هل تؤذن «صفقة القرن» بخروج فرنسا من حلف الناتو؟

«الغواصات» تضرب تحالف باريس وبكين وواشنطن
مقر الناتو (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي على متن سفينة تابعة للبحرية الفرنسية (أ.ب)
غواصة نووية فرنسية (رويترز)

باريس: تملك فرنسا كنزاً حقيقياً وثميناً في المحيط الهادي المليء بالثروات الطبيعية، الذي يعيش حوله نصف سكان الأرض، بتواجد دول عظمى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا واليابان وغيرها. وتعتبر فرنسا دولة من دول المحيط الهادي رغم وجودها في قارة أوروبا البعيدة عنه، بسبب إداراتها ومناطقها الخارجية المنتشرة عبر جميع محيطات الأرض؛ حيث تملك عدة مقاطعات في المحيطات والبحار، منها بولينزيا الفرنسية التي تعادل مساحتها قارة أوروبا كما يوجد نحو مليون مواطن فرنسي يسكن هذه المقاطعات، ولفرنسا استراتيجية هامة في المحيط الهادي.

فرنسا ليست دولة صغيرة كما يظن البعض في الولايات المتحدة الأميركية. فهي تمتلك أكبر منطقة اقتصادية خالصة في العالم (ZEE)، بمساحة 11691000 كيلومتر مربع، متقدمة على الولايات المتحدة (11351000 كيلومتر مربع) وأستراليا (8.250.148 كيلومتر مربع). تغطي حوالي 8 في المائة من مساحة جميع المناطق الاقتصادية الخالصة في العالم، بينما تمثل الجمهورية الفرنسية 0.45 في المائة فقط من مساحة اليابسة في العالم. ومساحة فرنسا قابلة للزيادة إلى أكثر من 12 مليون كيلومتر مربع على ضوء المطالبات الفرنسية الحالية. يثير هذا الموقف العديد من القضايا ذات الطبيعة الاستراتيجية، ولهذا تتواجد فرنسا عسكريا في المحيط الهادي بقاعدة بحرية وغواصات نووية وطائرات حربية ونحو 10 آلاف جندي، لتحمي حقوقها السيادية في مسائل استكشاف واستخدام الموارد ومنع القرصنة. ورغم صغر الجزر الواقعة في المحيط الهادي، إلاّ أنّ مناطقها الاقتصادية البحرية تشكّل جزءاً كبيراً من الموارد الاقتصادية البحرية في العالم.

وقد نجحت فرنسا بعد مفاوضات استمرّت سنوات في توقيع عقد لأضخم استثمار دفاعي تقوم به أستراليا عام 2016 بقيمة 56 مليار يورو، تبني بموجبه مجموعة نافال الفرنسية لحساب كانبيرا على الأراضي الأسترالية 12 غواصة حربية تقليدية تنتمي إلى الجيل الجديد على نموذج الغواصات النووية وبناء حوض السفن في أديلايد بجنوب أستراليا. كما تقرر بناء أول غواصة في بداية العقد المقبل على أن يتمّ تسليمها في 2030، في صفقة القرن، التي كانت تجسّد طموحات الجزيرة- القارّة في هذا الإقليم البحري الذي أضحى في السنوات الأخيرة ميدانا لصراع على النفوذ بين الولايات المتحدة والصين، أكبر قوتين في المحيط الهادي. كان من شأن هذا العقد تكريس شراكة استراتيجية بين باريس وكانبيرا، واستحداث ألفي فرصة عمل في أستراليا وأن نحو 500 فرصة في فرنسا. وخلال احتفال فرنسا الذي أقيم في فبراير (شباط) 2019 أمام مقر وزارة الدفاع في كانبيرا لتتويج جهود فرنسا بحضور وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي، أشاد رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون بما وصفه «خطة طموحة للغاية». وقالت وزيرة الدفاع الفرنسية إن «الأمر يتطلّب الكثير من الثقة من جانب أستراليا للمراهنة على فرنسا، ويتطلّب الكثير من الثقة من جانب فرنسا لكي تتشارك مع أستراليا مهارات هي على هذه الدرجة من الأهمية المركزية لسيادتنا واستقلالنا الاستراتيجي؛ وهي ثمرة استثمارات ضخمة جرت على مدى عقود. بل وتوجه الرئيس ماكرون في يونيو (حزيران) الماضي ليحتفل مع رئيس الوزراء الأسترالي على متن غواصة فرنسية وشربا نخب الشراكة الاستراتيجية الجديدة مع أستراليا.

