مؤرخ سوري يستعيد أحداث «نكبة نصارى الشام»... لعلّ الذكرى تنفع

دراسة عميقة تهدف لتجنب ويلات المجازر الطائفية
غلاف الكتاب
مذبحة المسيحيين عام 1860
الحي المسيحي في دمشق عام 1862 ويظهر الشارع المستقيم مع الكنيسة المريمية المحروقة (البناء العالي إلى اليسار)
الأمير عبد القادر الجزائري 1862
الكاتب سامي رضوان مبيض

في مثل هذه الأيام قبل 161 عاماً، وتحديداً في 9 يوليو (تموز) عام 1860، اندلعت فتنة طائفية عنيفة في دمشق بحي باب توما وبعض حارات حي القيمرية، نتجت عنها مذبحة رهيبة بحق مسيحيي المدينة، حيث قضى نحو 5 آلاف منهم (من أصل 22 ألف مسيحي كانوا يقطنون أسوار المدينة القديمة) على مدار 7 أيام بلياليها، بأفعال وحشية، انتهكت كل المحرمات والمقدسات.

خلفت تلك الأحداث الفظيعة، التي عرفت شعبياً باسم «طوشة النصارى»، قروحاً غائرة في الذاكرة السورية، ولم يجر تناولها إلا لماماً على يد أشخاص معدودين نجوا من المأساة أو مؤرخين سوريين ولبنانيين أو قناصل الدول الغربية في المشرق أو باحثين غربيين في التاريخ، وظل تداولها محصوراً في نطاق أكاديمي ضيق أو كتب معدودة.

وفي يناير (كانون الثاني) 2021، أصدر المؤرخ السوري الرصين، الدكتور سامي مروان مبيّض، كتابه الأحدث عن تاريخ دمشق تحت عنوان «نكبة نصارى الشام أهل ذمة السلطنة وانتفاضة 1860»، الذي يقول في مقدمته: «ها نحن نعود إليها (المجزرة) اليوم لدراستها بعمق، ليس نبشًا لماضٍ أسود بهدف التحريض، بل لنتعلم منه، أملاً في أن لا يعاد أبداً»، داعيًا السوريين إلى التحلي بالشجاعة الكافية بدل التعتيم عليها «ملقين باللوم في ما حدث إما على الدولة العثمانية الحاكمة يومها أو على الدول الأوروبية، رافضين الاعتراف بأن أجدادهم شاركوا في مذبحة شنيعة من هذا الجحيم»، منتقداً جميع الحكومات السورية منذ نهاية الحكم العثماني قبل أكثر من 100 عام وحتى الآن، التي لم تأت على ذكر المذبحة في «الكتب والمطبوعات الحكومية».

يستخدم مبيّض أسلوباً سردياً، يجعل الكتاب أقرب إلى قصة تاريخية مشوقة، تنتظر فصولها، واحداً تلو الآخر؛ رغم جدية الموضوع وبحثه في مأساة إنسانية عميقة. ويحقق المؤرخ في الروايات المتنوعة عبر تقاطع مصادرها الموثقة، مجتهداً في بحث سياقات المأساة في السياسة والاقتصاد والدستور والعلاقات مع الغرب، بعيداً عن الأدلجة أو اتخاذ موقف التبرئة أو الإدانة المسبقة، واضعاً القارئ في أجواء التوترات، مسميّاً الأحداث والأماكن والأشخاص بكل وضوح. أما اللغة، فهي بسيطة بجمل قصيرة سلسة، تتجاوز الملل الذي قد يلازم طائفة لا بأس بها من كتب التاريخ، وهو أسلوب يتبعه المؤرخ في مقالاته وكتبه.

نستعرض فيما يلي أبرز ملامح الكتاب، الصادر في بيروت عن دار رياض الريس للنشر والكتب، الذي يتحدث عن المسكوت عنه في تاريخ دمشق الحديث، التي كانت- آنذاك- جزءًا من الإمبراطورية العثمانية الآيلة للسقوط.  

 

ماذا حصل؟

في 7 يوليو (تموز) 1860، قدم مجموعة فتيان إلى حي باب توما ذي الغالبية المسيحية، و«بدأوا يستفزون الأهالي بالصراخ والكلام البذيء ورسم الصليب بالدهان الأحمر على الأرض أو على أبواب البيوت». وبعد شكوى إلى الوالي العثماني، اعتقل الفتيان وأجبروا على تكنيس الطرقات، ثم تكرر المشهد في اليومين التاليين وبدأ الصراخ الطائفي من أهالي الفتيان بعبارات مثل: «يا مسلمون يا أمة محمد، المسلمون يكنسون حارة النصارى!»، و«يا غيرة الدين».. إلخ. تفاقم الوضع فجأة وهجم أهالي الأحياء المجاورة بالمسدسات الحربية والسيوف والفؤوس على الحي المسيحي، فانسحبت وحدات الحماية العثمانية وبدأت مجزرة، قضت على نحو ربع المجتمع المسيحي في دمشق، رافقتها أعمال اغتصاب ونهب وحرق للبيوت والأرزاق والمصانع والكنائس، وكذلك القنصليتان الروسية والأميركية.

