عون v/s الحريري

سينتظر اللبنانيون كثيرا عاصفة حزم أميركية ضد إيران، لن تأتي، ويتخيلون سيناريوهات تستبدل فيها أميركا بإيران الأسد الهزيل، لكي يعيد بعض التوازن المفقود بالكامل لإيران عله يكبح جماح حزب الله، وهذا التمني هو الآخر لن يحصل، وبين هذا وذاك لن ينفع البكاء على الأطلال ورؤية المهاجرين يزدادون عددا. فمن عنده يعطي ويزاد ومن ليس عنده يؤخذ منه.