غياب نجوم زمن الفن الجميل عن الشاشة... تقصير من الإنتاج أم حالات فردية؟

نقاد يقيّمون قضية غياب الكبار عن الساحة الفنية
الفنان حسن يوسف
الفنان عبد الرحمن أبو زهرة
الفنانة صفية العمري
الفنان يوسف فوزي
الفنان أسامة عباس
الناقد السينمائي نادر عدلي
الناقد السينمائي عصام زكريا
الناقد الفني أحمد السماحي
رئيس هيئة الترفيه بالمملكة العربية السعودية تركي آل شيخ (أ.ف.ب)

لم تكن مشكلة الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة وإعلانه عدم طلبه للعمل في أعمال فنية وتجاهل وجوده، إلا بداية أزمة كبيرة مسّت نجوماً كباراً كثيرين يعانون الأزمة نفسها، ويشتكون عدم مشاركتهم في أي أعمال فنية منذ فترة طويلة، وفي مقدمتهم حسن يوسف ونجوى فؤاد وصفية العمري وسمير صبري ويوسف فوزي، وغيرهم من النجوم وتعددت الأسباب في هذه الأزمة واختلفت من فنان لآخر لكن الخبراء أجمعوا على أن المشكلة تتحكم فيه عوامل التطور الطبيعية للأمور.

وكانت تصريحات الفنان القدير عبد الرحمن أبو زهرة حول رغبته في الاعتزال وشعوره بالاكتئاب لقلة العروض الفنية التي يتلقاها من قبل المنتجين والمخرجين كانت قد أثارت جدلا واسعا، فقد عبر عن شعوره بالغربة عن الوسط الفني في الفترة الحالية، بسبب عدم مشاركته في أعمال فنية جديدة، قائلا: «أفكر حاليا في الاعتزال، خاصة بعد عزوف المنتجين والمخرجين عني حيث لم أطلب في أعمال جديدة فضلا عن أزمة كورونا والذي يزيد من صعوبة المشاركة»، مشددا على أنه قدم العديد من الأعمال الفنية التي تعد علامة في تاريخ الدراما المصرية، على مدار 40 عاما.

 

قلة العمل

وأكد أبو زهرة أن الأدوار التي تعرض عليه كل ثلاثة أو أربعة أعوام تكون كضيف شرف، وهو ما لا يتماشى مع تاريخه الفني، مطالبًا القائمين على الصناعة أن ينظروا لتاريخه الفني الكبير الذي أمتد لـ60 عامًا، موضحًا أنه يمتلك 27 درعاً وجائزة حصل عليها من وزراء مصر على مدار تاريخه ولا يستطيع أن يعيش بدون الدراما وتفكيره فى الاعتزال كان بسبب الضغوط التي مر بها.

في نفس الوقت أكد عازف البيانو أحمد أبو زهرة دعمه لوالده عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، حيث قال: «يا أول من علمني كيف أحترم الفن وأعشقه وأكون صادقا في كل نوتة موسيقية أعزفها، منذ كنت ألعب وأجري في كواليس المسرح القومي كطفل وأنت زرعت في احترام الجمهور، منذ أن رأيتك تدخل المسرح وتتحول لغول يصول ويجول على خشبته وأنا وكل الجمهور الحاضر في حالة انبهار ومتعة لا نهائية»، قائلا: «شجعتني أن أترك مصر لأنك رأيت أن حال الفن في مصر للأسف في النازل، حزنت بعد سماعي لمواقف أخيرة حدثت لك في الوسط الفني، لا توصف بأنها امتهان لتاريخ، ولكن هي امتهان لانتساب من قاموا بإهانتك لهذه المهنة المقدسة، ولكن للأسف أصبح ينتسب إليها في مصر الكثيرون الذين يدنسون رسالة الفن الحقيقية ولا يقدرون ولا يعلمون قيمة مثلك.. أقول هذا.. ليس لأنك أبي ولكن لأنك كنت معلمي وملهمي الأول في كل شيء.. أنت وماما الله يرحمها، ستظل في وجدان الجمهور، وسيظل حبهم لك بلا حدود ولا عزاء للفن المحترم والفنانين المحترمين في مصر».

