ثروات قادة حماس... ثراء مشروع أم متاجرة بالقضية؟

الغزاويّون محاصرون والقادة يتنقلون بطائرات خاصة
طائرة خاصة لإسماعيل هنية 

بيروت: بعد 14 عاما على الانقلاب الدموي الذي نفذته حركة حماس في قطاع غزة، والذي أدّى إلى سيطرتها على القطاع وإخراج حركة فتح ومنظمة التحرير من غزة والانتقال إلى الضفة الغربية، تعيش غزة القابعة تحت حكم حماس في عزلة وواقع مرير يحكمه الحرمان والفقر والفساد والاستبداد والقمع، وأوضاع اقتصادية واجتماعية يمكن وصفها بالمأساوية، بحسب تقارير دولية.

إذ إن الفساد وسوء إدارة المال العام أحد أكثر المواضيع إثارة للجدل في الأراضي الفلسطينية بشكل عام وفي قطاع غزة تحديدا، فالاتهامات باستغلال النفوذ وتبديد الأموال العامة تطال قيادات حركة حماس المسيطرة على المشهد هناك، حيث إنّ الأخبار والمعلومات التي تسرب بين الحين والآخر تظهر الفجوة الكبيرة بين أنماط عيش القيادات والمسؤولين من جهة وغالبية المواطنين من جهة ثانية. وهذه الفجوة تظهر كيف يعمل هؤلاء القيادات على استغلال القضية الفلسطينية كمصدر ربح وثراء، وجعلتهم من أصحاب الثروات والممتلكات العقارية التي تقدر بمليارات الدولارات، بسبب الانتفاع وسوء الإدارة والفساد.

رئيس مكتب العلاقات الدولية لحركة حماس، موسى أبو مرزوق (Vladimir Trefilov)

ثراء وتراكم ثروات

حماس التي تقدّم نفسها كحامية لحقوق الفلسطينيين، طالتها اتهامات بالفساد، وصنفتها «فوربس» بالمرتبة الثالثة في قائمة أكثر الحركات الإرهابية ثراء، بمداخيل سنوية تزيد على 700 مليون دولار عام 2018.

وبرزت أسماء قيادية في حماس راكمت ثروات كبيرة عبر استغلال أموال المساعدات الدولية والتبرعات الموجهة لقطاع غزة، ومن بين هذه الأسماء تحدثت تقارير عن كل من خالد مشعل وموسى أبو مرزوق وغيرهما.

ووفقاً لتقرير منظمة الشفافية الدولية 2019، بلغت نسبة الفلسطينيين الذين يرون أن الفساد قد تفاقم في بلادهم خلال السنة الماضية 62 في المائة، ووصلت نسبة الأشخاص الذين يرون في الفساد مشكلة كبيرة هناك 75 في المائة، ووفقاً للتقرير، فإنه وفي فلسطين «يرى تقريباً مواطن من بين كل مواطنين اثنين أن معظم النواب أو كلهم متورطون في الفساد».

سهى عرفات: الإسرائيليون اغتالوا كل البدائل

ممارسات حماس لم تعد مخفية، فالفضائح والتقارير التي تحدثت عن استغلال حماس لأموال التبرعات باتت كثيرة، الأمر الذي هز ثقة الفلسطينيين في قيادة الحركة وشعاراتها «النضالية»، على غرار قضايا التلاعب بالمساعدات الدولية مثل فضيحة المنحة العُمانية المخصصة لإعمار عدد من المنازل المدمرة في قطاع غزة، وقضية تزوير كشوفات الحج التي طالت وزير الأوقاف الأسبق إسماعيل رضوان، حيث مرّر اسم نجله أنس ضمن المكرمة الملكية السعودية لحجاج فلسطين.

