مكافحة الإرهاب: العرب ملتزمون... والآخرون؟

أضحت كلمة «الإرهاب» أكثر الكلمات استخداما وشيوعا في وسائل الإعلام العالمية كلها، وفي وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. وأغلب استخدامات الكلمة تأتي مقرونة بكلمات أخرى، فيجري الحديث تارة عن عملية إرهابية، وطورا عن تنظيم إرهابي، وثالثة عن فكر إرهابي، ورابعة عن مكافحة الإرهاب وما تتطلبه من تجفيف منابع تجنيد أعضائه ومصادر تمويله، وهكذا إلى أن غدت الكلمة مألوفة ومستساغة الاستعمال.

ولم تقف أهمية الكلمة عند هذا الحد، فقد باتت شماعة لتوجيه التهم، وتبرير جرائم القتل والتهجير ومصادرة الممتلكات وتصفية الحسابات ليس بين الأشخاص والتنظيمات وحدها، وإنما بين الدول أيضا ليصبح مصطلح «إرهاب الدولة» رائجا هو الآخر على نطاق واسع، إذ لا تتوانى الدول المتوترة العلاقات في تبادل الاتهام بدعم الإرهاب.

ولا شك أن استخدام الكلمة في الحسابات السياسية للدول كان أحد الأسباب الرئيسية التي حالت دون إيجاد تعريف شامل، جامع ومانع لمصطلح «الإرهاب» متفق عليه بين مكونات المجتمع الدولي قاطبة؛ وذلك رغم صدور العديد من القرارات والتوصيات من منظمة الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، ومن المنظمات الإقليمية.

ورغم أن الإرهاب أصبح ظاهرة عالمية، ومن أهم سمات النظام الدولي الراهن، وأكثر العوامل تأثيرا في اتخاذ القرارات السياسية، تماما مثل قضايا الحد من الانتشار النووي وتلوث البيئة؛ فإنه بات مألوفا عند وقوع أي حادث إرهابي قيام وسائل الإعلام الغربية بتوجيه أصابع الاتهام صوب تنظيمات أو أشخاص ينتمون إلى الأمة العربية ممن يدينون بالإسلام، وكأن التطرف وباء أصاب أمة بكاملها؛ ولكن فور ثبوت العكس يعاد توصيف العملية من إرهابية إلى حدث فردي عارض ينسب لذي سوابق عدلية أو لشخص يعاني اختلالات عقلية.

أقنع هذا المعطى على معظم الدول العربية بأنها مهما حاولت التبرؤ من الممارسات الإرهابية لبعض مواطنيها بالتأكيد على ضرورة التفريق بين الإسلام كدين سماوي سامٍ، وبين المسلمين كمؤمنين تختلف درجات إيمانهم وطرق تعبيرهم عن ذلك الإيمان حسب ظروفهم المختلفة؛ فإن الدول الغربية لن تتعاون معها في هذا المجال إلا من زاوية الكيفية التي تواجه بها هذه الدول الإرهاب بمختلف أشكاله وتعدد تنظيماته.

إن معظم الدول العربية ومن دون ضغوط غربية على بينة تامة من أنها الأكثر تضررا من هذا العدو الجديد للإنسانية، لأنها هي التي أصابها الكثير من أذى التنظيمات الإرهابية إما عبر عمليات انتحارية على أراضيها واستهداف بعض مسؤوليها وإما من خلال التمدد الترابي فيها، وإشعال حروب أهلية بين مكوناتها استدعت في الكثير من الحالات تدخلات أجنبية.

* بعض المواقف المتخذة في الآونة الأخيرة في عدد من معاقل الإرهاب تعطي الانطباع بأن سياسات الدول الغربية الكبرى لم تعد فقط تولي مكافحة الإرهاب أولوية قصوى، وإنما تسعى إلى توظيف بعض الجماعات الإرهابية كوسيلة في صراعات التنافس الاستراتيجي.

