المغرب...3 عوامل رئيسية أدّت إلى انتزاع الحكم من «العدالة والتنمية»

عقد من الحكم اتسم بفشل في إدارة الحكم  
رئيس حزب العدالة والتنمية المستقيل سعد الدين العثماني (رويترز) 

الرباط: أطاحت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في المغرب بحزب العدالة والتنمية الإسلامي، وتصدّر حزب التجمع الوطني للأحرار الليبرالي نتائج الانتخابات بحصوله على 97 مقعدًا، بينما جاء الحزب الحاكم في الأخير بـ12 مقعدًا فقط، حسب ما أعلن وزير الداخلية المغربي، عبد الوافي الفتيت. وأصدر بذلك الحزب الخاسر بياناً تضمن استقالات بالجملة من الأمانة العامة، وفي مقدمتهم الأمين العام سعد الدين العثماني.  

وسمّى العاهل المغربى رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، رجل الأعمال وقطب قطاع الوقود المغربي، عزيز أخنوش، رئيسا للوزراء وكلّفه بتشكيل الحكومة المقبلة، وفقا لما ينص عليه الدستور المغربي، الذي يقضي بأنّه فور انتهاء الانتخابات والإعلان عن نتائجها، يقوم العاهل المغربي بتعيين رئيس الحكومة الجديدة من الحزب الحائز على الأغلبية البرلمانية، ويكلّفه بإعداد لائحة تضم مقترحات بشأن أسماء الوزراء الذين يشكلون الحكومة الجديدة. وهذا ما جرى خلال الأيام الماضية عقب الاستحقاق النيابي والمحلي الذي شهدته المملكة المغربية في الثامن من سبتمبر (أيلول) الجاري (2021)، وأفرز هزيمة مدوية لحزب العدالة والتنمية الذراع السياسية لجماعة الإخوان في المملكة المغربية، بعد أن كان متصدرا المشهد السياسي للبلاد منذ عام 2011؛ إذ إنه طبقا للنتائج التي أعلنها وزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت، فقد تصّدر حزب التجمع الوطني للأحرار (الليبرالي) نتائج الانتخابات، وذلك بعد حصوله على 97 مقعداً، فيما حل حزب الأصالة والمعاصرة ثانياً بـ82 مقعداً، ثم حزب الاستقلال ثالثاً بـ78 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية رابعاً بـ36 مقعداً، وحزب الحركة الشعبية خامساً بـ26 مقعداً، وحزب التقدم والاشتراكية سادساً بـ20 مقعداً، والاتحاد الدستوري سابعاً بـ18 مقعداً، وحزب العدالة والتنمية ثامناً بـ12 مقعداً، فيما حصلت الأحزاب الأخرى على 12 مقعداً. 

* قيادات حزب العدالة والتنمية الإسلامي تتبنى استراتيجية المظلومية 

ومن نافل القول إن الإخفاق الذي حل بحزب العدالة والتنمية كان إخفاقا مدويا لم يسبق أن مُنّي به في أية استحقاقات سابقة، إذ خسر الحزب ما يقرب من 90 في المائة من مقاعده في مجلس النواب (الغرفة الأولى)، بحصوله على 12 مقعداً مقارنة بـ125 مقعداً في انتخابات 2016، كما خسر أيضاً بلديات مدن كبرى. بل وصل الإخفاق إلى الحد الذي فشل فيه رئيس الحكومة نفسه، وهو الأمين العام المستقيل للحزب سعد الدين العثماني في الاحتفاظ بمقعده البرلماني ممثلا عن العاصمة المغربية الرباط. 

قيادات في حزب العدالة والتنمية حمّلت الأمين العام للحزب مسؤولية الخسارة

مؤشرات سابقة مهدت لخسارة الحزب الحاكم 

الحقيقة أن ما أفرزته هذه الانتخابات لم يكن مفاجئا، بل مؤشرات سابقة عدة كانت تشي بالهزيمة المتوقعة للحزب، ليس فقط من جانب مختلف القوى السياسية المعارضة له أو حتى من جانب استطلاعات الرأي التي جرت قبل الانتخابات، وإنما جاءت الدلائل من داخل الحزب ذاته برزت فيما روّج له الحزب من اتهامات لأطراف من السلطات المغربية وعلى رأسها وزارة الداخلية، بأنها مارست سياسات هدفت إلى التضييق على مرشحيه. كما عبر عن ذلك رئيس الحكومة سعد الدين العثماني في تصريحاته التي حملت اتهامات باستخدام المال وإقحام رجال السلطة في التأثير على المرشحين في إشارة إلى منسوبي وزارة الداخلية، وهو ما لاقى رفضا واسعا من جانب وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت الذي اعتبر أن مثل هذه التصريحات غير مقبولة لأنها تمثل تشكيكا في نزاهة وشفافية سير العملية الانتخابية؛ في حين أن هذه الانتخابات جرت في ظل رقابة دولية ومحلية نزيهة، حيث أعلن المجلس الوطني المغربي لحقوق الإنسان عن القائمة النهائية التي جرى اعتمادها في شأن مراقبة هذه الانتخابات، ضمت 19 منظمة وهيئة دولية، بينها سفارات معتمدة بالرباط وهيئات مدنية وسياسية، هذا بالإضافة إلى 4 آلاف و600 مراقب يمثلون 44 منظمة غير حكومية وطنية، إلى جانب المجلس الوطني لحقوق الإنسان نفسه.

