الشام الجديد مشروع تكامل أم باب جديد للهيمنة

مشروع الشام الجديد تعود جذوره لدراسة أعدّها البنك الدولي في مارس (آذار) 2014، وطبقا للدراسة يشمل المشروع كلا من سوريا ولبنان والأردن والأراضي الفلسطينية، إضافة إلى تركيا والعراق ومصر.

هذا المشروع الذي بقي مجرد دراسة نظرية بدأ يتلمس طريقه إلى النور منذ عام 2019 عندما أدركت الدول الثلاث مصر والأردن والعراق أن المناخ الجيوسياسي في المنطقة يتغير وأن توازنات القوى الإقليمية تمر بمرحلة انتقالية، ولذلك عقدت الدول الثلاث عدة اجتماعات على مستوى القمة أو وزراء الخارجية لوضع اللمسات الأخيرة لإطلاق فضاء جيوسياسي جديد على أساس التعاون فيما بينهم لعل من أهمها القمة الثلاثية التي عقدت في بغداد في 24 مارس عام 2019 والتي ضمت رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبد المهدي، والرئيس عبد الفتاح السيسي، والملك عبد الله الثاني، واستكمل الزعماء الثلاثة اجتماعاتهم حول هذا الموضوع في القمة التي تم عقدها في سبتمبر (أيلول) من ذلك العام في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل إن هذا المشروع سبق وأن طرحه نوري المالكي عندما كان رئيسا للوزراء.

لكن الحديث عن المشروع عاد بقوة مع انعقاد القمة الثلاثية في بغداد قبل نحو شهرين والتي ضمت كلا من ملك الاردن عبد الله الثاني، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، وإن كان الكاظمي أطلق تعبير «الشام الجديد»، لأول مرة خلال زيارته للولايات المتحدة في أغسطس (آب) الماضي، حين صرح لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية بأنه يعتزم الدخول في مشروع استراتيجي يحمل هذا الاسم.

إلا أن البيان الختامي لم يذكر المشروع بالاسم، بل ذكر «البدء بتنفيذ مشروع المدينة الاقتصادية العراقية ـ المصرية ـ الأردنية»

ومما اتفق عليه قادة الدولة الثلاث وفق البيان الصادر حينها، فهو ضرورة تعزيز مشروع الربط الكهربائي وتبادل الطاقة الكهربائية بين الدول الثلاث وربط شبكات نقل الغاز بين العراق ومصر عبر الأردن وإتاحة منفذ لتصدير النفط العراقي عبر الأردن ومصر من خلال المضي باستكمال خط الغاز العربي وإنشاء خط نقل النفط الخام (البصرة-العقبة).

وهذا من المواضيع المطروحة بقوة اليوم، أي خط الغاز العربي، وهو الخط لتصدير الغاز الطبيعي المصري لدول المشرق العربي ومنها إلى أوروبا. وفي عام 2006 تم الاتفاق بين مصر وسوريا والأردن ولبنان وتركيا ورومانيا بتوصيل خط الغاز إلى الحدود السورية التركية ومن هناك سيتم توصيل الخط بخط غاز نابوكو- الذي لم يُنشأ بعد بسبب الاعتراض الروسي عليه- ليصل إلى القارة الأوروبية.

وقبل شهرين، صرح رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري في حديث تلفزيوني أنه بحث خلال زيارته إلى القاهرة ولقائه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قضية استجرار الغاز المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا. وكشف أن «الملك عبد الله استطاع إقناع الأميركيين بهذا الأمر». أي الاستجرار عبر سوريا.

ويبدو اليوم أكثر وأكثر بعد تصريح السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيّا أن أميركا وافقت على إيصال الكهرباء إلى لبنان عبر سوريا للمساهمة في حل أزمته، مما يعني تجاوزا من قبل إدارة بايدن للعقوبات الأميركية المفروضة على سوريا والتي تتركز بشكل أساسي في قطاع الطاقة وإعادة الإعمار.

* تطوير العلاقات الاقتصادية العربية البينية ووصولها إلى مرحلة التكامل القطاعي والسلعي ووضع أسس لانتقال سلس لرؤوس الأموال والبضائع بين الدول العربية، أمر ملح وضروري اليوم أكثر من أي يوم مضى.