شارك الرعاع المعبأون طائفياً في المذبحة، ولولا أن فتحت أسر مسلمة كثيرة أبوابها للمسيحيين مثل الأمير عبد القادر الجزائري ووجهاء آخرين من أسر المهايني والموصلي والعمادي والنوري والعابد، لكان الوضع أكثر قتامة وبشاعة. كما وصلت أعمال الفوضى إلى ريف دمشق. ولم تتوقف الأعمال الوحشية.

وينقل الكتاب عن الدبلوماسي البريطاني سايرس غراهام وصفه للمشهد بالقول: «في هذا المساء (26 يوليو/ تموز) مررت بالحي المسيحي... فلم أجد إلا بقايا منازل... الجثث كانت تملأ المكان... لقد تم حرق الحي المسيحي بأكمله ولم يسلم منه بيت واحد».

 

أسباب الفتنة

تحرى الكاتب أصول تاريخ مأساة 1860، التي سبقتها بعام واحد فتنة درزية- مسيحية بدأت نذورها وبشاعاتها في جبل لبنان، ووصلت الفتنة إلى مدينة زحلة (غربي لبنان)، حيث فتك الدروز بأهلها المسيحيين في يونيو (حزيران) 1860، واحتفل بعض المسلمين في دمشق بما سموه «فتح زحلة» وزينوا حاراتهم وبيوتهم. وأدى ذلك إلى موجة لاجئين مسيحيين من زحلة إلى دمشق، وبخاصة حي باب توما، حيث كانوا على موعد مع مجزرة أخرى بعد أقل من شهر من لجوئهم!

كما يستعرض الأسباب المحتملة للمجزرة ضمن سياقات مختلفة، أبرزها الاقتصادي، فقد كانت دمشق المدينة الأهم في المشرق في مجال الصناعة الحريرية، وبخاصة أيام الحكم العلوي (1831-1840) عند ضم بلاد الشام إلى مصر تحت حكم وقيادة محمد علي وابنه إبراهيم. لكن، بعد أفول الحكم العلوي بمساعدة إنجليزية للعثمانيين، زادت ضرائب التصدير إلى 12 في المائة، وخفضت ضرائب الاستيراد على المنتجات الإنجليزية إلى 5 في المائة، إلا أن صناع وتجار الحرير المسيحيين واليهود تفوقوا على نظرائهم المسلمين بحكم صلاتهم بالغرب واستحواذهم على الوكالات التجارية، وكذلك حصول بعض كبار التجار والصناعيين منهم على نوع من حماية القناصل، فيما تراجع دور وثروة التجار والصناعيين الملكيين. وقد ولد ذلك نوعاً من الغيرة، إذ إضافة إلى تجارة وصناعة الحرير، عمل التجار المسيحيون واليهود، مقام البنوك التجارية، التي لم تكن موجودة من حيث الإقراض وفتح اعتمادات الاستيراد وتحصيل الأموال من الخارج. وقد أضاء المؤرخ على جزء من ذلك بذكر قصة الشيخ عبد الله الحلبي، الذي كان أحد أشهر رجال الدين وتاجراً للحرير، حيث وجهت إليه أصابع اتهام قتل تاجر الحرير الدمشقي الشهير فرنسيس مسابكي أثناء الفتنة. ويضيف الكتاب أنه «جاء في التقارير الدبلوماسية الروسية أن الشيخ الحلبي اقترض 800 ألف قرش من المسابكي لأجل تجارته، وقيل إنه أمر بقتله ليسقط الدَين مع هلاك صاحبه»

 

المواطنة والحداثة

خلال فترة الحكم العلوي، أقر الحاكم إبراهيم بن محمد علي، سلسلة إصلاحات كرست مبدأ المساواة الكاملة بين المواطنين، إذ لم ترق تلك الإصلاحات لجزء معتبر من مجتمع المسلمين الدمشقيين وقياداتهم الدينية والتجارية، وبخاصة بعد قرون من الشعور بالتفوق وممارسة التمييز العثماني ضد «الذميين من أهل الكتاب» في لون اللباس وضرورة إفساح الطريق. وزاد من حدة الاحتقان، تنصيب عدد من المسيحيين في المجالس الاستشارية والتنفيذية مثل حنا البحري. كما سمح الحاكم إبراهيم بوجود البعثات الدبلوماسية وافتتح طريق الحداثة والتعليم وإصلاح المؤسسات والتمثيل ونظام التجنيد العسكري.

