عوامل تشكّل أرضية خصبة لتعاون سعودي مصري في تنظيم مونديال كرة القدم

قفزات في البنية التحتية وخطوات تطويرية عملاقة
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. (محمد سماحة)
المنتخب السعودي (أ.ف.ب)
نساء في استاذ رياضي في السعودية (أ.ف.ب)
جمهور في استاد القاهرة الدولي يحضرون مباراة منتخب مصر الأوليمبي ومنتخب غانا في بطولة أمم افريقيا. نوفمبر 2019 (رويترز)

القاهرة: تسيطر على وزارة الشباب والرياضة المصرية، حاليًا، رغبة قوية في تنظيم بطولة كأس العالم 2030، وسط دعوات محلية للتعاون مع المملكة العربية السعودية لاستضافة وتنظيم البطولة في ملف مشترك يبرز التطور غير المسبوق، الذي شهدته البنية التحتية للبلدين، وخططهما السياحية بمنطقة البحر الأحمر، وتعزيز الربط بينهما على مختلف الأصعدة.

يمثل «التنظيم المشترك» للمونديال فرصة سانحة للدولتين في إظهار التطور الكبير في البنية التحتية لكل منهما، فمصر بصدد افتتاح المرحلة الأولى من العاصمة الإدارية الجديدة التي تتضمن مدينة رياضية كاملة، وأحدثت تطويرًا في جميع استادات المحافظات، والمملكة تشهد نهضة في المشروعات السياحية وتحركات إصلاحية اجتماعية عززت من صورتها عالميًا كبلد حديث متطور اقتصاديا وتكنولوجيًا.

وقال الدكتور أشرف صبحي، وزير الشباب والرياضة، في تصريحات صحافية، إن تنظيم كأس العالم 2030 في حسابات مصر ضمن خطة التنمية المستدامة، وأن مصر ستسعى للحصول على تنظيم البطولة بعد نجاحها في استضافة العديد من الأحداث الرياضية الكبرى العالمية خلال الفترة الأخيرة، كان أبرزها تنظيم بطولة كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم في يونيو (حزيران) 2019، وبطولة كأس الأمم الأفريقية المؤهلة لأولمبياد طوكيو 2020، وكأس العالم لكرة اليد.

ويشهد مونديال 2030 مشاركة 48 منتخبَا، للمرة الثانية في تاريخ كأس العالم، بعد نسخة 2026 التي ستقام في الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك، وفي حال تقديم مصر والسعودية ملفا مشتركا والفوز بالتنظيم، ستكون المرة الأولى في التاريخ التي يتم فيها تنظيم كأس العالم عبر قارتين مختلفتين، هما آسيا وأفريقيا.

 

مقومات ضخمة

تملك السعودية مقومات رياضية ضخمة تعزز فرص الفوز بتنظيم كأس العام، فلديها نحو 50 ملعباً كروياً قادرة جميعها على احتضان المنافسات الرياضية في أي وقت بخلاف ملاعب الأندية التي تمتلكها في مقراتها وغالبيتها مبنية على الطراز الحديث الذي يتوافق مع العصر الحالي تناهز الموجودة في أقوى الدوريات العالمية.

ونجحت المملكة في الفترة الأخيرة في استضافة العديد من الفعاليات الرياضية العالمية مثل استضافة كأس السوبر في دولتي إسبانيا وإيطاليا وتنظيم رالي داكار وجذب جولة من سباقات «الفورمولا-1» بجدة، بالإضافة لبطولات في التنس ونزالات الملاكمة العالمية، كما سبق لها استضافة كأس العالم لكرة القدم للشباب أواخر الثمانينات، كما كانت صاحبة فكرة بطولة القارات التي استضافتها في أول ثلاث نسخ خلال التسعينات قبل اعتراف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بالمسابقة، كما تسعى المملكة لاستضافة نهائيات كأس آسيا لكرة القدم عام 2027.

تتحدث صحيفة «التايمز» البريطانية، في تقرير أخير لها، عن وجود رغبة سعودية في تنظيم المونديال بصفة مشتركة مع دولة أخرى، وأنها استعانت بشركة استشارية لتنسيق استراتيجية ملف استضافتها للبطولة؛ بينما يؤكد محللون أن فوز المملكة بذلك الملف سيكون «تتويجا لرؤية المملكة 2030»، على اعتبار أن التنظيم سيكون ملائما لتلك الخطة الرامية لجذب المستثمرين من كافة القطاعات، وتنويع مصادر الدخل وإنهاء ربط الاقتصاد بالنفط.