فرنسا تنفي التخلي عن مقعدها في مجلس الأمن

في الواقع، كانت باريس والعواصم الأوروبية قد احتفلت، بانتخاب الرئيس الأميركي جو بايدن. وتنفس الفرنسيون الصعداء بعد أربع سنوات من شعار «أميركا أولا» الذي رفعه الرئيس دونالد ترامب. ورحبت فرنسا بشدة في يونيو الماضي، بزيارة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن الذي تفخر بأنه فرنكفوني يتقن الفرنسية، وتأملت الكثير في إعادة إحياء الشراكة عبر الأطلسي ومزيد من التقارب بعد فترة من البرود التي سادت من قبل. وبدأت باريس أشهر عسل مع واشنطن بداية من إقناع بايدن بالعودة إلى اتفاقية المناخ الفرنسية التاريخية التي وقعها أوباما ونسفها ترامب، وكذلك العودة إلى المفاوضات النووية الإيرانية بدلا من خيار الحرب ضد طهران.


صفقة القرن تتحوّل إلى صفعة القرن

""غواصة أميركية من فئة أوهايو (أ.ب)
غواصة أميركية من فئة أوهايو (أ.ب)

نجحت الولايات المتحدة الأميركية في الخفاء، من انتزاع صفقة القرن الموقعة من يد فرنسا بعد أن شنت ضغوطاً سياسية على الحكومة الأسترالية، وقامت بحملات إعلامية شرسة ضد فرنسا في الصحافة الأسترالية لتهيئة الرأي العام بتغيير فكره حول العلاقة مع فرنسا، فيما لم تنتبه الأخيرة رغم تسريب الإعلام الأسترالي، بأن الحكومة تبحث عن بديل لصفقة القرن الفرنسية التي استمرت لسنوات حتى تمكن الفرنسيون من إقناع الأستراليين بها. لكن لماذا تهين الولايات المتحدة حليفتها فرنسا؟

تكمن مصلحة واشنطن في السيطرة على المحيط الهادي لمحاصرة النفوذ التجاري الصيني. وهي بذلك أعلنت مع بريطانيا وأستراليا عن إنشاء كتلة كومنولث ضد الصين، في تحالف دفاعي جديد سُمي «AUKUS»، فغضب فرنسا مضاعف ومشروع؛ إذ تلقت صدمة بعد أقل من ثلاثة أشهر من جولة بلينكن، فأوجدت واشنطن أزمة دبلوماسية غير مسبوقة معها بإبرامها صفقة ثلاثية مع بريطانيا لتزويد أستراليا بغواصات تعمل بالطاقة النووية، مما أدى إلى إلغاء عقد باريس وكانبيرا. كما شمل الغضب الفرنسي أستراليا لكونها أخلت بالاتفاق وانسحبت من «صفقة القرن» مع فرنسا دون سابق إنذار بعد خمس سنوات، توازياً مع الانضمام إلى الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة وبريطانيا. واستسلمت لإغراءات بايدن بتسلمها غواصات نووية، وهذه سابقة أولى في التاريخ أن تزود دولة نووية دولة أخرى بأسلحة نووية ناسفة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية «TNP»، موضحة لفرنسا خروج ترامب منها. هذا، ولا يستوعب الفرنسيون تسليح أستراليا بقدرات نووية كهذه مما يجعلها تشكل تهديدا نوويا لدول أخرى، وسيجعلها هدفا محتملا لضربة نووية صينية أو روسية، لأنهما قوتان نوويتان لن تقفا متفرجتين؛ حيث سيؤدي نشر التكنولوجيا النووية الأميركية في منطقة آسيا الحساسة إلى اندلاع سباق التسلح النووي تنخرط فيه كذلك اليابان والكوريتان مما سيزيد المخاطر ولا يسهم في الردع المتبادل. وتتأسف باريس على استفزاز واشنطن المارد الصيني الذي طال رقاده وتخشى من إيقاظه. ناهيك عن استفزاز روسيا التي لا تحتاج أصلاً لكي يغضبها أحد فهي كتلة نارية متقدة دائمة.