 

ثلاثة عوامل رئيسية وراء هزيمة العدالة والتنمية 

تأتي الاتهامات المسبقة من جانب الحزب- كما يرى  بعض المحللين السياسيين المغاربة- كنوع من تبرير الهزيمة قبل وقوعها، واستباقا للأحداث قبل أن ينفضح أمره. فحاولت قياداته تبني استراتيجية المظلومية التي تمثل معاقل حركات وتنظيمات الإسلام السياسي بمختلف انتماءاته سواء أكانت ذات خلفية سنية، كما هو الحال في جماعة الإخوان وفروعها، أو شيعية كما هو الحال في إيران وأذرعها ووكلائها في المنطقة، إذ تتفق هذه التنظيمات التي تفشل دائما في تحمل المسؤولية في إلقاء التهم الجاهزة والمبررات المعلبة على الآخرين، ملتحفة برداء المظلومية والضحية، ومغلفة بسرديات المؤامرات والدسائس والمكائد التي تحاك ضدها في الخفاء. ولعل ما نشرته جريدة الأخبار المغربية في افتتاحيتها في الأول من سبتمبر (أيلول) الحالي، أي قبل الانتخابات بما يزيد على أسبوع، معنونة بـ«رقصة الديك المذبوح»، خير دليل في ما اعتبرته الصحيفة تمهيداً لهزيمة الحزب وعودته إلى حجمه الانتخابي الطبيعي، بعدما استفاد من عشر سنوات استغل خلالها الظروف الإقليمية والدولية لمحاولة الهيمنة على مؤسسات الدولة وأجهزتها، إلا أنه أخفق في ذلك، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء ثلاثة عوامل رئيسية: 

رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش (أ.ف.ب) 

الأول: فشل الحزب الذي هيمن على الحكومة لمدة عشر سنوات منذ ما عرف بالربيع العربي الذي اندلعت بداية أحداثه في الجارة التونسية لينتقل إلى المملكة المغربية التي نجح عاهلها في إدارة المشهد السياسي باحترافية عالية، من خلال التأكيد على احترام الإرادة الشعبية المغربية التي كانت قد انخدعت بخطاب الحزب المعبر عن جماعة الإخوان، حيث رفع الحزب شعارات براقة وطموحات سباقة لم يستطع في ضوء ضعف كوادره المهنية وخبراته السياسية أن ينقلها إلى واقع ملموس. إذ لم يخرج خطاب القوى السياسية المنافسة للحزب في هذه الانتخابات عن خطاب المواطن المغربي الذي تأكد لديه فشل حزب الجماعة في تحويل برامجه الانتخابية التي فاز على أساسها في الاستحقاقات السابقة إلى واقع ملموس. بل يمكن القول إن السنوات العشر الماضية كانت سنوات عجافا، زاد من تردي أوضاعها تفشي جائحة كوفيد-19، وكأنها القشة التي قصمت ظهر الحزب الذي ظل على مدار السنوات التسع الماضية عاجزا عن القيام بأية إصلاحات اقتصادية أو هيكلية بسبب نخر الفساد في جسد الحزب وحكومته؛ الأمر الذي كان له تداعياته على سمعة الحزب وكوادره أمام نظر المواطن الذي تردت ظروفه المعيشية، مع تزايد معدلات الفقر وانتشار البطالة بكافة أشكالها، وهو ما جعل تصويت الناخبين ضد الحزب تصويتا عقابيا على إخفاقاته المتعددة داخليا وخارجيا.

