تحذيرات مصرية من عواقب استمرار أزمة سد النهضة

بعد إعلان أديس أبابا إنتاج الكهرباء في العام الإثيوبي الجديد
سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

القاهرة: أطلقت مصر تحذيرات متواصلة وجادة في الآونة الأخيرة، حول ضرورة حل أزمة سد النهضة، والوصول إلى اتفاق قانوني عادل وملزم يحفظ حقوق جميع الأطراف. التحذيرات المصرية أتت بعد حالة من الهدوء في ملف السد، ووسط حالة من التعنت الإثيوبي ومواصلة التصريحات التي تؤكد استمرارها في نهج السير في اتخاذ الخطوات أحادية الجانب دون توافق مع دولتي المصب، والتي كان آخرها إعلان توليد الكهرباء من السد خلال العام الإثيوبي الجديد الذي بدأ منذ أيام، وهو ما يعتبر ضمن إجراءات تشغيل السد بطريقة أحادية ودون تنسيق مع دولتي المصب  مصر والسودان. وهذا ما قد يزيد من سخونة الوضع وإعادة أزمة سد النهضة إلى الواجهة من جديد، وذلك بعد مرحلة من الهدوء والطمأنينة، خلفتها الأوضاع الداخلية في إثيوبيا، والحرب الطاحنة بين الجيش الاتحادي، وقوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، والوضع الاقتصادي المتردي، والانتقادات الدولية المتواصلة لحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد على خلفية الأزمة الإنسانية في إقليم تيغراي.

 

 

* محاولة إثيوبيا توليد الكهرباء من السد هدفها سياسي ومعنوي

 

التحذيرات المصرية جاءت على أعلى مستوى سياسي في مصر من خلال تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقائه الأخير مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في قصر القاهرة، حيث جدد تحذيراته من عدم التوصل إلى حل عادل ومنصف لقضية سد النهضة، وبما يحقق مصالح مصر وإثيوبيا والسودان، وأن عدم حل الفضية من شأنه أن يؤثر بالسلب على أمن واستقرار المنطقة بالكامل، مؤكدا استمرار مصر في إعطاء قضية سد النهضة أقصى درجات الاهتمام في إطار الحفاظ على حقوق مصر التاريخية في مياه النيل باعتبارها مسألة أمن قومي بالنسبة لمصر. كما جدد السيسي تأكيداته خلال مؤتمر صحافي جمعه ونظيره القبرصي أناستاسياديس بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم لملء وتشغيل سد النهضة، وضرورة إطلاع المجتمع الدولي بدور جاد في هذا الملف حفاظا على استقرار المنطقة.

 

سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)

 

كما أتت التحذيرات المصرية أيضا على لسان وزير الخارجية سامح شكري خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب، مؤكدا أن إيجاد حل لأزمة سد النهضة يمكن أن يجنب المنطقة الانزلاق إلى وضع أكثر تعقيدا، وأن الحل يكمن في اتفاق ملزم وعادل يصون حق إثيوبيا في التنمية، ولكنه لا يأتي- بأي شكل من الأشكال- خصما من حقوق مصر والسودان المائية في نهر النيل؛ فاعتماد قواعد ملء وتشغيل السد عبر اتفاق الأطراف المعنية اتفاقا قانونيا ملزما سيجنب انزلاق المنطقة إلى مشهد أكثر تعقيدا لا تحمد عقباه ولا نرغب في الذهاب إليه. فهل تنجح التحذيرات المصرية في دفع بعض الأطراف الدولية للتدخل لحل الأزمة خاصة مع ما تبديه إثيوبيا من تعنت، وتصرفات أحادية كان آخرها التصريح بتوليد الكهرباء بشكل أحادي خلال أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؟ وهل يتم دفع إثيوبيا للقبول مرة أخرى بالعودة لمائدة التفاوض بحسن نية والوصول لاتفاق عادل وملزم؟ أم إن التحذيرات المصرية سوف تأخذ مجراها وتعود قضية السد إلى السطح من جديد مع ارتفاع حدة سخونتها؟

 

خطوة مرفوضة من مصر والسودان

إنّ إعلان إثيوبيا توليد الكهرباء خلال العام الإثيوبي الجديد ليس غريبا. فمنذ عدة أشهر وهم يشيرون إلى أنهم سيولدون الكهرباء من السد، في تصريحات مستمرة. وكان لديهم أمل في أن يتم ملء المرحلة الثانية في هذا العام، ولكن ذلك لم يتم.

