سيدات أعمال لبنانيات يروين لـ«المجلة» تداعيات الأزمة على أعمالهنّ

أطلقن دعوة للحوار مع الدول الصديقة لإنعاش الاقتصاد
طوابير الوقود في محطة وقود في منطقة الزلقا، لبنان (رويترز)

 

بيروت: لا يمكن أن تلتقي صاحب مؤسسة أو شركة أو مصنع أو مكتب خدمات إلا وتسمع المقولة التالية: «كيف يمكننا العمل والاستمرار وكل مقومات الحياة في البلد باتت معدومة؛ لا كهرباء ولا بنزين ولا مولدات خاصة لانقطاع مادة المازوت»، والمحزن أنه رغم هذه الأوضاع الصعبة فجميع المسؤولين غائبين عن السمع وكأنهم يعيشون في كوكب آخر، والبعض منهم يجاهر ويقول أن هناك مؤامرة على لبنان وهو محاصر مالياً واقتصادياً وهذا هو سبب الانهيار، متناسياً أن الانهيار الحاصل هو نتاج ممارسات أهل السلطة التي تحاصر شعبها بنفسها، وتعادي كل الدول الشقيقة والصديقة من أجل إرضاء «محور الممانعة» الذي بسط سلطته على كل مفاتيح الوطن منذ أن تسلم رئيس التيار الوطني الحر ميشال عون سدة الرئاسة في لبنان سنة 2017.

بلغ لبنان مرحلة الانهيار الكامل، إذ لا مازوت ولا بنزين ولا غاز، لا إنترنت ولا كهرباء، لا خبز ولا مولدات والمستشفيات تستغيث وتطالب بتأمين المازوت حتى تستمر بالعمل لخدمة المرضى، والمحال تقفل أبوابها، ومعارك بالأسلحة النارية والسكاكين على محطات بيع المحروقات، والتي تبين أنها كانت تخفي البنزين في خزاناتها وأقبيتها بانتظار رفع الأسعار وصهاريج تهريب المحروقات تجتاز المعابر الشرعية وغير الشرعية لدعم النظام السوري من أموال مصرف لبنان التي هي أموال اللبنانيين، وعائلات بأكملها متمركزة أمام دوائر الأمن العام للحصول على جوازات سفر، وأمام السفارات للحصول على تأشيرات للهجرة فيما لا يزال النزاع قائماً على تقاسم كعكة الحكومة التي لم تجد سبيلا إلى النور بعد. ووزارة الطاقة المهدور في سبيلها نصف الدين العام، غائبة كلياً عن المدن والقرى حتى بات المرء في الليل  يعتقد أنه يعيش في دولة أشباح لأن وزارة الطاقة لا طاقة فيها وقد استنفدت طاقات اللبنانيين وحرقت أعصابهم وحكومة تصريف الأعمال معتكفة حتى عن معالجة أبسط الأمور التي تدخل في إطار تصريف الأعمال وهذا ما أدى إلى انهيار معظم القطاعات الإنتاجية في البلد وفشلت كل الجهود لتشكيل حكومة جديدة توقف الانهيار.

كيف هو وضع القطاع الخاص؟ وكيف تدار الشركات والمؤسسات في ظل هذه الظروف الصعبة، وبعد أن شل العمل في إدارات ومؤسسات القطاع العام؟

«المجلة» طرحت هذه الأسئلة على نخبة من سيدات الأعمال في القطاعات التجارية والصناعية والخدماتية، وإليكم ما قالوه.

