لبنان ينطلق نحو مفاوضة صندوق النقد بسلّة تعقيدات

حكومة ميقاتي الثالثة تفرمل الانهيار بخطوات متعثرة
رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي في قصر بعبدا الرئاسي، لبنان 10 سبتمبر 2021 (رويترز)
حكومة ميقاتي في صورة تذكارية (الحساب الرسمي لرئاسة الجمهورية)

بيروت: بعد مخاض عسير دام 13 شهراً، تشكّلت الحكومة الثالثة لنجيب ميقاتي، المؤلفة من 24 وزيراً، بعد حكومتي 2005 و2011. وتنطلق الحكومة اللبنانية العتيدة، الرابعة في عهد الرئيس ميشال عون، بخطواتها الأولى، متنقلة بين طوابير البنزين والدواء؛ وتتخبط في منافسة شرسة بين عدم استقرار ليرتها أمام العملة الصعبة المستخدمة في البلاد، الدولار الأميركي.
وتتوجه بحسب مسودة بيانها الوزاري، نحو مفاوضة صندق النقد الدولي، على أمل الدعم واستعادة الثقة من أوساط المؤسسات النقدية العالمية والمجتمع الدولي، بسبب فساد استشرى في أروقة إداراتها السابقة دام لسنوات، تخلّله عدم التزام بتسديد الحسابات، كما حصل مؤخراً عند تخلّف حكومة حسان دياب الأخيرة عن دفع سندات اليوروبوند.
في هذا السياق، يشرح محلّلون اقتصاديون لـ«المجلة» أنّ استئناف المفاوضات التي انطلقت مع البنك الدولي في مايو (أيار) عام 2020 مع البنك الدولي، قطعها خلاف داخلي وتناحر سياسي بعد شهرين من الانطلاقة؛ حينها طغى نقاش حول الخسائر التي سيقع على الدولة تكبدها والخسائر المترتبة على دائنيها الرئيسيين: البنك المركزي، والبنوك التجارية على وجه الخصوص. وهذا ما فاقم الأزمة لتطال معيشة اللبنانيين الذين يتخبطون اليوم بين عدم استقرار العملة الوطنية، وتضخم مفرط وشح يطال مواد رئيسية يرافقه تصاعد مخيف لكلفة الغذاء بلغت 700 في المائة. وبحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة، يعيش 78 في المائة من اللبنانيين حاليا تحت خط الفقر مقابل أقل من 30 في المائة قبل الأزمة.