فيما اشتعلت الأزمة بهجوم فنانتين على الفنان عبد الرحمن أبو زهرة، حيث هاجمته عفاف مصطفى ومعتزة عبد الصبور، وقالت إحداهما، إنه دائم التنمر على الفنانين زملائه ويسيء لهم، ويتعامل بتكبر وغرور، و«يشفط الأكسجين» ويتحدث بشكل سيئ مع الجميع. بينما قالت الأخيرة إنه كان يسيء لها ولزملائها ويسخر منهم جميعاً، رغم أنهم مواهب شابة، ويتعامل بقسوة وصلف مع الجميع.

وأمام هذه التعليقات والآراء التي رأت نقابة الممثلين أنها تسيء إلى قامة فنية لها تاريخ مثل الفنان عبد الرحمن أبو زهرة، أصدرت بياناً تحذيرياً قالت فيه: «تعرب نقابة المهن التمثيلية ممثلة في مجلس إدارتها ونقيبها عن بالغ تقديرهم للفنان القدير عبد الرحمن أبو زهرة، أحد رموز الفن، الذي أبدع في تقديم أصعب وأروع وأمتع وأعمق الأدوار التمثيلية في أعماله الفنية على مدار مشواره الفني الطويل، سواء في المسرح؛ بيته الأول، أو السينما أو التلفزيون، بما يجعله قيمة فنية كبيرة، تعلمنا وما زلنا نتعلم منها قيم الإبداع الراقي«».

 

دور السعودية

 بينما دخل رئيس هيئة الترفيه بالمملكة العربية السعودية، تركي آل لشيخ، على خط الأزمة وعرض على أبو زهرة، فرصة العمل في فيلمه الجديد، الذي يصوره حاليا، وذلك، عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»، وكتب آل الشيخ قائلا «بتشرف أن الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة يكون ليه دور في الفيلم اللي شغال عليه الآن، إذا شرفنا ووافق على الورق»، حيث لقي هذا التصريح فور نشره، تفاعلا غير مسبوق من متابعي تركي آل الشيخ، الذين عبروا عن تعاطفهم مع الفنان القدير ودعمهم الدائم له، في الوقت الذي تقدم كثير من متابعي الشيخ، بالشكر والامتنان له على هذه اللفتة الإنسانية السامية والكريمة والتقدير الذي أظهره للفن والفنانين بشكل عام.

فيما أثار ظهور الفنان يوسف فوزي البالغ من العمر 74 عاماً، جدلاً واسعاً في مصر وحملة تضامن معه حيث ظهر بحالةٍ متقدمة من مرض «شلل الرعاش»، في لقاءٍ مصور نشرته إحدى الصحف، برر فيه اعتزاله الفن منذ إصابته بالمرض، وقال: «منذ ذلك التاريخ قدمت إليه 10 عروض وصفها بالصغيرة»، يجسد من خلالها دور «مريض شلل الرعاش»، لكنه رفضها لأنّه لا يريد الظهور بهذا الشكل بعد هذا العمر.

وبعد نشر الفيديو، برز اسم الفنّان يوسف فوزي بين المواضيع الأكثر انتشاراً على «تويتر» في مصر، حيث نشر المصريون عشرات التغريدات وحملت الكثير من التعاطف.

ولم يقف الأمر على أبو زهرة وفوزي، ولكن هناك نجوماً آخرين يعانون الاستبعاد الكامل من الأعمال الفنية، وأبرزهم الفنان حسن يوسف الذي يعيش حالة حزن كبيرة، حيث لا يطلبه أحد في أعمال منذ نحو ثلاث سنوات، ويعاني حالة التهميش ذاتها.

وينضم للقائمة الفنان محمود قابيل، الذي توقف سنوات طويلة عن العمل الفني بسبب عدم عرض أعمال عليه، وتفرغ لحياته الخاصة ولبعض الأعمال التجارية التي يملكها، ومنذ سنوات اختفى أيضا سمير صبري من الوسط الفني، وقال المقربون منه إنه يعاني استبعاداً من صناع الفن، ولكنه يرفض أن يتحدث في الموضوع، ويرى فيه حساسية شديدة.

