العنجهية الإيرانية والصمت العراقي

لا يترك ممثلو الجمهورية الإسلامية في إيران فرصة تمر دون أن يثبتوا أنهم مختلفون عن سائر الدول، والاختلاف هنا ليس بالمعنى الإيجابي، بل اختلاف يدل على غرور وعنجهية حتى لو ألزمهم الأمر في كل مرة على انتهاك جميع الأعراف الدبلوماسية والبروتوكولات.

ما فعله وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، عند التقاط صورة تذكارية في ختام مؤتمر قمة بغداد، عندما رفض الوقوف في الموقع المخصص لوزراء الخارجية في الصف الثاني، وأقحم نفسه في الصف الأول إلى جانب الرؤساء والملوك والأمراء، اقل ما يقال عنه إنه فشل دبلوماسي، ولكن محور «الممانعة»اعتبر هذه العنجهية وهذا السلوك «انتصارا جديدا»للمحور الإيراني في المنطقة. ومع أن الصحافة الإيرانية انتقدت سلوك عبد اللهيان، إلا أن عبد اللهيان علق على الأمر بالقول: «وقفت في مكان يستحق موقع إيران الحقيقي وممثل الجمهورية الإسلامية». وهو تعليق لا يقل عنجهية عن التصرف نفسه، فجميع الدبلوماسيين الحاضرين تعاملوا كما يقتضي البروتوكول، بمن فيهم وزير الخارجية السعودي، ووزير الخارجية التركي، والأمين العام لجامعة الدول العربية، فوقفوا أثناء الصورة التذكارية في الأماكن المخصصة لهم، ووحده ممثل الجمهورية الإسلامية أصر على تصرفه الاستعراضي، أسوة بما اعتاد عليه المسؤولون الإيرانيون وأتباعهم منذ قيام الجمهورية الإسلامية في طهران.

فمنذ لحظة وصوله حتّى لحظة التقاط الصّورة التذكارية، وإلقاء كلمة إيران في المؤتمر، عمد عبد اللهيان إلى الاستعراض والاستفزاز وافتقد الحد الأدنى من اللباقة واللياقة الدبلوماسية، ففور وصوله إلى العراق توجه إلى النصب التذكاريّ لقائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، صاحب الأدوار القذرة في الدول العربية، وبدأ يكيل له المديح، وهو ما لا يمكن اعتباره إلا استفزازاً للدول العربية الحاضرة.

ولم يقتصر الأمر على زيارة النصب، فحتى كلمته في المؤتمر لم تخل من ذكر «محاسن»سليماني، والترحم عليه، وهو الضالع بقتل الآلاف من السوريين واللبنانيين وحتى العراقيين، والمسؤول المباشر عن زعزعة الاستقرار وزرع الإرهاب في أكثر من مكان.

لم يكتفِ عبد اللهيان بذلك، بل تحدث كوصي على العراق، مثلا عندما رفضِ التّدخّلات الخارجيّة في العراق، متجاهلا دور بلادهِ هناك، وهي الأكثر تدخلا سياسيا وعسكريا في شؤون العراق.

كذلك طبعا لم ينس عبد اللهيان انتقاد عدم دعوة النظام السوري إلى المؤتمر، فتصرف وكأنه المضيف وليس الضيف، متجاهلا أن سوريا هي إحدى مشاكل المنطقة الأساسية، ووجود بلاده والميليشيات التابعة لها هي مشكلة جوهرية من مشكلات سوريا.

ورغم كل هذه الاستفزازات إلا أن حاكم دبي الشّيخ محمّد بن راشد وحده هو من عبر عن امتعاضه من أفعال عبد اللهيان، فأوكل إلقاء كلمة بلاده إلى وزير الطّاقة الإماراتيّ سهيل بن محمّد المزروعي، والتي كان من المقرر أن يلقيها بنفسه، فيما كان لافتا أن اعتراضا رسميا عراقيا على أي من تصرفات واستفزازات عبد اللهيان لم يصدر، فاكتفى الجانب العراقي بانتقاد بعض هذه الاستفزازات عن طريق تسريبات صحافية لمصادر في الحكومة العراقية.

انتهت قمة بغداد، وكانت فرصة للقاء العرب وحصول مصالحات بينهم على هامش المؤتمر، ولكنها كانت أيضاً فرصة لتؤكد أنه طالما أن النظام الإيراني مستمر في سياساته العدوانية وعنجهيته، فإن أي مبادرة «حسن جوار»سيكون مصيرها الفشل عاجلا لا آجلا، وما صواريخ الحوثي التي لم تتوقف إلا دليل على استمرار إيران الجارة اللدودة في سياستها العدوانية.