ولدى السعودية حاليًا مشروع ضخم بالبحر الأحمر على مساحة تزيد على 28 ألف كيلومتر، ويتضمن أرخبيلًا شاسعًا يضم عشرات الجزر فائقة الجمال، مع الأخاديد الجبلية والمواقع الثقافية والتراثية القديمة. وستشمل الوجهة الفنادق والعقارات السكنية والمرافق الترفيهية والتجارية فضلًا عن البنية التحتية الداعمة التي تركز على الطاقة المتجددة، ويجري العمل بالمشروع بوتيرة حثيثة لاستقبال الضيوف مع افتتاح المطار الدولي والمجموعة الأولى من الفنادق مع نهاية عام 2022، فيما يتم افتتاح جميع الفنادق الـ16 المخطط لها بالمرحلة الأولى بحلول نهاية عام 2023، وهو موعد مبكر كثيرا عن موعد المونديال.

تصفيات مونديال 2022: محمد صلاح يعزّز ترسانة مصر في رحلتها الصعبة الى الغابون

وبحسب البيانات الرسمية السعودية، فإن عدد الفنادق المرخصة والمصنفة في المملكة يبلغ 2621 فندقاً، ومن المقرر إضافة 48 فندقا إليها ضمن فئة النجوم الأعلى ضمن مشروع البحر الأحمر الواعد المتخصص في السياحة الترفيهية وتشبهه الدوريات العالمية حاليًا بـ«المالديف الجديدة».

وتبنت السعودية أيضا مشروعات لإنشاءات ضخمة للبنية التحتية في كثير من المناطق ومن أهمها جسر الملك سلمان المعلق الذي يصل بين الجزأين الشمالي والجنوبي لشرم أبحر، ويعتبر من أعرض الجسور في العالم لاحتوائه على أربعة مسارات للمركبات في كل اتجاه وخط المترو، إضافة لطريق مشاة، ويستوعب أكثر من 100 ألف مركبة يوميا، بجانب تنفيذ شبكة الحافلات التي يبلغ عددها 770 حافلة تليها شبكة القطارات في جدة.

 

سباق مع الزمن

على الجانب الأخر، تسابق مصر الزمن لإنهاء 30 مدينة جديدة أهمها العاصمة الإدارية التي تتضمن مدينة رياضية كاملة، كما عززت الحكومة من التنقل بين المدن عبر مشروع  قومي للطرق بأطوال 7 آلاف كيلومتر، بتكلفة 175 مليار جنيه، إلى جانب تحديث كامل لشبكة السكك الحديدية، تتضمن القطارات فائقة السرعة واستبدال القطارات المتقادمة بأخرى جديدة وتوريد آلاف العربات المتطورة من روسيا وإسبانيا والمجر.

وأضافت مصر خلال الست سنوات الماضية 5 مطارات جديدة ليبلغ عدد المطارات المصرية 27 مطارًا منهم مطاران يعملان بنظام الـ«B.O.T» لتبلغ بذلك الطاقة الاستيعابية للمطارات المصرية حوالي 30 مليون راكب سنويًا، كما تم رفع كفاءة مطارات برج العرب، وشرم الشيخ، والغردقة، وأسوان، والأقصر، وبورسعيد، وسانت كاترين، وطابا، و6 أكتوبر.

كما استحدثت مصر المدينة الرياضية بالعاصمة الإدارية الجديدة على مساحة 93 فدانا، وتضم 4 صالات مغطاة منها الصالة الرئيسية التي استضافت بطولة العالم لليد، وتتضمن تراكا طوله 3 كيلومترات، وتضم 4 ملاعب كرة قدم ومبنى اجتماعي ضخم لاستضافة مختلف الأحداث، وكذلك مبنى خاص للثقافة والتكنولوجيا، وصالة مُغطاة كبيرة تمتد على مساحة 10 آلاف متر مربع، تَسع حوالي 7 آلاف فرد بها 3 استادات، رغبة في استضافة بطولات كبرى وتضم شبكات طرق وفنادق على أعلى مستوى وخدمات أخرى.