فرنسا تتهم أستراليا والولايات المتحدة بالكذب على خلفية أزمة الغواصات

 حاول وزير الدفاع الأسترالي، بيتر دوتون، التبرير لفرنسا تغيير احتياجات بلاده قائلاً إنهم لم يتمكنوا من شراء الغواصات الفرنسية بسبب عمليات الصيانة التي يجب أن تتم كل 10 سنوات، والتي تشمل إعادة شحن الوقود النووي، وهو ما لا ينطبق على الغواصات الأميركية، كما أن أستراليا لا تملك محطات للطاقة النووية. لكن المسؤولين الفرنسيين رفضوا بشدة حجة المشكلات التشغيلية، واتهموا الأستراليين بالكذب والخيانة والغش مؤكدين أنهم حلوا هذه المشكلات في وقت مبكر من العام.

 

الرد الفرنسي غير المسبوق ركّز على انعدام الثقة

""رئيس وزراء أستراليا سكوت موريسون (أ.ب)
رئيس وزراء أستراليا سكوت موريسون (أ.ب)

تضمن الرد الفرنسي نبرة غير مسبوقة في التصريحات العلنية بين الحلفاء، اعتبرت من خلاله وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي أن فسخ أستراليا العقد الضخم مع فرنسا هو أمر «خطير»، ويشكل «نبأ سيئا جدا بالنسبة لاحترام الكلمة المعطاة». وقالت بارلي إنه «أمر خطير من الناحية الجيوسياسية وعلى صعيد السياسة الدولية»؛ مضيفة أنها «مدركة للطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع حلفائها». كما ألغت بارلي، الأحد، اجتماعاً كان مقررا أن يعقد هذا الأسبوع مع نظيرها البريطاني. ويبدو أن الأزمة «أكبر من أن تكون فقط مجرد أزمة تجارية»، لأنها في الواقع «أزمة ثقة»، حتى إذا كان المسؤولون الأميركيون يأملون أن تنتهي بسرعة، لكن الأضرار المعنوية والسياسية لحقت بالتحالف مع فرنسا وأوروبا. فمن المنظور الفرنسي، تتعارض الخطوة الأميركية مع ما تعهدت به إدارة بايدن، بالعودة إلى التعددية والتعاون الوثيق مع الشركاء والحلفاء. كما يعتبر التحالف الجديد ضربة موفقة من بوريس جونسون بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وهو مؤشر خطير لفرنسا التي تخشى أن يسمح بخروج عدة دول أوروبية من الاتحاد للانضمام إلى حلف دول الكومنولث.

هذا يجعل الفرنسيون يدركون أن بعض سياسات ترامب، لم تكن انحرافا انفرادياً بل تحول أعمق في الإدارة الأميركية بعيدا عن أوروبا لمحاصرة تنامي النفوذ الصيني في المنطقة.

أما وزير أوروبا والشؤون الأوروبية الفرنسي جان إيف لودريان، فقد كان أكثر المتأثرين من فقدان الصفقة. وكان الشاهد الأول على أهميتها وأبعادها الاستراتيجية والاقتصادية حيث ساهم في توقيع حروفها الأولى حينما كان وزيرا للدفاع في عهد الرئيس فرانسوا هولاند ولهذا وصفها بأنها «حقاً طعنة في الظهر». وقال: «أقمنا علاقة مبنية على الثقة مع أستراليا. وهذه الثقة تعرضت للخيانة»، موضحاً أن «باريس تحتاج توضيحا وتفسيرا من أستراليا بشأن قرارها التراجع عن الصفقة»، منتقداً «هذا القرار الأحادي والوحشي الذي لا يمكن التنبؤ به». وقال إنه «يشبه إلى حد كبير ما كان يفعله الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب». وقد ذهبت باريس إلى أبعد من ذلك، فلأول مرة منذ قرنين تقوم باستدعاء سفيريها من واشنطن وأستراليا. وأوضح لودريان في بيان رسمي أنه: «بناءً على طلب رئيس الجمهورية، قررت استدعاء باريس على الفور للتشاور مع سفيرينا في الولايات المتحدة وأستراليا. هذا القرار الاستثنائي تبرره الخطورة الاستثنائية للإعلانات الصادرة في 15 سبتمبر (أيلول) من قبل أستراليا والولايات المتحدة.« ووصف التخلي عن مشروع الغواصات الذي ربط أستراليا بفرنسا منذ عام 2016، والإعلان عن شراكة جديدة مع الولايات المتحدة، بأنه يشكل سلوكًا غير مقبول بين الحلفاء والأفراد. تؤثر عواقبه على مفهومنا عن تحالفاتنا وشراكاتنا وأهمية منطقة المحيطين الهندي والهادي لأوروبا».