فيما اختفت النجمة صفية العمري بسبب عدم عرض أعمال فنية عليها، ولم تظهر منذ سنوات على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة، كما لم تعد ضمن حسابات الوسط الفني بدون أسباب.

واستغاثت الفنانة نجوى فؤاد بنقيب الممثلين المصريين أشرف زكي، لأنها تعاني سوءاً في أحوالها المعيشية، وتحتاج إلى العمل، وهناك فنانون غيرها كثيرون لا يجدون من يهتم بهم أو يسأل عنهم.

 

المشكلة ضخمة

ومن جانبه، قال الناقد السينمائي نادر عدلي إنه ليس هناك أزمة في تشغيل كبار الفنانين فالمشكلة في مصر تختلف اختلافا كليا وجزئيا عن السينما الأميركية، حيث إن كبار النجوم هناك ما زالوا يعملون في أدوار ليست البطولة ولكنها أدوار ثانوية أو ضيف شرف للفيلم لاستخدام أسماء هؤلاء النجوم للترويج للفيلم لاستقطاب جمهور هؤلاء النجوم، لأن السينما هناك تجارية، لكن في مصر المشكلة ضخمة جدا والسبب في ذلك أن كل من يشتكي من قلة العمل الآن أصلا نجوم تلفزيون وليسوا سينمائيين، ولاحظ معي الأسماء: عبد الرحمن أبو زهرة وأسامة عباس وغيرهما من الأسماء. لكن أزمة يوسف فوزي تختلف تماما عن غيره فهو يعاني المرض وهنا المجازفة ففرض أدوار لشخص مريض أمر غاية في الصعوبة نتيجة مرضه الذي يفرض عليه عدم الالتزام أو الحضور بصفة مستمرة، والعمل التلفزيوني يختلف عن العمل في السينما، رغم أن هؤلاء النجوم تعاملوا مع شاشة التلفزيون بحرص شديد حيث يختلف جمهور التلفزيون عن جمهور السينما التي يشاهدها فئات بعينها من الأعمار وأغلبهم من الشباب وبالتالي هذا الجمهور يريد أن يشاهد نفسه وقضايا جيله في نفس الوقت من يقوم على الأعمال الفنية الآن مخرجون شباب وهم أدرى بقضايا جيلهم.

وأكد عدلي على أن النجم هو من يخلق لنفسه فرصة عمل والدليل على ذلك أن الفنان حسين فهمي ظهر في أدوار ثانوية في الأيام الماضية، وكذلك الفنان محمود حميدة وأكثر فنان تعامل مع أزمة السن هو الفنان فريد شوقي عن طريق التطوير وتغيير التعامل مع الأدوار السينمائية ولذلك ظل شوقي طول حياته لم يختف من السينما أو التلفزيون والأكثر تعاملا مع الأزمة هو الفنان عادل إمام وهو يتعامل ويتنقل في الأدوار وخلال الـ15 سنة الأخيرة حصل على البطولة بشكل آخر محتفظا لنفسه بالدور الرئيسي من خلال 4 شباب يتم العمل معهم في جميع أعماله وهو يمثل دور الكبير، لذلك لم يمنع جمهور الشباب من أن يرى البطل المحبوب لديه وفي نفس الوقت لم يحرم جمهوره منه، ومن أجل ذلك يظل عادل إمام الأكثر تسويقا عند المنتجين، من هنا يكون دور الفنان في الظهور من خلال الأدوار التي يتطلبها سن وتواجد الفنان. وعلى سبيل المثال دور نور الشريف في فيلم «مسجون ترانزيت» وهو دور ثان لكنه محوري، وهنا شعر نور بأن عجلة الزمن تدور وبالتالي لا بد من التنوع.

فيما هاجم عدلي ما تقوم به النقابات الثلاث للمهن التمثلية أو الفنية أو الموسيقية من فرض أسماء بعينها على المنتجين للعمل في السينما أو غيرها، معتبر أن ذلك الأمر لا يحدث في أي نقابة في العالم، وأن دور النقابة مقتصر على العلاج والمعاش وأن من فرض هذا الأمر وجعل النقابات تقوم بدور الحكومة في توظيف أعضائها هم النقباء الذين تقلدوا هذا المنصب حيث إن معظم اللوائح تنص على أن دور النقابة هو الدفاع عن أعضائها.