رئيسة المجلس اللبناني للسيدات القيادات مديحة رسلان

رئيسة المجلس اللبناني للسيدات القيادات مديحة رسلان، أكدت أن الإبقاء على الدعم أحد أسباب توالي الأزمات على لبنان منذ حوالي السنتين، وقد أصابت هذه الأزمات الاقتصاد اللبناني والمجتمع، وتعتقد رسلان أنه كان من الضروري «رفع الدعم بالترافق مع تنفيذ خطة تصحيحية لأن الوقت ليس إلى صالحنا. فكل يوم يمرّ تتراكم المآسي ويزداد الوضع سوءاً. رأينا جميعاً تأثير فقدان مادتي البنزين والمازوت على أداء القطاع الخاص وبخاصة القطاع السياحي الذي ينتعش في خلال موسم الصيف. فإن انهيار سعر صرف الليرة بالرغم من سلبياتها الكثيرة على الاقتصاد المحلي، قد أصبحت ميزة لاجتذاب السياح الذين يبحثون عن قضاء فرصهم بأسعار مقبولة. وأدى تراجع العملة إلى تخفيض كلفة الإنتاج وتحسين القدرات التنافسية للصناعة المحلية. لكننا فشلنا في اقتناص الفرصة بسبب التجاذبات السياسية التي انتهت بعدم استيراد المحروقات وفلتان السوق السوداء. فإن أخذنا القطاع التجاري كمثال على التدهور الحاصل، لوجدنا أن المراكز التجارية أو المولات قد خفضت من ساعات العمل مع إطفاء أجهزة التبريد أو أغلقت أبوابها نهائياً. ورفعت شركات خدمات التوصيل من أسعارها بشكل كبير لكي تستطيع الاستمرار في العمل، هذا إن توافرت مادة البنزين... لذلك، أعتقد أن رفع الدعم بالتزامن مع إطلاق البطاقة التمويلية وتشكيل حكومة فاعلة تستطيع مفاوضة صندوق النقد الدولي هي من الأولويات الأساسية التي يجدر التركيز عليها. نحن متأكدون أننا إن بدأنا بتطبيق هذه الحلول يستطيع اقتصادنا أن يبدأ بالتعافي والنمو مجدداً».

* همنا الصمود والطبقة السياسية تعيش في كوكب آخر        

وأضافت: «لبنان ضحية مناكفات السياسيين واحتكار كارتيلات الدواء والغذاء. بعد انهيار جميع مؤسسات الدولة تقريباً، ويبقى الجيش اللبناني المؤسسة الوحيدة الصامدة بوجه كل ما يجري، ونحن كقطاع تجاري لن نفقد الأمل بقدرة التجار النزيهين على العمل سوياً من أجل فتح كوة أمل، ولو صغيرة، للشعب اللبناني».

المديرة التنفيذية لشركة روبنسون اغر، ندين خوري

الانهيار الكامل

بدورها، المديرة التنفيذية لشركة روبنسون اغر، ندين خوري قاضي، أشارت في حديثها لـ«المجلة» إلى أن البلاد تمر حاليا بما يمكن وصفه بالانهيار الكامل. فالمشاكل التي يواجهها ليست محصورة في الاقتصاد والأعمال، بل إن كافة الاحتياجات اليومية باتت مهددة، والمطلوب حالياً أن تعتمد الحكومة الجديدة سياسات مالية واضحة وشفافة لاستعادة الثقة بلبنان وتشجيع الاستثمارات لنهضة اقتصادية سريعة، ومنع المبدعين والشباب من الهجرة كما يجب العمل على إعادة بناء العلاقات الدولية بما يكفل الدعم المادي واللوجيستي خلال هذه المرحلة الحرجة. على أن لا يكون الدعم على شكل إعانات بل استثمار في القطاعات الإنتاجية وتشجيع المبادرات الفردية لإعادة العجلة الاقتصادية إلى مسارها الإنتاجي الصحيح وطبعا إعادة هيكلة القطاع العام والإسراع في التفاوض مع صندوق النقد الدولي ومع الدائنين الأجانب.

وأضافت أن على الحكومة أيضاً إعادة الحوار مع الدول الشقيقة والصديقة من أجل إعادة إنعاش الصادرات اللبنانية وخصوصا الزراعية التي تضررت في الفترة الأخيرة إذ ليس من السهل الدخول إلى أسواق جديدة .

وعن تجربتها الشخصية أكدت أن شركتها للصناعات الزراعية عانت مثل سواها من الشركات والأعمال خلال هذه الأزمة لكنها تمكنت من خلال التعاون مع الموظفين من الاستمرار والصمود، كما عمدت الشركة إلى تخفيف كلفة الإنتاج وزيادة الكميات بما يناسب حاجة السوق. فيما عبرت عن قلقها من الاستمرار في هذا الانهيار، الأمر الذي سينعكس سلباً على القدرة على التخطيط والاستمرار، مما يجعل المستقبل ضبابياً.