وفي هذا السياق، تحاول باريس تجاوز خسارة صفقة القرن. فهي حتماً سرعان ما ستجد مشترين لغواصاتها وبسعر مغر، وتجري مراجعة أوراق مستقبل التحالف الفرنسي عبر الأطلسي الذي كان في نفس المعسكر الأميركي يهدف إلى مواجهة الصين. ومن تداعيات الغضب الفرنسي أن الرئيس إيمانويل ماكرون لم يذهب عمدا إلى الأمم المتحدة حتى لا يقابل بايدن، مفضلا التفرغ لبحث الأزمة مع أركان الدولة الفرنسية وعقد اجتماع أزمة دفاع استراتيجي في قصر الإليزيه للتفكير في قرارات هامة وتاريخية وبحث عدة معطيات، منها الخروج من حلف الناتو وكيفية الرد على الطعنة في الظهر الآتية من حليف والاستعداد لدعوة الأوروبيين إلى «التفكير مليّاً» بالتحالفات مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، مبدياً أسفه لإقصاء أوروبا عن استراتيجية واشنطن لمنطقة المحيطين الهندي والهادي، حيث يظن البيت الأبيض أن فرنسا سوف تكتفي ببعض التصريحات المنفعلة ولن تقدر عمل شيء وسترضخ أمام الحليف الأعظم..

هذا، وتقرر أن يتحدث الرئيس بايدن مع الرئيس الفرنسي هذا الأسبوع لبحث الخطوات اللاحقة وليعلن عن تمسكه العميق بالتحالف الأميركي الفرنسي الذي أسهم على مدى العقود في ضمان الأمن والاستقرار والازدهار في العالم.. وفضل ماكرون إرسال وزير خارجيته إلى الأمم المتحدة بدلا منه، ومنحه صلاحيات شن هجوم جديد على الولايات المتّحدة من نيويورك وهو ما تم يوم الاثنين، معرباً عن الأسف لعدم تشاور واشنطن مع باريس.

وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتّحدة، قال لودريان إنّ «الموضوع يتعلّق في المقام الأول بانهيار الثقة بين حلفاء». وشدّد الوزير الفرنسي على أنّ «الموضوع المطروح اليوم، فضلاً عن الفسخ القاسي وغير المتوقّع وغير المبرّر»، هو أنّ «التحالف يعني الشفافية، والقدرة على الاستشراف، والتوضيح، والتحدّث مع بعضنا البعض، وعدم الاختباء، وكلّ هذا يحتاج إلى توضيح اليوم».

كما أعرب الوزير الفرنسي عن أسفه لـ«التوجّه التصادمي للغاية» الذي يبدو أنّ الولايات المتّحدة تسلكه تجاه الصين، معتبراً أنّ على الأوروبيين الدفاع عن «نموذج بديل» بدلاً من الخوض في «منافسة» لا تخلو أحياناً من استخدام «العضلات»..


أوروبا العملاق الاقتصادي والقزم السياسي.. إلى متى؟

يبدو أن أمام الرئيس الفرنسي فرصة ذهبية بارتداء زي عظيم فرنسا الأول الجنرال شارل ديغول للإعلان عن استقلالية فرنسا ولصون كرامتها الدولية بتكوين جيش أوروبي قوي وموحد قادر على النهوض بأوروبا عاليا وإسماع صوتها بعد أن سئمت طويلا من كونها عملاقا اقتصاديا وقزما سياسيا وعسكريا بسبب اختلاف وتباين سياسات دول الاتحاد الأعضاء. لهذا يرتب الرئيس الفرنسي أوراقه ويعمل على تطوير مشروعه لإنشاء «جيش أوروبي حقيقي» للدفاع عن القارة بوجه قوى مثل روسيا والصين وحتى الولايات المتحدة، وهو ما كان يزعج الرئيس ترامب وحلفاءه.