ما يعزز إمكانية تقديم ملف مشترك بين مصر والسعودية التكتلات التي دشنها المنافسون بعد الإعلان عن تحالف إنجليزي يضم (بريطانيا وويلز واسكتلندا وأيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا)، بجانب تحالف بين إسبانيا والبرتغال، وعرض لاتيني مشترك بين الأرجنتين وأوروغواي وباراغواي، بينما تعتزم إيطاليا التقدم بعرض للاستضافة منفردة.

مدرب النصر الإماراتي: لم أفقد الأمل في المنافسة على لقب الدوري الإماراتي

تنسيق مطلوب

يطالب الناقد الرياضي المصري راجح ممدوح مصر والسعودية بالتنسيق معًا لاستضافة كأس العالم في نسخته 2030  أو أي نسخ مستقبلية أخرى، ما يعطي أهمية كبيرة للملف العربي خاصة في ظل ما تمتلكه الدولتان من طفرة كبيرة في البنية التحتية، وامتلاكهما شبكة من مختلف وسائل النقل التي تربط بينهما سواء بريا أو بحريا أو جويًا.

ووقع البلدان اتفاقية لإنشاء جسر برى عملاق يربط بين مصر والسعودية  للإسهام ومضاعفة التبادل التجاري بين البلدين، فضلا عن تأمين انتقال المسافرين دون مشكلات واختصار الوقت من 3 أيام إلى 20 دقيقة فقط، بما يسمح بعبور مئات الآلاف من السياح والزائرين، والربط بين 19 دولة عربية في الجانب الأفريقي بباقي الدول العربية في آسيا وعددها 12 دولة.

ووفقا لمحللين رياضيين مصريين فإن مصر والسعودية يمكنهما في حال التفكير في ملف مشترك، استقدام طرف أوروبي ثالث معهما مثل إيطاليا التي تربطها مع البلدين علاقات قوية للغاية، ليصبح الملف ثلاثيًا. ويصبح للمرة الأولى في تاريخ كأس العام، حيث  يتم تنظيم الحدث في ثلاث قارات مختلفة، خاصة أن مسافات الطيران بينها تقل عن 6 ساعات وهي أقل من وقت الرحلات بين بعض الولايات الأميركية.

يقول ممدوح إن مصر 2021 مختلفة تماما عن مصر 2010، وهي أصبحت تملك الإمكانيات التي تؤهلها لاستضافة مونديال كأس العالم 2030 لنجاحها الساحق من قبل في تنظيم بطولتي كأس الأمم الأفريقية للكبار وتحت 23 عاماً المؤهلة للأولمبياد، وهو ما جعل العالم كله يشيد بقوة الدولة المصرية في تنظيم واستضافة الأحداث الرياضية العالمية. كما تملك مصر مجموعة من الملاعب والاستادات المجهزة في كل محافظات الجمهورية وعدد كبير من أماكن الإقامة والفنادق فضلا عن ملاعب التدريب الفرعية والفنادق الكبرى، بجانب شبكة طرق عالمية وبنية تحتية متطورة متكاملة قادرة على استضافة كأس العالم.

ولمصر تجربة سابقة في ملف استضافة كأس العالم 2010، وقد دخلت في سباق مع 4 دول أفريقية هي جنوب أفريقيا والمغرب وتونس وليبيا. وأسفر السباق عن فوز جنوب أفريقيا بالتنظيم بينما لم يحصل ملف مصر على أي صوت من أصوات أعضاء اللجنة التنفيذية للفيفا وقتها وعددهم 24 عضوًا.

يقول الناقد الرياضي محمد الجوهري إن مصر والسعودية استطاعتا استضافة العديد من الفعاليات الرياضية الكبيرة ولدى كل منهما الإمكانات التي تؤهلها لتقديم ملف منفرد لكنه يحبذ أن يكون الملف مشتركاً حتى يكون أكثر ثقلا في مواجهة المنافسين المحتملين.