أمين عام المنظمة العالمية للاستثمار الدكتورة عبير فرح

الإيجابية حلّاً

من جانبها أكدت أمين عام المنظمة العالمية للاستثمار الدكتورة عبير فرح أنها ترى لبنان بصورة أخرى رغم كل التحديات التي يواجهها، معتبرة أنه بلد مليء بالفرص الاستثمارية والتجارية والسياحية، على اعتبار أن ما يمرّ به لبنان «مؤقت ولن يستمر»، وأضافت: «أنا اليوم أعود إلى لبنان للعمل على تسليط الضوء بالدرجة الأولى على النصف الممتلئ من الكوب، أي تسليط الضوء على الإيجابيات في بلادي وما أكثرها!!!! وأعمل على تسليط الضوء على أهم الفرص المتاحة في هذه الظروف من خلال فتح فرع لبنان للمنظمة العالمية للاستثمار والعمل على تحريك العجلة الاقتصادية والاستثمارية في البلاد، وذلك من منطلق أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، وبرأيها فإن «التفكير السلبي الذي سيطر على عقول اللبنانيين هو أخطر بكثير من كل الظروف المادية التي يعاني منها اليوم ويجب البدء من هذه النقطة لأن حلم التغيير لا يتحقق بالأفكار العدائية والتبعية وعبادة الزعيم والانتماء لغير الله والوطن والإنسانية، لذلك أرى الحلول ميسرة لأننا نمتلكها بداخلنا لذا يجب تسليط الضوء على حلول المشاكل وليس على أعراضها»، وشدّدت على أن هذه المرحلة هي فترة «مرَضية» ويجب العمل على علاجها بأحدث الطرق العلاجية، حتى وإن كان الإعلام «لا يتحدث عن التطورات والإيجابيات التي تحدث على أرض الواقع إنما هي حقيقة ستتجلى قريبا وسيشفى الوطن الغالي من مرضه».

* فرض على كل المواطنين دوامان كل يوم في مركز عمله وأمام محطات المحروقات

خبيرة المحاسبة رولى مخلوف

خبيرة المحاسبة المجازة رولى مخلوف، أكدت أن قطاع خبراء المحاسبة المجازين قد تضرّر بشكل مباشر بسبب إقفال البلاد لفترات عديدة خلال العام المنصرم والعام الحالي نظرًا لإعلان التّعبئة العامّة لمواجهة انتشار جائحة كورونا. هذه الإقفالات أدّت إلى إقفال المؤسّسات العامّة والخاصّة وبالتّالي شلّ عملها بالكامل، بعدما كانت قد شُلّت جزئيًّا إثر انهيار المحادثات مع صندوق النّقد الدولي، وتمنُّع المصارف عن دفع أموال المودعين لأنّ السّلطة التشريعية تلكّأت في إقرار قانون الكابيتال كونترول، بالإضافة إلى أنه في ظل التضخم المالي الحالي، فقد بات تحديد مسألة الأتعاب صعبا ولا يعتمد أي معيار مالي وخاصة إثر تعدد أسعار الصرف وظهور عملة جديدة للتعامل بها (لولار) الشهير الذي يمثل الأموال المدفوعة عبر شيكات دولار. هذا مع العلم أن الاتعاب إجمالا قد انخفضت قيمتها تماشيا مع التضخم بما يزيد على 80 في المائة من القيمة التي كنا نتقاضاها في العام 2018 وما قبل بالدولار الأميركي. هذا التضخم المالي جعل من الأرقام الواردة في البيانات المالية لدى الشركات لا تعكس وضعها الحقيقي وهذا ما يعالجه معيار المحاسبة الدولي رقم 29 إلا أن الشركات لم تقم بتطبيقه حتى الآن لعدة أسباب أهمها عدم إصدار مصرف لبنان أو الجهة الصالحة لقياس نسبة التضخم الفعلي في البلد وبات أخذ الاحتياطيات اللازمة لتطبيق المعيار صعبا جدا، «لذلك أصبحنا كخبراء ملزمين بذكر أن البيانات المالية لا تعكس بصورة حقيقية الأرقام الفعلية وهنا انعكس الأمر على قارئي البيانات والمستثمرين في الشركات الذين باتوا غير قادرين على أخذ القرارات الاستثمارية و الإدارية الصحيحة».

وختمت كلامها بالقول: «لقد ضاعت كلّ الفرص لإنقاذ البلد من جراء المناكفات السياسية والتحاصص، ولم تعد مصالح النّاس أولويّة عند المسؤولين. لا أحد يفكّر في الناس وكيفية دعم الفقراء والعائلات المحتاجة. وهنا أطرح سؤالًا: لماذا حتّى اليوم لم يتمّ العمل بالبطاقة التّمويليّة؟ نحن اليوم لم نعد نفكّر إلّا بأمننا الصّحي والغذائي وكيفيّة تأمين البنزين للذّهاب إلى العمل. لقد انتقلنا من مجتمع مزدهر إلى مجتمع محطم. نحن فعليًّا في مرحلة النّضال من أجل البقاء على الحياة وعسانا نبقى».