* أكثر من 1700 من قيادات حماس حققوا ثروات طائلة، وأصبحوا يملكون الملايين من تجارة الأنفاق

كما شن صهيب يوسف نجل القيادي في حماس حسن يوسف، هجوماً حاداً على الحركة التي عمل فيها لسنوات طويلة من الضفة الغربية وتركيا، قائلاً إنها فاسدة وتتجسس لصالح إيران مقابل الأموال. وفي وقت سابق تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو لعيد ميلاد نجل القيادي في حركة حماس غازي حمد، والذي تميز بأجواء بذخ لافتة في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة في غزة.

 

بالأرقام... ثروات قيادات حماس

بعد سيطرة حماس على قطاع غزة عبر انقلاب عنيف عام 2007، تلقت حماس أموالا طائلة من الدول الإسلامية كتبرعات لتسيير شؤون الحكم في القطاع. كذلك قامت الحركة بإطلاق حملة ضخمة لجمع الأموال في الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة وأوروبا، درت على حماس مئات الملايين من الدولارات التي مرت عبر الدكتور موسى أبو مرزوق، الرجل الثاني في الحركة، والذي كان يشغل في حينه منصب رئيس المكتب السياسي لحماس. وتفيد وثائق لإحدى المحاكم الفيدرالية بولاية تكساس الأميركية مؤرخة في عام 2003 بأنه تمت إدانة أبو مرزوق بتحويل أموال غير شرعية إلى كل محافظات الضفة الغربية بدءا من محافظة جنين الشمالية وانتهاء بمحافظة الخليل الجنوبية، علما بأنه منذ تسعينات القرن الماضي وخلال كل عام مالي قام بتحويل ملايين الدولارات بدعوى أنها مخصصة للشؤون الاجتماعية ومشاريع الإغاثة، ولكنها في الواقع استخدمت في تعويض عائلات الانتحاريين وإعادة تأهيل المقاتلين الجرحى والمقعدين. وبفضل هذه التحويلات المالية وعلى مر سنين كثيرة، أصبح أبو مرزوق يسيطر على أصول واستثمارات كبيرة، يبلغ مجموعها ما يزيد على ملياري دولار.

وبحسب ما نشر في القناة الثانية الإسرائيلية فإن أبو مرزوق يملك 10 مؤسسات مالية تعطي قروضًا وتجري صفقات مالية، ويقول خبير إسرائيلي، إنه رغمَ اعتقال أبو مرزوق في الولايات المتحدة سنة 1995 على خلفية أعمال داعمة للإرهاب، لكنه ما يزال يحتفظ بثروته. 

وبعد اعتقال أبو مرزوق عام 1995، بدأ خالد مشعل بالسيطرة على أموال الحركة، وخلال السنتين اللتين أمضاهما أبو مرزوق وراء القضبان والأسلاك الشائكة تم تعيين مشعل رئيسا للمكتب السياسي لحماس، وهو المنصب الذي جعله مشرفا وحيدا على أموال حماس. وحتى الإفراج عن أبو مرزوق من السجن في عام 1997، راجع مشعل شخصيا أكبر عدد ممكن من القادة العرب والمسلمين بهدف تضخيم ميزانية الحركة.

وخلال الفترة التي أمضاها في دمشق، بين عامي 1999 و2012 أسس مشعل قنوات جديدة لجمع الأموال، أدت به إلى جمع ثروة لا تقل عن تلك التي يملكها أبو مرزوق، علما بأن الجانب الأكبر منها تم استثماره في مصارف مصر ودول الخليج، فيما استُثمر الباقي في المشاريع العقارية، حيث يملك مشعل شركة خاصة بالعقارات مقرها الدوحة، قامت مؤخرا بإنشاء أربعة أبراج سكنية ومتجر ضخم يشغل عشرين طابقا ومشاريع أخرى مسجل جميعها بأسماء أبناء عائلته.