يشير الجوهري إلى أن مصر استطاعت أن تجذب الانتباه في بطولة العالم لليد الأخيرة، بعدما طبقت نظام الفقاعة الطبية  (البابل) الذي لاقي استحسانا دوليا، وتمت إعادة استخدامه في أولمبياد طوكيو باليابان، كما استضافت عشرات البطولات التي تضم أعدادا ضخمة مثل البطولة العربية للجودو بمشاركة 600 لاعب  من 12 دولة، وبطولة العالم للدراجات بمشاركة  46 دولة، والعالم للخماسي الحديث للناشئين والناشئات، بمشاركة 27 دولة، وكأس العالم للرماية بمشاركة 32 دولة، بجانب كأس الأمم الأفريقية التي ضمت 24 منتخبا للمرة الأولى، وكأس العالم للجمباز الفني بوجود 16 دولة، وأخيرًا كاس العالم لليد التي تعتبر ثاني أكثر الرياضات شعبية بعد كرة القدم شعبية وبمشاركة 32 منتخبًا للمرة الأولى.

وتحمل الملفات المشتركة فرص الدول في استضافة كأس العالم مع زيادة المنتخبات إلى 48 مع وفودها وجماهيرها، بجانب تقليل الأعباء المالية على البلد المستضيف. وكانت البرازيل أنفقت ما يزيد على 13.5 مليار دولار لاستضافة نسخة عام 2014، بينما كانت الكلفة المالية للنسخة الأخيرة من المونديال بروسيا 13.2 مليار دولار.

يحمل استضافة مونديال كرة القدم عوائد كبيرة على الدول المستضيفة وتعيد التكلفة اللازمة للاستضافة. ففي عام 2010 عندما تم اختيار جنوب أفريقيا لتنظيم النسخة التاسعة عشرة من البطولة، أنفقت الحكومة وقتها أكثر من 3.5 مليارات دولار، لكنها حققت 2.5 مليار دولار ضرائب ورسوما مع تمويل إنشاءات، ووفرت بذلك 50 ألف فرصة عمل دائمة، وآلاف الفرص المؤقتة، بالإضافة إلى ارتفاع إيرادات السياحة والسفر وعوائد المطاعم والفنادق.

تكرر الأمر ذاته بالبرازيل، في نسخة 2014 وحينها تم إنفاق 13 مليار دولار على تجهيز البنية التحتية والملاعب والترتيبات الأمنية. ومقابل ذلك وفرت البرازيل ما يقرب من مليون فرصة عمل وتم إنعاش الاقتصاد البرازيلي بحوالي 3 مليارات دولار نظير تنشيط السياحة، بالإضافة إلى 11 مليار دولار أرباح المطاعم طوال فترة المونديال.

يقول نادي عزام، الخبير الاقتصادي، إن البعد الاقتصادي لاستضافة الفعاليات الرياضية يتضمن مكاسب غير مباشرة بإعادة رسم صورة ذهنية عن الدولتين وتوفير دعاية مجانية للسياحة، بالتأكيد على توفير معدلات الأمن والأمان، ومعامل القدرة على الاستيعاب والتشغيل، تحت كل الظروف، بجانب استحداث صور ذهنية إيجابية حول المشروعات الجديدة التي يتم تدشينها في البلدين، والاطلاع على الخطط الإصلاحية التي تم تدشينها عن قرب.

يضيف عزام أن البطولات التي يتم تنظيمها في البلدين ستجذب قطاعا ضخما من الزائرين خصوصا في ظل تنوع قدرات كل منهما سياحيًا. فلدى المملكة  قدسية عالمية وهي أكبر دول العالم في السياحة الدينية، ومصر لديها ميراث واسع من الآثار، ومنح السائحين التنقل بينهما يغري قطاعاً كبيراً بالقدوم ليس فقط من أجل المونديال، ولكن لغرض السياحة البحتة.

وحققت الرياضة السعودية قفزة كبيرة ضمن «رؤية 2030» بعدما زادت نسبة مساهمتها في الناتج المحلي من 2.4 مليار ريال إلى 6.5 مليار ريال، بنسبة تقدر بـ170 في المائة خلال خمس سنوات، بما يساهم في تعزيز الاستدامة المالية للقطاع، بجانب إنشاء وزارة مستقلة تعنى بالرياضة بعد أن كانت من مسؤولية «الهيئة العامة للرياضة». كما تستضيف المملكة دورة الألعاب الآسيوية 2034 التي ستضعها على خريطة السياحة والانتشار العالمي مما يعزز رؤية 2030 بالوصول لرقم مائة مليون سائح بحلول ذلك التاريخ.

إبراهيم حمدتو يكشف لـ«المجلة» عن ملهمه الأول وحادث القطار الذي غيّر حياته

مقالات ذات صلة