ورأى ماكرون الذي يدعو منذ وصوله إلى السلطة إلى قوات عسكرية أوروبية مشتركة، أن على أوروبا أن تحد من اعتمادها على القوة الأميركية. فهي تهدف إلى إنشاء ولايات متحدة أوروبية تكون بمثابة قطب عالمي جديد وحليف للولايات المتحدة وليس منافساً لها. ومن أجل هذا يجب أن يكون لأوروبا جيشها القوي، مؤكداً: «لن نحمي الأوروبيين ما لم نقرر أن يكون لنا جيش أوروبي حقيقي». وقال إنه بمواجهة «روسيا عند حدودنا والتي أظهرت أن بإمكانها أن تشكل تهديدا (...) فإننا بحاجة إلى أوروبا تتولى الدفاع عن نفسها بشكل أفضل، بمزيد من السيادة، دون أن تكتفي بالاعتماد على الولايات المتحدة».

وقد ساهمت فرنسا في تأسيس صندوق دفاعي في الاتحاد الأوروبي بعدة مليارات من اليوروهات بهدف تطوير قدرات أوروبا العسكرية وجعل القارة أكثر استقلالية على الصعيد الاستراتيجي. كما تزعمت فرنسا جهودا لإنشاء قوة من تسعة بلدان قابلة للزيادة تكون قادرة على التحرك سريعا لتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة وعمليات إجلاء من مناطق حرب وتقديم الإغاثة عند وقوع كوارث طبيعية. وقال ماكرون: «السلام في أوروبا هش»، وحذر من «عبثية النزاعات، عبثية القومية العدوانية»، التي تعود على حد قوله إلى الظهور في «أوروبا تزداد شقاقات» بفعل الأحزاب التي «تؤجج المخاوف في كل مكان». ويبدو أن الفرصة سانحة في يناير (كانون الثاني) القادم حيث ستترأس فرنسا الاتحاد الأوروبي، ويريد ماكرون من فرنسا أن تقود الاتحاد الأوروبي نحو مسار وسط بين القوتين العظميين (الولايات المتحدة والصين)، مما يدل على «الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي» في صميم رؤيته.


بايدن يهدئ غضب ماكرون

قرر الرئيس جو بايدن أن يمتص غضب الرئيس الفرنسي، معلناً بذلك عن تمسكه العميق بالتحالف الأميركي الفرنسي الذي أسهم على مدى العقود في ضمان الأمن والاستقرار والازدهار في العالم. وقد أعلن قصر الإليزيه لـ«المجلة» أن رئيس الجمهورية الفرنسية، تلقى اتصالا من رئيس الولايات المتحدة الأميركية، جو بايدن، الأربعاء 22 سبتمبر (أيلول)، بناءً على طلب الأخير، لفحص عواقب الإعلان الصادر في 15 سبتمبر. واتفقا على أن المشاورات المفتوحة بين الحلفاء حول القضايا ذات الأهمية الاستراتيجية لفرنسا والشركاء الأوروبيين كان من الممكن تجنب هذا الوضع. وأعرب الرئيس بايدن عن التزامه الدائم بهذا الموضوع.

وقرر رئيسا الدولتين إطلاق عملية مشاورات معمقة تهدف إلى تهيئة الظروف التي تضمن الثقة واقتراح إجراءات ملموسة لتحقيق الأهداف المشتركة. وسوف يجتمعان في أوروبا في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) للتوصل إلى نقاط اتفاق والحفاظ على هذه العملية الديناميكية. وفي هذا السياق، قرر الرئيس ماكرون عودة السفير الفرنسي إلى واشنطن الأسبوع المقبل. وسيعمل بالتعاون الوثيق مع كبار المسؤولين الأميركيين.

هذا وتؤكد الولايات المتحدة من جديد أن مشاركة فرنسا والاتحاد الأوروبي في منطقة المحيطين الهندي والهادي تكتسي أهمية استراتيجية، ولا سيما في إطار استراتيجية الاتحاد الأوروبي للتعاون في منطقة المحيطين الهندي والهادي التي نُشرت مؤخرًا.

وتدرك الولايات المتحدة أيضًا الحاجة إلى أن يكون الدفاع الأوروبي أقوى وأكثر كفاءة، ويساهم بشكل إيجابي في الأمن عبر الأطلسي والعالمي ويكمل دور الناتو.