أمّا بالنسبة لإسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي الحالي لحماس، فتقدر أمواله بما لا يقل عن 4 ملايين دولار، مبلغ لا بأس به خاصة أنّ هنية ترعرع في مخيّم الشاطئ للاجئين، الذي يعاني أغلب سكانه من البطالة والفقر. وبحسب المعلومات فقد سجل هنية أغلب أمواله باسم صهره نبيل، وباسم أبنائه وبناته. لهم بيوت في مناطق عقارات معتبرةٌ في القطاع، يُقدّر كل بيت فيها بمليون دولار، على الأقل.

* على مدار حكم حركة حماس لقطاع غزة خلال الـ15 سنة الماضية مارست حماس كل أساليب القمع ضد المعارضة السياسية لها

وما يثير الريبة بحسب المتابعين أنّه قبل فوز حماس في الانتخابات عام 2006، لم يكن هنية عضوا بارزا في التسلسل الهرمي لحماس، والآن، أصبح مليونيرا، وهو الذي كان ينتمي لعائلة من اللاجئين في مخيم الشاطئ للاجئين في شمال قطاع غزة. وبحلول عام 2010، اشترى هنية قطعة أرض في حي الشاطئ تقدر بنحو 4 ملايين دولار، وبعد ذلك اشترى العديد من الممتلكات وسجلها باسم أولاده.

وفي وقت سابق تم القبض على نجل هنية أثناء محاولته دخول غزة عبر معبر رفح الحدودي بالملايين من الدولارات النقدية والتي زعم أنها نقد لحماس. وتزعم بعض المصادر أن هنية بالإضافة لبعض أعضاء حماس «المافيا»، استفادوا شخصيا من ضريبة الـ20 في المائة المفروضة علي جميع السلع المهربة عبر مئات الأنفاق التي بنتها حماس والجماعات الأخرى. 

 مليونير آخر، هو أيمن طه، الذي حسبما يقول نفس الخبير: «كان فقيرًا من مخيّم البرج للاجئين، لكنه بنى مؤخرًا بيتًا في مركز القطاع والذي يساوي مليون دولار. لقد كان مسؤولا عن التنسيق بين الجهات الخارجية وحماس في القطاع، ولم يكن حتى مسؤولا كبيرًا، لكنه كان من بين أُصحاب الملايين».

 الفلسطينيون يعيشيون في فقر مدقع (وكالة الأناضول) 

ولكن هل يستفيد ابناء غزة من أموال الدعم الخارجي؟

في هذا السياق يجيب الناشط السياسي عزيز حمدي (اسم مستعار) لـ«المجلة» بأنّ أموال الدعم الخارجي لا تذهب بمجملها لحركة حماس، بل يأتي جزء منها عن طريق مؤسسات محلية أو عن طريق وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين. ونسبة الاستفادة الشعبية من هذه الأموال ضئيلة جدا لأنها لا تصرف ولا توزع وفق الحاجة وكثير من الشكاوى والاعتراضات تأتي ضد الجهات المنوط بها توزيع هذه الأموال أو المساعدات وهي في الأغلب تأتي في نطاق مساعدات غذائية أو طبية. 

* حماس في غزة ستحصد أصوات أنصارها فقط، فقد خسرت أصوات من تعاطف معها في انتخابات 2006

وعن الاتهامات ضدّ قيادات حماس الذين تحولوا إلى أثرياء يقول حمدي: «حماس تتلقى دعما ماليا مباشرة من جهات بعضها معلوم وبعضها غير معلوم وأيضا تستطيع الحصول على الأموال من خلال الضرائب التي تفرض على المواطن في غزة. ولكن بالنظر إلى قيادات حماس قبل 2006 وبعد 2006 يرى الجميع دون أدني شك مظاهر البذخ على قيادات حماس وأبنائهم الذين هاجروا إلى قطر وتركيا وأقاموا فيها مشاريعهم الخاصة والاستثمارية، فأغلب أبناء قيادات حماس خرجوا من غزة للاستقرار في الخارج. هذا البذج يضع عشرات علامات الاستفهام في ظل حالة الحصار المفروضة على قطاع غزة... الجميع يعلم أنّ حركة حماس تتلقى تمويلا قطريا وإيرانيا، بالنسبة للتمويل القطري لحركة حماس فقد ساعد الحركة على حكم قطاع غزة وتكريس حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي بتمويل حركة حماس ما يساعدها على القيام بمهام الحكم. وأغلب المشاريع القطرية التي أقيمت في قطاع غزة وظفت لخدمة حركة حماس وأنصارها، جزء من التمويل القطري وهو عبارة عن منحة 100 دولار شهريا تذهب لبعض الفئات في المجتمع الغزي جزء منها مرتبط بحماس. أما مصدر تمويل حماس الأساسي للقيام بمهامها في غزة فهو الضرائب الباهظة التي تفرض على المواطن الفلسطيني في غزة».