إنّ عدم توليد إثيوبيا للكهرباء ليس بسبب تخزين المياه حسب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»، إذ أشار إلى أن «إثيوبيا قامت في العام الماضي بتخزين 5 مليارات متر مكعب من المياه وهذه الكمية تكفي لتوليد الكهرباء. وفي هذا العام تم تخزين 3 مليارات متر مكعب، وبالتالي المشكلة ليست في عدم وجود مياه مخزنة لتوليد الكهرباء، ولكن المشكلة الرئيسية في عدم جهوزية التوربينات لأسباب هندسية، بسبب أن التوربينين لم يتم تركيبهما، وإمكانية تشغيلهما غير متاحة إلى الآن». وأضاف أن «التصريحات التي أطلقتها إثيوبيا من أنها بصدد توليد الكهرباء خلال شهر أكتوبر القادم، سمعنا مثلها منذ عدة أشهر، فهل فعلا سيتم تشغيلهما خلال الشهر القادم؟ أم سيكون الحال مثل بقية التصريحات السابقة وسيستمر التأجيل؟ هذا ما سوف يتضح خلال الأيام القادمة، لأن العمل في التوربينات ليس مثل عمليات الملء والتخزين يمكن معرفته عن طريق الأقمار الصناعية، فهو عمل داخل جسم السد؛ ولذلك لا نستطيع معرفته إلا من خلال التصريحات الإثيوبية، أو الجهات المعلوماتية الأخرى التي لدينا». وتابع أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة: «نحن ننتظر التصريحات الإثيوبية التي اعتدنا عليها. وبصرف النظر سواء قامت إثيوبيا بتوليد الكهرباء، أم لا، فهذا لا يشكل أهمية كبيرة في المستقبل لأن خطوة التخزين والتشغيل دون اتفاق هي خطوة مرفوضة من مصر السودان، لأننا نقول إن التخزين والتشغيل لا بد أن يتم بناء على اتفاق، وجزء من التخزين قد تم. ولو تم التشغيل سيكون هذا جزءا آخر يضاف إلى التعنت الإثيوبي ويضاف إلى الأعمال الأحادية الجانب، وهو ما سوف يزيد من المشكلة، حيث إن المشكلة القائمة حاليا، هي التخزين دون اتفاق، ولو تم توليد الكهرباء سيكون «تخزينا، وتشغيلا» دون اتفاق، وتوربينا السد سوف يولدان حوالي 750 ميغاواط وهذه كمية غير كبيرة. وبما أنّ المستهدف من سد النهضة توليد حوالي 5 آلاف ميغاواط بعد إلغاء 3 توربينات، فقد تنخفض الكمية إلى 4 آلاف ميغاواط لعدم الكفاءة في التشغيل.

 

أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنه وجد «تفاهما مشتركا» مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بنيت حول سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأناضول)

 

* إنارة لمبة واحدة ستحسن صورة حكومة آبي أحمد بعدما وصلت شعبيتها إلى أدنى مستوياتها خلال الشهور الماضية

 

أهداف سياسية وراء إعلان توليد كهرباء السد

وقال شراقي: «محاولة إثيوبيا توليد الكهرباء من السد هدفه سياسي، ومعنوي. فمجرد إنارة (لمبة) واحدة من سد النهضة يكون رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قد حقق ما يصبو إليه».  وتابع: «بغض النظر عن حجم الكمية المتولدة من السد فهو يسعى لتحقيق دعاية تخدم أهدافه السياسية، ولتحسين صورة حكومتة أمام الشعب الإثيوبي خصوصا أن شعبيته وصلت إلى أدنى مستوياتها خلال الشهور الماضية حتى الآن، نتيجة تردي الأحوال الاقتصادية والحرب الأهلية في إثيوبيا، وهزيمة الجيش الإثيوبي أمام قوات جبهة تحرير تيغراي. فكل ذلك أضعف الحكومة أمام الشعب».