 

كبار السن

 واعتبر الناقد السينمائي عصام زكريا أن ما يحدث في أزمة كبار السن من الفنانين هي حالات فردية لا تصل إلى أزمة جماعية لدى الفنانين، وهناك أمور عديدة تتسبب في ذلك ترجع إلي نسيان الفنان وابتعاده عن الأضواء ليتراجع ويسقط من الحسابات وعدم وجوده في وكالات الفنانين والتي تلعب دورا مهما في الاختيار، وكذلك الريجيسير وهذا الأمر طبيعي، أيضا السوشيال ميديا تلعب دورا كبيرا في هذا الأمر. وفي نفس الوقت لا تستطيع النقابة فرض الأسماء على المخرجين، ففي النهاية الاختيارات تتم عن طريق المخرج أو المنتج والمهم في الأمر هو التواجد في وقت الاختيار خصوصا كبار السن من الفنانين الذين يتسبب السن في عدم وجودهم وقت الاختيار أو الغياب عن السوشيال ميديا والتي تقوم بدور كبير في تواجد الفنان على الساحة الفنية.

وأكد عصام أن «الشللية» تلعب دورا مهما في اختيار الفنانين للعمل وليس ضروريا أن يكون هذا النظام خطأ لكن هو عبارة عن مجموعة تعمل في الأعمال الفنية مترابطة مع بعضها البعض، يتوافر بينها الانسجام والتوافق ولا توجد خلافات فيما بينهم والراحة النفسية تلعب دورا في هذا الأمر لأن الفن عمل جماعي في الأصل و«الشللية» في الفن موجودة طول الوقت وهذا الأمر حسن ومن الممكن أن يكون سببا في تعطيل فنان عن العمل، لكن الأمور في الفن لا تحسب بالموهبة فقط، فعدم الالتزام بالمواعيد والأجر العالي يعوقان الفنان، بخلاف أنه من الممكن أن تكون الأدوار التي تعرض على الفنان لا تتناسب في رأيه مع تاريخه، والمرض كذلك من الأسباب التي تغيب الفنان.

 

غياب الفن

وكشف أحمد السماحي الناقد الفني عن أن هذه الأزمة لا تتوقف عند الفنانين فقط بل تأثر بها كتاب السيناريو والأدباء وعلى سبيل المثال كرم النجار، ومحمد جلال عبد القوي، وغيرهما من كبار المبدعين الذين تمتعنا بفنهم ويرجع ذلك إلى الظروف وزمن المبدع، حيث يتأثر الأمر بالأجيال والشباب بخلاف الموضوعات التي تقدم في أعمال سينمائية أو درامية والتي تظهر كبار الفنانين في أدوار ثانوية وبسيطة جدا. في نفس الوقت من الممكن أن لا يسمح العمل بوجود هؤلاء ومن هنا يظهر دور النقابة الإيجابي لتوفير فرص العمل، وهنا الأمر متعلق بتاريخ الفنان وليس من المعقول أن يقوم فنان بقامة عبد الرحمن أبو زهرة بدور ثانوي رغم تاريخه الطويل في المسرح والدراما والسينما هذا الأمر يصعب عليه في نفس الوقت تتحكم أهمية الدور في اختيار الفنان للقيام به.

وأكد السماحي على أن هناك بعض الفنانين يقومون بأدوار ثانوية أو الظهور في مشهد واحد مجاملة للمنتج أو المخرج ولا يتقاضون عنه أجرا والأمثلة على ذلك كثيرة ومن هنا وجبت الإشارة إلي أن الأجر لا يتحكم في غياب الفن أو وجوده، فبعضهم يتقاضي الأجر عن اليوم وليس على مجمل العمل، وهنا الأزمة في جيل الكبار فقط في كل أنواع الإبداع وغياب يسري الجندي، وأبو العلا السلاموني، والمخرجة إنعام محمد علي، ورباب حسين، كل هؤلاء غيابهم دليل على ذلك، فهم لا يعملون. وفي نفس الوقت لعبت السوشيال ميديا دورا في زيادة هذه الأزمات وإظهار عيوب المجتمع.


مقالات ذات صلة