محامي الأهالي لـ«المجلة»: تهجير سكان حي الشيخ جراح الفلسطيني جريمة حرب

أساليب حماس للسيطرة على الأموال

الناشط السياسي حمزة المصري الذي هرب من قطاع غزة بعد تعرضه لتهديدات ومحاولة قتل، إضافة إلى الاعتقال أكثر من مرّة بسبب محاولاته التدقيق وراء قيادات حماس للكشف عن فساد الحركة واستغلالها للقضية والمال العام، يؤكد المصري في حديث لـ«المجلة» أنّ حماس استخدمت العديد من الأساليب لتستحوذ على السلطة والمال في القطاع، فالحركة عمدت إلى «قرصنة أموال الغزاويين بقوة السلاح منذ احتلالها لقطاع غزة، ففي غزة كان هناك العديد من التجار الناجحين قبل عام 2007، ولكن عندما بدأ حكم حماس وكان المعروف أن الوضع المادي لكل قيادات حماس سيئ جدا، لذلك بداية تسلطوا على التجار الناجحين لتدميرهم وتوجيه التهم الباطلة لهم، حتى أصبحوا هم أصحاب رؤوس الأموال في غزة، لذلك حاليا كل التجار وأصحاب رؤوس الأموال في غزة تابعين لحركة حماس، ومن عصى يقبع خلف القضبان اليوم».

* بين قيادات حماس قبل 2006 وبعد 2006 يرى الجميع مظاهر البذخ عليهم وعلى أبنائهم الذين هاجروا إلى قطر وتركيا وأقاموا فيهما مشاريعهم الخاصة والاستثمارية

وأضاف المصري: «ثانيا، منذ تسلم حماس السلطة وكل الأراضي الحكومية في قطاع غزة تحولت من مشاعات وأملاك عامة إلى أملاك خاصة، وذلك عن طريق تشريع حكومة حماس بيع أملاك الدولة للموظفين الحكوميين التابعين لحركة حماس والذين لديهم رواتب متراكمة على الحكومة، وهذا الموظف يقوم بدوره ببيع هذه الأرض إلى تاجر ومن التاجر إلى قيادي في حركة حماس، وكل هذه العملية المتفق عليها جعلت من الأملاك العامة، أملاكا خاصة تابعة لقيادات حماس.

وأيضا استطاعت حماس أن تضع يدها وتمتلك كل المنتجعات السياحية والمولات التجارية، وبالطبع تسيطر الحركة على المردود المالي أو الأرباح، وأيضا في موضوع الجباية كل ما يدخل من معبر رفح تفرض عليه حماس ضرائب باهظة، فمثلا علبة السجائر التي تدخل عبر معبر رفح تباع في مصر بحوالي 4 شواكل، بينما في غزة تباع بـ22 شيكلا، ومثال ثانٍ مثلا غاز الطهي يباع في مصر بحوالي 10 شواكل، بينما في غزة بـ65 شيكلا، وهذا الفارق طبعا يعود إلى حركة حماس، الأمر الذي أنهك شعب غزة.