* خسارة قاسية لحزب العدالة والتنمية لم يسبق أن مُنى بها في أية استحقاقات سابقة 

الثاني: أزمة الحزب في بنيته الداخلية التي لم يستطع أن يُبعدها عن بنية الجماعة وخطابها «الدعوي» الذي استهدف دغدغة مشاعر المواطنين وكسب تعاطفهم ومساندتهم في مواجهة أنظمة الحكم التي كانت تعاني من أزمات عديدة. فالحزب خرج من رحم الجماعة الدعوية التي ترفض أن تترك وليدها يتحرك في الساحة السياسية بآلياتها، وإنما سعت إلى الهيمنة على توجهاته بل وتوظيفها إلى تحقيق مآرب القائمين على الجماعة في الوصول إلى السلطة. بمعنى أكثر دقة وتحديدا، الخلط الذي تتبناه جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان، بين الدعوي والروحي والأخلاقي من جانب، والسياسي من جانب آخر، في سبيل الوصول إلى السلطة، ما أوجد حالة من الانكشاف أمام المواطن الذي يدرك أهمية الفصل بين الدين والسياسة، وأن توظيف أحدهما لتحقيق الآخر يربك المشهد ويعقده بشكل يُدخل البلاد في أتون حروب أهلية وصراعات داخلية تفتح الباب لتدخلات أجنبية. وهذا ما ينطبق على حزب العدالة والتنمية الذي ظل يحاول أن يحافظ على مساحة من التباعد مع الجماعة الأم، إلا أنه أخفق كما حدث في مصر قبل ثورة 30 يونيو 2013، وما حدث في السودان بسقوط البشير عام 2019، وما جرى مؤخرا في تونس في 25 يوليو (تموز) 2021. وفى هذا الخصوص، تجدر الإشارة إلى أنه نتيجة لهذا الخلط ينظر الحزب إلى بقية القوى السياسية الأخرى نظرة استعلاء من جانبه والتبعية من جانب هذه القوى، الأمر الذي زاد من حالات الاستقطاب السياسي، على غرار ما حدث في الانتخابات السابقة عام 2016، إذ إن الفوز الذي حققه لم يمكنه من تشكيل حكومة قوية، بما دفع الحزب إلى تشكيل حكومة ائتلافية بعد إخفاق دائم عدة أشهر لم يتمكن خلالها عبد الإله بنكيران، من تشكيل الحكومة بسبب عدم التوافق مع أحزاب أخرى، وجرى إعفاؤه، وتكليف سعد الدين العثماني الذي سرعان ما انفرجت الأمور أمامه، فشكل ثانياً ائتلافاً للحزب، وهو ما أعطى مؤشرا أوليا على التراجع الذي مني به الحزب. ولكن، كعادة التيارات الإسلامية لا تستطيع أن تستقرئ الواقع وأحداثه بشكل صحيح. فما حدث في استحقاق اليوم كان نتاجا منطقيا وتطورا طبيعيا للمسار المنحرف الذي ينتهجه حزب العدالة والتنمية. 

* شعارات الحزب البراقة وطموحاته السباقة لم تطبق على أرض الواقع  

الثالث: تحولات البيئة الإقليمية والدولية في تعاطيها مع تيار الإسلام السياسي بعدما تزايدت إخفاقاته وضعف أداء كوادره في إدارة شؤون الدول التي وصلوا فيها إلى السلطة. فرغم هيمنة أنصار هذه التيارات على مؤسسات الدولة إلا أنهم أخفقوا في منع وقوع أزمات سياسية أفرزت تهديدات لمصالح الأطراف الدولية والإقليمية في المنطقة، ما جعل الرهان على هذه التنظيمات في ضبط الأداء داخل دول المنطقة، رهانا خاسرا. لتبدأ الأطراف الدولية الفاعلة في شؤون المنطقة تتراجع في مساندتها لهذه التيارات السياسية التي لم تستطع أن تبني مساحات من الجسور مع شركائها في الوطن من أنصار التيارات السياسية الأخرى. الأمر الذي أفقد تيارات الإسلام السياسي سنداً قوياً كان صاحب الفضل الأول في وصولهم إلى السلطة (في إشارة واضحة إلى اعتماد هذه التيارات على الدعم الخارجي أكثر من التوافق الداخلى). ولعل التقارب الأخير الذي أقدمت عليه حكومة سعد الدين العثماني مع إسرائيل كمحاولة أخيرة لاستجداء الدعم الخارجي في مواجهة التيارات المنافسة يؤكد على هذا التوجه لدى جُل هذه التيارات، إلا أن الوقت قد فات في ظل الإخفاق المتزايد للحزب في إدارة مختلف شؤون الدولة، فكانت خطوته حملا إضافيا على كاهله وكاهل حزبه في الاستحقاق الأخير. 

منتهى القول إن ما جرى لحزب العدالة والتنمية المغربي كان حلقة في حلقات الإخفاق التي مُني بها تيار الإسلام السياسي الذي رفع شعارات كبرى قبل أحداث ما عرف بالربيع العربي وأثناءها وما بعدها، حاول من خلال هذه الشعارات أن يغري المواطن العربي بأن الخروج من أوضاعه المتردية وتحسين ظروفه المعيشية لن يتأتى إلا إذا تمكن هذا التيار من الوصول إلى السلطة ليصلح ما أفسده السابقون. ولكن الواقع كشف زيف هذه الشعارات في مقابل حقيقة الطموحات والأطماع في الوصول إلى السلطة لبسط الهيمنة وتحقيق المصالح الذاتية والفئوية بعيدا عن أية مصالح وطنية جامعة، فكانت النتيجة المنطقية أن أسقط الشارع العربي كل هذه الوجوه الخادعة ليعيد التحامه مع مؤسسات دولته السياسية التي ظلت حافظة للاستقرار وصون الاستقلال بعيدا عن التدخلات الخارجية أو الإملاءات الأجنبية التي تمثل التنظيمات الإرهابية في المنطقة أحد أدواتها التنفيذية.