حكومة ميقاتي تسير بين حقل ألغام


تتجول الحكومة «الثالثة» لميقاتي بين «شارع مصارف» فقد أمانته بين المودعين بعد أن أقرض الدولة كل ماله، لتوجّه نحوه الدولة نفسها أصابع الاتهام جرّاء الانهيار الحاصل. أمّا خارجياً، فتنطلق حكومة ميقاتي وحيدة على خط إيراني فرنسي بموافقة أميركية خجولة، إنما تمضي في عزلة عربية، فرضتها تحالفات خارجية من صلب سيادة لبنانية، تركت المواطن فيه وحيداً مسلوباً ومحجوباً عن أيّ حق.
يعلم ميقاتي أنّه لا يملك ترف الوقت ولا مساحة الكلام؛ وهو بذلك وعد بالتقليل من التصريحات والمباشرة في العمل. فهو يدرك حقاً أنّ لبنان لن ينتظر، فيما مواطنوه في حالة ترقب شديدة يسودها غضب وفوضى اجتماعية قد ينفجران في أي لحظة. لبنان، القنبلة الموقوتة، ربما تجاوز تهديدات الانفجار الأمني في الآونة الأخيرة، إنّما لا يزال مهدّداً اليوم بانفجار اجتماعي، تدفعه مكوّنات أساسية كافية لإطلاق شرارة الغضب، بعد أن فقد شعبه أمنه الصحي والمعيشي والغذائي وسط تشنج طائفي، وأزمة مالية، تحكمها إدارات متهرئة. هذا الغضب قد يشتعل في أي وقت في حال أتت الحكومة العتيدة بنتائج فاشلة كسابقتها الثلاث في العهد «القوي».
أمام حكومة ميقاتي وعهد عون مواجهة لا تقلّ شراسة عن خوض حرب وجودية. فلا حق «مسيحيا» قد يوقف العبث الأمني، ولا تعهدات باطلة بمكافحة الفساد تشفي غليل المواطنين بعد حرمانهم من أدنى حقوق قد ينالها أي مواطن.
اللبناني اليوم، حتى الموالي منه للأحزاب الحاكمة، يقف مترقباً، متابعاً، ومتربصاً أمام المجهر وعيناه نحو الأداء المتوقع لحكومة «الإنقاذ». عين على الأداء وأخرى على المحاسبة. حتماً، لن تُفرح أي لبناني تشكيلة استنسخت نفسها من المنظومة الحاكمة، حتى لو كانت من صلب انتمائه الحزبي، إن لم تعطه حقه وتعيد له كرامة سلبها الفساد وشرذمتها المحاصصة. بين حزبه وعائلته، حتماً لن يختار الأول؛ وبين حقه بالدواء والغذاء مقابل انتصار حزبه، لن يختار أي عاقل الأخير.
 يعلم ميقاتي أيضاً أنّ حكومته لن تكون قادرة على تأمين حلول «سحرية» تضع حداً لمعاناة اللبنانيين اليومية جرّاء تداعيات انهيار اقتصادي صنّفه البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ العام 1850؛ إذ يقع على عاتقها مواجهة تحديات كبيرة، أبرزها التوصل سريعاً إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي كخطوة أولى لإخراج لبنان من أزمته، التي تتسم بنقص السيولة وبنقص حاد في الوقود والكهرباء تنعكس على كل جوانب الحياة. كما أن عليها الإعداد للانتخابات البرلمانية المحددة في مايو 2022، والعمل على تحسين العلاقات مع الخارج، لا سيّما الدول العربية الشقيقة؛ وهذا ما وعد به الرئيس الجديد لحظة توقيع مرسوم تشكيل حكومته. وهو بذلك يتسابق مع الزمن في تحدٍ جديد داخل وطن منقسم المحاور، متعهداً بانتشال لبنان من أقوى أزمة عالمية غير مسبوقة حتى أبان حروب البلد المتأزم.
بين سوداوية الأزمات في البلد المتعثر، يرى مطلعون أنّ هناك مؤشرات انفراج سياسية واقتصادية، ولو خجولة، تتزامن مع تشكيل الحكومة. بالنسبة لهؤلاء، بدأت تظهر المعالم من خلال خط الغاز والنفط. بالمقابل، يرى محلّلون اقتصاديون أنّ أمام الحكومة تحد كبير، لإنعاش الاقتصاد المنهك، مشككين خلال حديث لـ«المجلة» بقدرة ميقاتي على التصدي لهذه المهمة في دولة أصبحت شبه متهرئة وفقدت ثقة المؤسسات النقدية العالمية.

البيان الوزاري ينعش المباردة الفرنسية


على خطى الرئيس إيمانويل ماكرون ومبادرته الفرنسية التي انطلقت عقب انفجار بيروت العام الماضي، أتت مسودة البيان الوزاري للحكومة الجديدة، أبرزها الشق المتعلّق بالإصلاحات الإدارية والمصرفية.
فقد أدرجت الحكومة العتيدة استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي على أجندة بيانها الوزاري، بهدف التوصل إلى اتفاق على خطة دعم تعتمد برنامجاً إنقاذياً قصيراً ومتوسط المدى، يتزامن مع المباشرة بتطبيق الإصلاحات في المجالات كافة. كما يتضمن البيان تعهداً بمعاودة التفاوض مع الدائنين للاتفاق على آلية لإعادة هيكلة الدين العام، وإيجاد أفضل طريقة لاستعمال الأموال المتأتية من حقوق السحب، إضافة إلى استكمال سياسة الإصلاح الاقتصادي التي تقدم بها لبنان إلى مؤتمر سيدر.
وتعهدت الحكومة في بيانها أيضاً بتصحيح وضع القطاع المصرفي وتنشيط الدورة الاقتصادية وضمان حقوق المودعين وأموالهم، علاوة على إقرار قانون الكابيتال كونترول ومتابعة تنفيذ قانون استعادة الأموال المتأتية عن جرائم الفساد.
كما شملت المسودة تعهدات لتدارك الانهيار المالي والاقتصادي، أبرزها إنجاز موازنة 2022 وتضمينها بنوداً إصلاحية مالية، ووضع خطة وتشريع قانون لمعالجة الأوضاع المالية والمصرفية، وتصحيح الرواتب والأجور، وإقفال المعابر غير الشرعية، والحد من التهرب الضريبي، والالتزام ببنود المبادرة الفرنسية، واستكمال خطة الإصلاح.
هذا، ويُحال البيان الوزاري إلى الأمانة العامة لمجلس النواب من أجل تحديد جلسة مثول الحكومة أمام المجلس لطلب الثقة على أساسه، في مطلع الأسبوع المقبل.