أما المساعدات التي تأتي من الخارج فهي تأتي عن طريق غسيل الأموال، أي عن طريق إدخال أجهزة إلكترونية وسيارات لأنها مسموحة بالدخول إلى غزة، ويتم بيعها بنظام التقسيط لأولادهم والتجار التابعين لهم. فهم باتوا اليوم يملكون كل التجارات في غزة، وعائلاتهم يعيشون رفاهية في قصورهم وسياراتهم الفاخرة إضافة إلي السفر والحياة الفارهة، كله على حساب الشعب في غزة».

وكشف المصري: «لا يكتفي قادة حماس بالاستحواذ على كل التجارات في القطاع، بل باتوا يعملون في تجارة المخدرات، وعدد الذين يتعاطون مخدرات في غزة تجاوز 200 ألف مواطن، ولو افترضنا أن كل شخص يتعاطى غراما واحدا من المادة المخدرة في اليوم، فنحن أمام طنين من المخدرات تدخل يوميا إلى قطاع غزة، وهذا يطرح تساؤلا عن كيفية دخول هذه المادة إلى قطاع غزة، وحماس تسيطر على الحدود والمعابر التي تفصل القطاع عن محيطها، وهذا ما يطرح تساؤلات عن كيفية دخول هذه المواد إلى داخل القطاع وما هو دور حكومة حماس وقياداتها من إدخال المخدرات إلى الداخل».

خالد مشعل 

شبكة الأنفاق 

في أغسطس (آب) عام 2014 قام مصور وكالة «رويترز» بجولة نادرة في أنفاق حماس والتي كشفت حينها عن الاستثمارات الهائلة التي وظفتها المنظمة في الإرهاب والفساد بدلا من النهوض بمستوى المعيشة للغزيين، خصوصا أن تجارة الأنفاق تدر أرباحا طائلة على مجموعة صغيرة من الغزيين المقربين من حماس، دون سواهم من أهالي القطاع الذين يئنون من الفقر والحرمان؛ فتجارة الأنفاق أو التهريب عبر الأنفاق من أساليب «الثراء» التي اتبعها قادة حماس، لتحقيق الأموال الطائلة التي يملكونها، وشبكة الأنفاق تم إنشاؤها أصلا للتهرب من المراقبة الحدودية المصرية والإسرائيلية. وقد استغل رئيس وزراء حماس إسماعيل هنية ووزراؤه في غزة هذه الأداة الاقتصادية ليباشروا السيطرة عليها بالقوى من خلال السيطرة التامة على السلع والبضائع التي يتم نقلها عبر أنفاق محافظته، لتخضع المنتجات الغذائية من لحوم أبقار ودجاج وإسمنت وأثاث ونفط وبنزين ومواد طبية لضرائب باهظة. فبواسطة سوق التهريب المزدهرة عن طريق الأنفاق، يقتطع المسؤولون حصتهم، وبحسب موقع The Inquisitr الأميركي فإن الرجل الذي يحرك الخيوط فيما يخص الأنفاق لن يكون أقل من رقم 2 في الإخوان المسلمين، خيرت الشاطر.

كما سبق وقال أحمد عساف؛ المتحدث باسم حركة فتح: «إن أكثر من 1700 من قيادات حماس حققوا ثروات طائلة، وأصبحوا يملكون الملايين من تجارة الأنفاق».

وأضاف: «حركة حماس تريد أن تحصل على مليارات الدولارات بحجة استخدامها في إعادة الإعمار، رغم أن الهدف الأساسي هو منح مهمة إعادة الإعمار لشركات يملكها قادة الحركة».

القضية الفلسطينية بين الاستقلالية وتعدد التبعية

قمع وخوف

يبدو أن سيطرت حركة حماس على الوسائل الإعلامية الفلسطينية دفعت بهذه الوسائل بعدم الدخول في تفاصيل الفضائح التي تخرج عن قيادات حماس بين الحين والآخر، فهي جاهزة دائما لتوصيف الوضع المأساوي في القطاع من الكثافة السكانية ومعدلات البطالة وسوء الأحوال المعيشية للسكان بصفة عامة، لكنها في الوقت نفسه تتجنب التحدث عن ثروة قادة حماس، فهي لا تجرؤ على الحديث في هذا الموضوع.