ورأى أنّه من الممكن أن تتسبب الأحداث الداخلية في إثيوبيا في تعطيل تشغيل السد وتوليد الكهرباء، كما أن تشغيل التوربينات متوقف على التوربينات نفسها فقط، وليس متوقفا على أعمال هندسية في السد والخرسانة، ولا على تخزين المياه؛ «حيث إن المياه موجودة ومخزنة منذ عامين، ويتبقى توربينان، يعانيان من مشكلات كبيرة، وتقوم بتركيبهما حاليا شركة «سيمنز» الألمانية، وغيرها من الشركات الأوروبية، فيما لا يقوم الجانب الإثيوبي بأي عمل في هذا المجال، حيث تم توزيع تركيب التوربينات على عدة شركات أجنبية بعد فشل الشركة الإثيوبية «ميتيك» التي كانت مسؤولة عن التوربينات، وتم التعاقد مع عدة شركات أجنبية إضافة إلى إقامة الصين لشبكات الربط الكهربائية. ورأى شراقي أنّ «العملية كلها تتمثل في تركيب توربينين فقط وهي ليست عملية كبيرة، وهما على مستوى منخفض. أما باقي التوربينات فهي على مستوى مرتفع، وهم يحتاجون إلى إنشاءات هندسية، وتخزين كميات أكبر من المياه». ولفت إلى أن تشغيل التوربينات «يأتي في صالح مصر والسودان حيث سيتم مرور المياه من خلال البوابات الخاصة بالتوليد الكهربائي، ومع ذلك فهذه الخطوة مرفوضة من كل من مصر والسودان لأن هذه الخطوة ستتم دون اتفاق».

 

تحذيرات مصرية وسط حالة من الهدوء وضبط النفس

تسود حالة صمت كبيرة في مصر حاليا على الرغم من إطلاق تحذيرات بضرورة حل أزمة سد النهضة. فهناك حالة كبيرة من ضبط النفس أيضا حسب شراقي، بحيث إننا لم نعد نسمع عن تلويحات وتهديدات باستخدام القوة العسكرية، ولكن على الرغم من ذلك فإن مصر تصدر بين الحين والآخر، وفي كل مناسبة، تحذيرات بضرورة حل الأزمة. وهذا ما يؤكد أن هدف مصر هو الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم. فيما لم تصدر عن  الرئيس السيسي خلال الآونة الأخيرة أية تصريحات شديدة اللهجة، أو تلميحات بقيام مصر بأي حل آخر غير التفاوض.

 

* حالة صمت كبيرة في مصر حاليا على الرغم من إطلاق تحذيرات بضرورة حل أزمة سد النهضة

 

* سواء قامت إثيوبيا بتوليد الكهرباء أم لا فهذا لا يشكل أهمية كبيرة في المستقبل، لأن التخزين والتشغيل دون اتفاق خطوة مرفوضة من مصر والسودان

 

ويرى شراقي أنّ حالة الهدوء وضبط النفس أتت نتيجة هدوء نسبي له عدة أسباب، أولها فشل إثيوبيا في التخزين الثاني، والذي ساهم في تأجيل التخزين في سد النهضة إلى عام آخر، وبالتالي مد أمد المفاوضات لمدة عام إضافي؛ وكأن التخزين هذا العام لم يتم، أو كأن لم يكن، وهو ما أعطى فرصة عام كامل يمكن استغلاله في العودة للتفاوض. فقد كانت المخاوف والخط الأحمر الذي كان سيحدث مشكلات كبرى هو أن يتم التخزين الثاني بواقع 13.5 مليار متر مكعب، إضافة إلى 5 مليارات تم تخزينها العام الماضي، فبالتالي تكون هناك صعوبة أمام مصر في استخدام عمل عسكري في مواجهة السد، ويتم تأزيم الأمور ولا يكون متاحا غير التفاوض فقط. لكن فشل التخزين يعطي فرصة لمصر في تنفيذ حلول أخرى غير التفاوض، حيث إن الكمية المخزنة حاليا لا تمنع من التفكير في استخدام العمل العسكري، على الرغم من تأكيدات مصر الدائمة على أهمية التفاوض. ومع ذلك، يعتبر شراقي أنّ «لدينا سيناريوهات مختلفة، إذ إن فشل التخزين ساهم في تهدئة الأجواء وخلق حالة من الاطمئنان، إضافة إلى الحرب الأهلية داخل إثيوبيا والتي قد تؤدي إلى تفكك البلاد مما ساعد أيضا على وجود حالة الهدوء في أزمة السد، إضافة إلى ارتفاع فيضان هذا العام إلى درجة أعلى من المتوسط بنسبة 25 في المائة، ومعنى ذلك أن فيضان هذا العام غطى العجز الذي تسببت فيه كمية المياه المخزنة والتي بلغت 3 مليارات متر مكعب، بل وزاد عنها. وبالتالي كل هذه العوامل ساهمت في خلق حالة من الهدوء».