لهذا سارعت الدول العربية إلى الانخراط فيما سمي «الحرب العالمية على الإرهاب» عن قناعة بالدرجة الأولى، وبدافع اتقاء الانتقادات وتفادي التهديدات بعد ذلك، وخاصة بالنسبة للدول التي اتهمت بإيواء المتطرفين وتمويلهم أو بتوفير البيئة الفكرية الحاضنة لاستقطابهم، ناهيك عما أشيع عن استخدام بعضها للإرهاب كأداة ضغط في سياستها الخارجية؛ وعن أن معظم العناصر الإرهابية تنتمي إليها، وتتلمذت في مدارسها وجامعاتها.

في مقابل هذا الالتزام العربي المبدئي والمنوه عنه دوليا يثير سلوك العديد من القوى الكبرى وخاصة الدول الغربية إزاء الظاهرة الإرهابية العديد من التساؤلات. صحيح أن هذه الدول عند الضرورة ووفق ما تمليه مصالحها لا تتردد في تصفية قيادات إرهابية، ولا في العمل على تجفيف مصادر تمويله، ولكن يلاحظ في ذات الوقت أنها ولأسباب لا تعلنها تغض الطرف عن نشاط بعض التنظيمات الإرهابية، بل وتتواصل معها، وتسهل أحيانا مهامها.

ومن متابعة التعامل الإعلامي والدبلوماسي الغربي مع الإرهاب يستشف أن العواصم الغربية الكبرى تصب جل اهتمامها على كيفية إجهاض عملياته، التي تكون قيد الإعداد لاستهداف أراضيها ومواطنيها، وعلى منع استقطاب عناصر إرهابية من بين جاليتها الإسلامية؛ ولكن إذا تعذر ذلك ولو بنسبة ضئيلة، فإنها في مواجهة رأيها العام الداخلي وسعيا لامتصاص غضبه تعزو أي تقصير يحصل إما للقيود القانونية المرتبطة بحقوق الإنسان أو للسياسات المحلية المختلفة من دولة لأخرى، إضافة للتذرع بعدم القدرة على تأمين مراقبة كاملة لحدودها الطويلة والمفتوحة.

وبطبيعة الحال يستحيل أن تفضح هذه الدول طبيعة استراتيجياتها الميدانية المطبقة في معاقل التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط وأفغانستان ومنطقة الساحل الأفريقي، والتي ثبت أن جزءا منها يرتكز على استغلال أي وسيلة ممكنة للتواصل مع بعض هذه الجماعات دون كشف نوعية الاستفادة المتحققة من هذا التواصل، ولا طبيعة المقابل الذي قدم لتلك الجماعات، لأن قنوات التواصل تؤمنها دوما أجهزة المخابرات.

يغدو هذا الموقف مفهوما إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الولايات المتحدة الأميركية كزعيمة للقوى الغربية أزاحت في استراتيجيتها للدفاع الوطني الصادرة سنة 2018 مكافحة الإرهاب من مكانتها كأولوية للسياسة الخارجية والأمنية لواشنطن ليحل مكانها التنافس الاستراتيجي والتحديات التي باتت تشكلها سياسيا وعسكريا واقتصاديا وعلميا دول كبرى تسعى لتزاحم الولايات المتحدة الأميركية على ريادة العالم مثل الصين وروسيا.

إن بعض المواقف المتخذة في الآونة الأخيرة في عدد من معاقل الإرهاب تعطي الانطباع بأن سياسات الدول الغربية الكبرى لم تعد فقط تولي مكافحة الإرهاب أولوية قصوى، وإنما تسعى إلى توظيف بعض الجماعات الإرهابية كوسيلة في صراعات التنافس الاستراتيجي، الذي بدأ وطيسه يسخن ورقعة نزاله تكبر.

وأمام وضع كهذا ألا يصبح التساؤل مشروعا عما إذا كانت مكافحة الإرهاب مجرد حرب سراب؟