فالاعتقال والملاحقات القضائية طالت عدة ناشطين وصحافيين في السنوات والأشهر الأخيرة بسبب الكشف عن قضايا فساد هزت المشهد الفلسطيني، على غرار قضية الموقوفين في مظاهرات «حراكيين ضد الفساد» في رام الله، وملف الصّحافية الاستقصائية هاجر حرب التي تعرضت للملاحقة بسبب كشفها تورط قادة حماس في قضايا فساد.

وبرزت قضية ملاحقة حماس للصحافية هاجر حرب على خلفية نشرها تحقيقاً استقصائياً في يونيو (حزيران) 2016 حول تفاقم الفساد في ملف التحويلات الطبية للعلاج بالخارج.

وهذا ما يؤكدّه المصري؛ فالقمع والاستبداد أسلوب اتبعته حماس منذ دخولها القطاع «ففي عام 2007 قتل على يد حماس ما يقارب 470 وأصيب ما يقارب 1200 شاب، وأيضا قتل داخل زنازين حماس أكثر من 12 شابا، إضافة إلى أرقام كبيرة من الذين يتم تعذيبهم بشكل يومي داخل الزنازين».

* منذ تسلم حماس السلطة وكل الأراضي الحكومية في قطاع غزة تحولت من أملاك عامة إلى أملاك خاصة

وتابع: «أي شخص ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي انتقادا لحكومة حماس يتعرض بشكل مباشر للسجن، ويتعرض لكل أنواع التعذيب، ومن أبرز أساليب التعذيب الباص، وهو وضع المعتقل على كرسي لمدة 7 أيام من دون السماح له بالتحرك، وأيضا تعذيب السجين عن طريق وضعه في مدفن تحت القبو، لمدة يومين دون أن يرى النور، ومنعه من النوم والأكل، إضافة إلى التعذيب بالكهرباء، وكيله السباب، والتعذيب النفسي والسيطرة على جوال المعتقل لاستخدام علاقاته الشخصية والخاصة في ابتزازه خلال التحقيقات، فكل هذا يدفع العديد من الشباب إلى السكوت عن ممارسات حماس، خصوصا بعد تعرض الكثير منهم للاعتقال والسجن وجميعهم يخرجون من معتقلات حماس بأمراض جسدية ونفسية من شدّة التعذيب الذي يتعرضون له». 

 بحسب تقرير للأمم المتحدة، الفلسطينيون الفقراء يعيشون بقيمة 5 دولار يومياً (الصورة نشرتها الأمم المتحدة عام 2018) 

وأيضا هذا ما يؤكده حمدي، إذ يقول: «على مدار حكم حركة حماس لقطاع غزة خلال الـ15 سنة الماضية مارست حماس كل أساليب القمع ضد المعارضة السياسية لها، إن كان ضد حركة فتح الخصم السياسي الأول أو ضد نشطاء مستقلين نظموا حركات شبابية لإنهاء الانقسام أو للمطالبة بتحسين الوضع الاقتصادي... فحماس تعاملت مع خصومها بشدة تارة وبتخفيف بسيط تارة أخرى، بمعنى أن القمع كان مرهونا بتطورات المصالحة الفلسطينية والتجاذبات السياسية، ويمكن القول إنه لسنوات طويلة كان القمع هو العنوان العريض لسياسة حماس ضد خصومها وتحديدا فتح والنشطاء المستقلين والحركات الشبابية والمجتمعية في غزة، ولكن يلاحظ في الفترة الأخيرة انخفاض حدة القمع السياسي وهذا مربوط بخشية حماس من التقارير الدولية حول حالة حقوق الإنسان والحريات، ووصولها إلى قناعة طالما أن الانتقادات محصورة في مواقع التواصل الاجتماعي دون النزول إلى الشارع فلا مشكلة لديها مع هذا الأمر.. ولكن في حال حصل نزول للشارع في مظاهرات أو حركات تكون شرسة جدا في قمعها الأمني والسياسي مثل حراك (بدنا نعيش) في مارس (آذار) 2019 للمطالبة بالحصول على كهرباء ومعالجة قضايا البطالة والخريجين والدعوة لإنهاء الانقسام، ومنع إقامة مهرجان انطلاقة حركة فتح في يناير (كانون الثاني) 2019. الا أن الاعتقال السياسي كملف لم يغلق بشكل كامل.. وما زال في سجون حماس بعض المعتقلين السياسيين وتروج حماس أنهم متعلقون في ملفات أمنية وهذا ما تنفيه حركة فتح».