هل تنسحب فرنسا من الناتو؟

تستبعد واشنطن أن تُقْدم فرنسا، على الانسحاب من حلف الأطلنطي خاصة في ظل وجود إيمانويل ماكرون، الملتزم بأفكار وقيم أطلسية. وتدرك أن السطو على الصفقة الفرنسية لن يدمر الاقتصاد الفرنسي كما أن ماكرون ليس ديغول الذي قرر ترك القيادة المتكاملة لحلف شمال الأطلسي قبل أن يعيدها ساركوزي لفرنسا. ويرى بايدن ان ماكرون لن يجرؤ في نهاية ولايته على مغامرة لا تحمد عقباها وهو على أبواب الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في مايو (أيار) 2022، حيث يعلم أن فرنسا تريد من حلف شمال الأطلسي ومن الأميركيين ضمان أمن القارة الأوروبية. وبالتالي يرى أن فرنسا لن تخرج من حلفها الأطلسي إلا إذا أصبحت مارين لوبان، زعيمة الرابطة الوطنية الفرنسية، رئيسة فرنسا. فهي تريد الخروج من كل الأحلاف الدولية، ومنها الاتحاد الأوروبي والناتو. وكان هذا قبل أن يستفيق الفرنسيون من هول الصدمة ويسترجعون حجم الضرر الذي ألحقه بهم الرئيس الأميركي بعدما مزق لهم صفقة القرن التي فازوا بها.. ليكتشفوا أن بايدن الذين تفاؤلوا بقدومه هو أكثر ضرراً من سلفه ترامب فقد سبق وأزاح منهم صفقات بيع أسراب مقاتلات الرافال بعد تقدم المفاوضات مع كل من السويد وسويسرا وبلجيكا، ونجح في الفوز بها وتوريد أسراب مقاتلات أميركية لهذه الدول الأوروبية الثلاث ناهيك عن قضية التجسس الأميركي على قادة فرنسا السياسيين والعسكريين، وكذلك الانسحاب الأميركي الخطير من أفغانستان دون سابق إنذار أو حتى إخطار أقرب حلفائه البريطانيين. ولولا يقظة الاستخبارات العسكرية الفرنسية التي قامت بتنظيم رحلات إجلاء رعاياها الفرنسيين وعملائهم الأفغان قبل الانسحاب بشهرين لحدث اليوم ما لا تحمد عقباه. ويعتبر ماكرون الانسحاب الأميركي فشلا لاستراتيجية بايدن فقد نسف بنحو 20 عاما من الصراع الأميركي ضد طالبان، بل ترك لهم أسلحة ثقيلة وطائرات ودبابات ومعدات حربية تتجاوز 90 مليار يورو، ناهيك عن دعمه لنظام طالبان بمنحة تجاوزت 65 مليار يورو.. وما زالت فرنسا تترقب ضربات بايدنغير المتوقعة.

وسبق أن حذر الرئيس ماكرون من هشاشة مؤسسات حلف الأطلسي، وقال إنه يحتضر بسبب عدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الأميركية والتخبط الذي يحدث بين أعضائه في المسرح العالمي، ولا سيما ألاعيب تركيا في اليونان وليبيا. وقال: «ما نراه حاليا هو موت إكلينيكي لحلف شمال الأطلسي». وأثار وقتها غضب ترامب وإردوغان على السواء، لكن الفكرة ما زالت قائمة. فالرئيس ماكرون يعلم أن الحلف الأطلسي فقد مبرر وجوده بعد غياب التهديد السوفياتي، كما أنه سئم من أن تخدم القوات الأوروبية القيادة الأميركية رغم أنها تشكل 98 في المائة من الدول الأعضاء فيه. فهل يتمادى غضب ماكرون ويقنع دول الحلف الأوروبية على الخروج منه وتكوين جيش أوروبي قوي يعلو بالاتحاد الأوروبي إلى مستوى القطب الثاني الموازي للقطب الأميركي الأوحد الذي يستفرد بالكوكب منذ سقوط حائط برلين عام 1989؟ وهل يكتفي بالخروج من قيادة الحلف فقط؟ وهل يتحالف مع روسيا القوية والمارد الاقتصادي الصيني؟ وهل يستثمر ماكرون الفرصة الذهبية ويتحول إلى ملك الفرنسيين بقرار تاريخي أم يفشل ويخسر عرشه في قصر الإليزيه لحساب من يجرؤ على الوقوف أمام العم سام لرد كرامة واعتبار الفرنسيين؟ هذا ما ستوضحه الأحداث القادمة، وإن غداً لناظره قريب.

وزيرة العدالة والمساواة الفرنسية إليزابيث مورانو لـ«المجلة»: نرحب بتبادل خبراتنا مع المملكة السعودية

مقالات ذات صلة