 وحتى بعد سقوط الحكم المصري وتولي العثمانيين زمام الأمور من جديد، تواصلت الإصلاحات الدستورية وأقرت ونفذت ابتداءً من عام 1856. ويقول الكتاب: «كان الوضع الأمني في المدينة حرجاً بسبب سلسلة من الإصلاحات العثمانية، المعروفة بـ«التنظيمات»، والتي بدأت في إسطنبول وفرضت التساوي التام أمام القانون بين المسلمين والمسيحيين «الذميين»... ألغيت كلمة نصراني أو «ذمي» من السجلات الحكومية في دمشق، واستبدلت بها كلمة «كريستياني (مسيحي) من رعايا الدولة العثمانية... زاد من غضب المشايخ فرض الضرائب على العلماء وأئمة دمشق، بعدما كانوا معفيين منها تماماً في الماضي، واستخدام تلك الضرائب لتحسين الأحياء المسيحية».

 

إعدام والي دمشق والعقاب الجماعي

أرسل السلطان العثماني عبد المجيد وزير خارجيته فؤاد بعد المجزرة بأسبوع، ولكن بعد الخراب الكبير، ورافقه جيش مؤلف من 3 آلاف جندي لاستعادة الأمن والأمان. ويشرح الكتاب ما حصل بعد المجزرة: «أحضرت فرنسا جيشاً جراراً لدخول دمشق... وشكلت لجنة دولية للتحقيق... ولقطع الطريق على التدخل الدولي، صدرت أحكام بإعدام والي الشام العثماني أحمد عزت باشا ومعه قائد حامية حاصبيا عثمان بك وقائد حامية راشيا محمد علي بك والقائد العسكري لمنطقة باب توما علي بك، ودفنوا في دمشق».

ويذكر الكتاب شيئاً من محاضر التحقيق، التي جاء فيها أن «الوالي كان متخوفاً دوماً من المسيحيين، وكان يراهم عصاة للدولة».

كما قسمت لجنة التحقيق التهم إلى 3 أقسام: سالب ومهيج وقاتل. ورأى الوزير فؤاد باشا أن المسلمين والمسيحيين مسؤولون عما حصل. وبدأت عملية جمع المسروقات وجرى إفراغ معظم بيوت حي القنوات الدمشقي بالقوة وإعطاؤها للمسيحيين وإعادة المسروقات لأصحابها. كما أعدم بضع مئات من المشاركين في الساحات أمام الناس وسجن آخرون، ونفي جمع من المشايخ والوجهاء، ومنهم عبد الله الحلبي. واشتدت حملات التجنيد لأهالي دمشق في الجيش العثماني، وهم له كارهون.

أما يهود المدينة، فلم يصب أحد منهم بأذى، بل أخذ بعضهم أطفالاً المسيحيين للإتجار بهم كعبيد. وذكر القنصل اليوناني في دمشق: «تجب الإشارة هنا إلى أنه في ظل الفوضى العارمة بدمشق، لم يؤذ يهودي واحد». كما ذكرت جريدة «التايمز» أنهم «احتفلوا بالمذابح وقدموا عصير الليمون للمجرمين الخارجين من الحي المسيحي. كما وجهت إلى اليهود اتهامات بشراء المسروقات بثمن بخس، واعتقل عدد منهم، وتوفي أحدهم في المعتقل. كما تعرض بعض اليهود لابتزاز مسيحيين، مقابل عدم الشهادة ضدهم، وبخاصة أن لجنة التحقيق صدقت أي مسيحي فيما يدعي، مهما كان ادعاؤه».

أقفل المحضر في سبتمبر (أيلول) عام 1860 ونزح آلاف المسيحيين الدمشقيين إلى بيروت والأراضي المصرية الواقعة تحت حكم محمد علي، وبخاصة من الصناعيين والتجار. وانهار الاقتصاد السوري بعدها وخرجت إلى النور طبقة جديدة من الأعيان والوجهاء والسياسيين، بعد التخلص من الطبقة القديمة.

 

لماذا فتح الجراح

يقول المؤرخ مبيّض في المقدمة: «لقد غيرت تلك الأحداث مدينة دمشق جذرياً وكشفت عن خلل رهيب في بنيتها الاجتماعية والسياسية والطائفية».

ويخرج بخلاصة قاسية عند المقارنة مع ما يحدث اليوم في سوريا بقوله: «فمجازر اليوم خير دليل على أننا لم نتعلم شيئاً من أحداث 1860، وما زلنا كما كنا في منتصف القرن التاسع عشر مجتمعاً قبلياً وقابلاً للانحراف نحو الهاوية».

ويضيف: «في الذكرى 161 لأحداث الستين، يجب أن نقف عليها بشجاعة ونحاول فهمها بتمعن، بعيداً عن الشحن الطائفي والمذهبي، لبناء هوية وطنية حقيقية ومجتمع غير قابل للاختراق».

فهل تفتح هذه المكاشفة التاريخية وغيرها الباب أمام تحقيق أمنية المؤرخ. ليس مطلوباً التفاؤل أو التشاؤم، لعل العقلانية هي أكثر ما يحتاجه السوريون في مقاربة ماضيهم، وحاضرهم أيضاً.