دعم لبنان من المؤسسات النقدية العالمية متعثر

يعيش المواطن اللبناني أجواء قلق وتخوّف من البدء بسير قرار رفع الدعم عن حاجاته الأساسية؛ هنا حيث يرى متابعون للشأن اللبناني، «الارتطام الكبير». إذ تم أخذ قرار رفع الدعم دون تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، فيما القطاعات الحيوية في البلاد متهرئة بمجملها.
وفيما يترقب اللبنانيون قروضاً خارجية تدعمهم وسط ظروف معيشية خانقة، يرى خبراء اقتصاديون أنّ الدعم شبه مستحيل. فللمؤسسات النقدية العالمية حسابات أخرى، على رأسها اشتراط حكومة إصلاح، وإجراء تدقيق جنائي يشمل أهم الملفات الساخنة في لبنان، أبرزها مصرف لبنان وقطاع الكهرباء، العنصران البارزان في خطوات لبنان نحو الانهيار المالي.

«المجلة» تغوص في رحلة اللبناني الكادحة بحثاً عن الدواء

حكومة الحد الأدنى

""الخبير الاقتصادي والمحلل لشؤون الشرق الأوسط  د. سامي نادر
الخبير الاقتصادي والمحلل لشؤون الشرق الأوسط  د.سامي نادر

وفي السياق، وصف الخبير الاقتصادي والمحلل لشؤون الشرق الأوسط، الدكتور سامي نادر، خلال حديث مع «المجلة»، الحكومة الجديدة التي أتت «بتوافق إيراني وفرنسي وموافقة ضمنية أميركية» بأنها حكومة الحد الأدني، لافتاً إلى أن لبنان متأزم بسبب سلطة تعيد إنتاج نفسها، «وهذه الحكومة نموذج»؛ متسائلاً إلى أي مدى تستطيع هذه السلطة أن تفتح صفحات جديدة وتطلق ورشة النهوض وتفرج عن المساعدات الدولية؟ في المقابل، شدد نادر على ضرورة إعداد ورقة مفصّلة وجدول زمني يوضحان كيفية صرف السحوبات الخاصة، محدداً مهمتين أساسيتين للحكومة:
-    أولاً، الانتخابات النيابية. «وبالتالي إيصالنا لاستحقاق دستوري مفصلي ومدخل حقيقي لفتح صفحة جديدة والبدء بورشة عمل الإصلاحات، وإعادة الاستقرار للداخل، لا سيّما بعد تعرّض البلد لخضات أرهقته».
-    ثانياً، مفاوضة صندوق النقد، والبنك الدولي على مرحلتين.
في المرحلة الأولى: الحصول على مبلغ قيمته مليار و600 مليون في إطار سحوبات خاصة يستفيد منها لبنان من صندوق النقد دون شروط؛ هنا، حيث تستطيع الحكومة الاستفادة دون شرط أو قيد في ما يتعلّق بالإصلاحات، ومبلغ آخر (240 مليون) خصصه البنك الدولي لتمويل البطاقة التمويلية لإغاثة العائلات الأكثر فقراً. كما لفت إلى قرض ثان قيمته 320 مليونا من البنك الدولي قُرر في باريس. واعتبر نادر أنّ هذا المبلغ قد يكون كافياً لإفراج أسارير الشعب، في حال استخدم بطريقة شفافة وصحيحة. «لو أنّ المبلغ لن ينقذ لبنان»؛ مشترطاً أن تدار هذه الأموال بطريقة شفافة وفعّالة، وعدم الوقوع في فخ الهدر كما جرت العادة. وأوضح نادر أنّ هذه الأموال يقدمها صندوق النقد لكل البلدان المشاركة فيه عشية الأزمات في إطار السحوبات خاصة.
وأوضح أيضاً أنّه يمكن من خلال هذه الأموال تمويل البطاقة وبناء معامل غاز، وتخصيص 400 أو 500 مليون لتغذية لبنان بالطاقة الشمسية لتوفير العجز على الكهرباء ورفع الضغط عن الليرة. كما يمكن توظيف المبلغ بالإنتاج والتصدير لإدخال دولارات للبلد، بحسب الخبير الاقتصادي، الذي أكد من جديد أنّ هذا المبلغ ليس كافيا لانتزاع البلد من الأزمة؛ «إذ نحتاج إلى 15 أو 20 مليار دولار بالحد الأدني للنهوض بالبلاد».
ولفت نادر إلى المرحلة الثانية، من خلال التوجه نحو صندوق النقد. هذه المرحلة التي تتضمن شروطاً، منها إعداد خطة اقتصادية متوافق عليها في الداخل اللبناني؛ لافتاً إلى تجربة أخيرة فاشلة مع صندوق النقد، لفقدان التخطيط، بسبب الانقسام السياسي الداخلي. وقال: «القوى نفسها لم تتفق في 2020 على تحديد الخسائر والخطة الاقتصادية. فهل ستتفق اليوم على كيفية توزيع الخسائر؟ فمفاوضة صندوق النقد تتطلّب توافقاً، لكن أشكك بالتوصل إلى اتفاق في ظل حكومة أعادت إنتاج نفسها من المنظومة الحاكمة».
هذا، واعتبر نادر أنّ مصادر تمويل البطاقة التمويلية جاهزة، لكن ما ينقص هو الإدارة الشفافة. «لذلك يفترض أن يساهم البنك الدولي بإدارة آلية عملية البطاقة كما حصل مع منصة كوفيد، التي نجحت بتوزيع اللقاح أيام الحكومة السابقة. كما شدد على ضرورة استخدام البطاقة إلكترونياً عبر التسجيل على المنصة الخاصة تجنباً لتحويلها إلى بطاقة انتخابات تتحكم بها الأحزاب الحاكمة تحضيراً للانتخابات النيابية المرتقبة العام المقبل.