«الملفات الأمنية» هي التهمة الجاهزة لحركة حماس عندما تريد قمع أي ناشط، فتهمة العمالة شماعة تستخدمها الحركة لتبرير ممارساتها التعسفية مع معارضيها، إذ يؤكد حمدي أنّ «التعذيب موجود في سجون حماس ولا يمكن إنكاره، وأيضا قامت حماس بتنفيذ إعدامات من دون محاكمات خلال حرب 2014 وهذا موثق في تقارير منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية واعترفت به حماس.. وأيضا هناك شبهة حول خبايا مقتل أسير في سجون حماس يدعى عصام السعافين في مارس 2020 واتهمت عائلته حكومة حماس بقتله تحت التعذيب».

 

ولكن ماذا لو جرت انتخابات في قطاع غزة؟ 

«لا يمكن الإجابة القطعية على هكذا سؤال»، يقول حمدي: «ولكن من خلال استطلاعات الرأي قبل إلغاء الانتخابات التي كانت مقررة في مايو (أيار) الماضي. فإن حماس في غزة ستحصد أصوات أنصارها فقط، أي إن حماس خسرت أصوات من تعاطف معها في انتخابات 2006. جزء كبير من الشعب الفلسطيني محزب وبالتالي هو يصوت لحزبه حتى لو كانت سياساته خاطئة، ويبقى الرهان على الكتلة الصامتة لمن ستصوت؟ ولا أعتقد أن الكتلة الصامتة ستعطي حماس أو فتح في أي انتخابات قادمة، قانون الانتخابات الجديد هو القانون النسبي الكامل وفي هذا القانون لا يمكن لحزب الفوز بشكل كاسح ولا يمكن للفائز أن يشكل حكومة وحده، وبالتالي ستبقى حماس ضمن المشهد السياسي ومؤثرة في المشهد السياسي حتى لو لم تكن هي القوة الأولى في الانتخابات القادمة ولكن على صعيد غزة هي تضمن تصويت كتلتها الصلبة أما المتعاطفون معها في الانتخابات السابقة فقد خسرتهم بفعل سياساتها في حكم غزة».

بين الدعم العسكري من إيران والدعم المالي من قطر والذي يفترض أن يصل إلى جيوب الغزاويين، استطاعت حركة حماس أن تستحوذ على القرار العسكري والسياسي والمالي في قطاع غزة، فداخل القطاع المحاصر ممنوع على أي غزاوي أن يطلق رصاصة أو صاروخا باتجاه إسرائيل دون موافقة حماس التي تستمد قرارها العسكري من راعيها الإيراني، وعلى الصعيد السياسي والاقتصادي فإن الراعي للحركة هو الدولة القطرية والتركية، ليبقى أبناء غزة من دون راع ومغيث ينهي حصرية امتلاك حماس قرار الحرب والسلم والتفاوض والاقتصاد والقمع والاستبداد... 

حرب غزة تسقط كذبة حزب الله.. طريق القدس مقطوعة


مقالات ذات صلة