وتابع: «كما أن إعلان الجزائر إمكانية التدخل للوساطة في حل الأزمة قد يسهم في حلحلتها، حيث إن الجزائر لها خبرة سابقة في التوفيق بين إثيوبيا وإريتريا عام 2000، إضافة إلى محاولات تونسية بالتنسيق مع مصر في مجلس الأمن لإصدار بيان بما تم في جلسة مجلس الأمن الخاصة بأزمة سد النهضة، لأن معنى عدم إصدار بيان في هذا الخصوص إطلاق يد مصر والسودان في إيجاد ما يناسبهما من حلول للأزمة».

رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد (رويترز)

 

* عدم توليد إثيوبيا للكهرباء ليس بسبب تخزين المياه ولكن لمشكلة فنية من حيث عدم جهوزية التوربينات

 

عودة التحذيرات المصرية لحدتها وسخونتها

التحذيرات المصرية موجودة ولو بشكل مخفف، بعد حالة من التوتر أعقبت التخزين بطريقة أحادية، والتي كانت ستأتي خصما من حصة مصر، حيث إن التوتر الذي أعقب التصريحات الإثيوبية قبل بدء محاولة الملء الثاني أصبحت غير موجودة الآن بعد فشل عملية الملء، وزيادة فيضان النيل. كما أن التحذيرات المصرية قد تعود إلى سخونتها وحدتها السابقة والتي تزامنت مع إجراء مناورات نسور النيل-1، ونسور النيل-2، ومناورات حماة النيل، وذلك في مارس (آذار) القادم تزامنا مع قيام إثيوبيا بتعلية الخرسانة في القطاع الأوسط من السد استعدادا للملء الثالث. وعلى الحكومة المصرية أن تتحرك بأقصى سرعة وعدم انتظار المواقف السودانية، أو الإثيوبية لأن مصر هي المتضرر الأول، وليس السودان أو إثيوبيا. فالأخيرة تسعى إلى إطالة أمد المفاوضات، لذلك على مصر سرعة التحرك للوصول إلى اتفاق، ومنع إثيوبيا من القيام بأي عمل هندسي في فبراير (شباط) القادم، لأنه في حال بدأت الأعمال الهندسية فهذا يعتبر تخزينا ثالثا، وهذا معناه أنها سوف تباشر التخزين ونحن في موقف المتفرج. وكي لا نكون في موقف لا نحسد عليه، ينبغي التحرّك اليوم لمنع إثيوبيا من القيام بعمل أي إنشاءات هندسية في الممر الأوسط، حتى الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم. وأمامنا فرصة زمنية لإتمام التفاوض حتى مارس القادم. بعد ذلك، وفي حال الوصول لاتفاق لن يكون من المهم ما تقوم به إثيوبيا من إنشاءات هندسية، طالما أن هناك اتفاقا يحفظ حقوق مصر المائية. فليس علينا الانتظار لشهر مارس حتى يتأزم الموقف، لأن التخزين الثالث يبدأ بوضع الخرسانة، وسيكون التخزين إجباريا، وسوف تبدأ أزمة سد النهضة في الصعود للواجهة ومرحلة السخونة مع توليد الكهرباء إذا تم خلال أكتوبر (تشرين الأول) القادم، لأنه سيكون تشغيلا للسد بدون توافق، أو في شهر مارس مع بدء الإنشاءات الهندسية في القطاع الأوسط من السد ووضع الخرسانة وسوف ندخل وقتها في أجواء متوترة.

 

* المشكلة القائمة حاليا هي التخزين دون اتفاق ولو تم توليد الكهرباء سيكون «تخزينا وتشغيلا» دون اتفاق

 

وعلى الرغم من التحذيرات المصرية، فإن إثيوبيا تتمادى في تعنتها، خاصة بعد جلسة مجلس الأمن الخاصة بأزمة السد، وإعادة الملف للاتحاد الأفريقي، وهو ما أعطاها ثقة أكبر.

إلى ذلك، ينبغي للتحذيرات المصرية أن تؤخذ بجدية أكبر، حيث إن العلاقات المصرية مع دول الاتحاد الأوروبي، والدول العربية سواء كانت الجزائر، أو تونس، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات، قد تكون عاملا مساعدا للتوفيق بين الأطراف الثلاثة (مصر وإثيوبيا والسودان)، فهم في حاجة إلى طرف يرغب في حل المشكلة وله علاقات طيبة مع جميع الأطراف، وقد تكون الجزائر مؤهلة للعب هذا الدور إن رغبت الأخيرة في ذلك.