لا ضمانة لمؤشرات إيجابية

"" الصحافية المتخصصة في الشأن الاقتصادي والباحثة في القانون المالي والدولي محاسن مرسل
الصحافية المتخصصة في الشأن الاقتصادي والباحثة في القانون المالي والدولي محاسن مرسل

الصحافية المتخصصة في الشأن الاقتصادي والباحثة في القانون المالي والدولي (جرائم مالية)، نصحت اللبنانيين بأن يحتفظوا بدولاراتهم وأن لا يقعوا في فخ لعبة الدولار. وقالت لـ«المجلة» إنّ لعبة الدولار يستغلها الصرّافون والمضاربون على العملة الوطنية عند انتشار أجواء إيجابية في كل مرحلة تقطع بها البلاد على صعيد التشكيل الحكومي. وتابعت: «كل المؤشرات الاقتصادية تشي بهبوط قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي»؛ فيما الأسعار لا تزال تخضع لحكم السوق السوداء دون أي رقابة؛ «فلا ضمانة لمؤشرات إيجابية، لا سيّما بضمانة ثلث معطل يحتفظ به فريق رئيس الجمهورية، سيعلن عنه في ما بعد».
وعن صندوق النقد، قالت مرسل إنّ متطلبات المؤسسات النقدية العالمية تشترط حكومة إصلاحات تجريها سلطة تنفيذية أصيلة، أي حكومة للتفاوض معها على برنامج إصلاحي يتم من خلاله منح القروض.
وتقع على أجندة لبنان، سلّة إصلاحات مطلوبة، تتطلّب البث فيها وتنفيذها، يأتي التدقيق الجنائي على رأسها. كما تشمل معايير أخرى تتعلّق بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإعادة هيكلة مصرف لبنان، وتحرير الصرف، وحل لتعددية سعر الصرف، وإصلاحات في قطاع الكهرباء الذي يتحمّل جزءاً كبيراً من أزمة لبنان.
وترى محاسن في هذا الإطار، أنّ هذه التعقيدات ستواجه المنظومة السياسية التي شكّلت الحكومة؛ فهل ستكون مهمة ميقاتي سهلة؟ هنا، أوضحت الباحثة في القانون المالي والدولي أنّ علينا الثريّث لوضوح آلية عمل الحكومة.
وفي ما يتعلّق بالبطاقة التمويلية التي تم إقرارها مؤخراً، لفتت مرسل إلى خلاف حيوي حول جهة التمويل، «حيث يفترض أن تموّن الحكومة جزءاً منها، فيما الجزء الآخر يتم تمويله من حقوق السحب الخاصة من صندوق النقد البالغة 860 مليون دولار»؛ كما يطغى خلاف آخر على المشهد، يتعلّق بآلية الدفع. فصندوق النقد والبنك الدوليين يشترطان الدفع بالدولار الأميركي للحفاظ على القوة الشرائية، فيما المصرف المركزي ينوي منحها بالليرة اللبنانية.
إلى ذلك، تقول محاسن: «يتعيّن على الحكومة عند طلبها تجيير القرض الذي كان مخصصاً للنقل العام لتمويل البطاقة التمويلية، التقيّد بمعايير البنك الدولي لناحية تحديد معايير الفقر؛ وهذا يعني العودة إلى نقطة الصفر لناحية إعداد البيانات وتنظيم آليات الإحصاءات، معتبرة بذلك أنّ «البطاقة بنيت على مؤشرات خاطئة، دون مراعاة لمعايير صحيحة أو مدروسة، كتحديد معايير الفقر المستندة على بيانات وإحصاءات دقيقة».

بعد قرار رفع الدعم في لبنان.. السلطة ترجئ الانفجار الشعبي

 


مقالات ذات صلة