ولكن كما العراق بحاجة إلى الأموال وتكرير نفطه، وكما مصر بحاجة إلى تصدير غازها، ولبنان بحاجة ماسة إلى الكهرباء، فإن دمشق عدا حاجتها هي الأخرى للغاز والكهرباء ولتشغيل مشروع الربط العربي، من مصر إلى لبنان بعد الأردن وسوريا، فهي الأكثر قدرة على استغلال حاجات الآخرين، لتحقق خرقين أساسيين، الأول تأمين الغاز والكهرباء لسوقها المحلية، والثاني وهو الأهم إحداث خرق بعلاقاتها مع واشنطن من جهة ودول عربية من جهة أخرى. ولا ننسى أن الكاظمي كان سبق ودعا لإعادة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية، فمشروع الشام الجديد ومشروع خط الغاز من الصعوبة تحقيقهما دون تطبيع، ولو بالحد الأدنى، مع نظام الأسد، ودون رفع ولو جزئي وبعض الاستثناءات من العقوبات الأميركية والغربية المفروضة على النظام السوري، وأيضا وهو الأخطر من دون عدم ممانعة إيران لهذا المشروع، فإيران التي ترى أن بلاد الشام باتت تشكل أساس الفضاء الاستراتيجي الذي تتحرك فيه، لا يمكن أن تسمح لقياداته سواء في سوريا أو العراق بالعمل خارج تصوراتها الاستراتيجية لشكل المنطقة ولإعادة تعريف دورها فيها ولا سيما في حال توصلت لاتفاق نووي جديد مع إدارة بايدن، إضافة إلى أن خط الغاز العربي قد يشكل مدخلا جديدا لها إذا ما اكتمل مشروع الشام الجديد بحيث تستطيع ربط شبكتها لاحقا معه، وخصوصا أن إيران لا تملك القدرة على تصدير غازها المنتج عبر البحار لأنها لا تملك ناقلات الغاز المخصصة لذلك وهي ناقلات مكلفة.

قد يكون من المبكر الحكم على مدى نجاح المبادرة الثلاثية بين الدول الثلاث، لا سيما وأن تجارب التاريخ في التعاون بين هذه الدول الثلاث لم تكن مبشرة كثيرا، فالمبادرة الجديدة ليست الأولى بل شهدت بغداد في 16 فبراير (شباط) من عام 1989 مظاهر احتفالية كبرى عندما عقد زعماء العراق ومصر والأردن واليمن في ذلك اليوم قمتهم الشهيرة لإطلاق ما سمي يومها مجلس التعاون العربي، والذي يقرأ بيان وتفاهمات ذلك المجلس سيجد أن البيان الختامي الصادر عن قمة بغداد الأخيرة يكاد يكون نسخة عنه، للأسف فشل مجلس التعاون العربي لأنه كان تعبيرا عن رد فعل الدول الثلاث على التغيرات الاستراتيجية في المنطقة والتي أعقبت نهاية الحرب العراقية الإيرانية.

إن تطوير العلاقات الاقتصادية العربية البينية ووصولها إلى مرحلة التكامل القطاعي والسلعي ووضع أسس لانتقال سلس لرؤوس الأموال والبضائع بين الدول العربية هو أمر ملح وضروري اليوم أكثر من أي يوم مضى، وإذا كانت اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية قد وقعت عام 1957 أي قبل اتفاقية التعاون الأوروبي فإن حجم التجارة البينية العربية يكشف بخجل شديد أن المنظومة العربية لم تستطع أن تؤسس لبناء اقتصادي عربي ضمن فضاء مشترك يساهم في تقدم وازدهار الإنساني العربي، بل إن أغلب المشاريع العربية المشتركة كانت إما ردات فعل تنتهي بمجرد تغير بعض الوقائع أو مجرد شعارات يطلقها البعض وما يلبث أن ينساها، ونتمنى أن تكون مبادرة الشام الجديد، مبادرة تتطلع للمستقبل العربي المشترك وأن لا تكون مجرد تكيف ظرفي مع المتغيرات في المنطقة، وباب خلفي لتطلع بعض القوى الإقليمية لمزيد من الهيمنة على المنطقة العربية، لكن بلسان عربي مبين هذه المرة. والأهم دون ان تغفل حقيقة ما ارتكب من جرائم بحق السوريين، فلا يكون المشروع بوابة لإعادة تعويم نظام الأسد بعد نحو 8 سنوات على جريمته الأشهر، مجزرة الكيماوي.