نظام الأسد يُفرغ البلاد من صناعييها وتجارها وأصحاب الأموال

مصدر في غرفة صناعة حلب لـ«المجلة»: مع التسهيلات للمستثمرين في الخارج، لا شيء يدعو للبقاء
رجال أعمال سوريون بينهم محمد حمشو (يسار)

القامشلي: أحدث تصريح لصناعي سوري قبل أيام في برنامجٍ إذاعي بُث على راديو «ميلودي»المؤيد لنظام الرئيس بشار الأسد، مفاجأة من العيار الثقيل بعد إعلانه عن مغادرة نحو 50 ألفاً من الصناعيين البلاد خلال أقل من أسبوعين. وأثارت تصريحاته تلك جدلاً كبيراً خاصة وأنها تؤكد وجود سياساتٍ حكومية «خاطئة»أدت في نهاية المطاف إلى تخلي الآلاف عن منشآتهم الصناعية والتجارية ومغادرة الأراضي السورية.

وقال مجد شاشمان، عضو اتحاد غرف الصناعة في سوريا وعضو مجلس إدارة غرفة صناعة حلب إن ما يربو على 47 ألفاً من صناعيي البلاد غادروا إلى الخارج خلال آخر أسبوعين لأسباب تتعلق بالأوضاع الاقتصادية الراهنة. وبحسب تصريحاته فإن 28 ألفاً غادروا العاصمة دمشق و19 ألفاً غادروا حلب التي تعد المركز الصناعي الأساسي في سوريا.

وأكد شاشمان في تصريحاته أنه ناشد مرات عدة الجهات المعنية «من أجل إعادة تأهيل البنى التحتية وتحسين واقع الكهرباء، وتزويد حلب بكمية أكبر من الطاقة كونها العاصمة الاقتصادية للبلاد، عوضاً عن تزويدها بـ200 ميغاواط فقط، إلا أن كل مناشداتنا لم تلق آذاناً صاغية»، مشدداً على أن «واقع الكهرباء الصعب وارتفاع أسعار المحروقات وأسباب أخرى تزيد من كلفة الإنتاج وتمنع تأهيل المعامل من جديد، كل ذلك كبدَ المنتجين أعباء لا يمكن تحملها وأثرت على قدرة المنتج السوري التنافسية في الخارج».

ولفت عضو مجلس إدارة غرفة الصناعة إلى أن «رؤوس الأموال وأصحاب المشاريع في حلب فقدوا الأمل من انتظار وتحسن الأوضاع، لذلك بدأ بعضهم يفكر في المغادرة لا سيما مع توافر فرص استثمارية جيدة في أماكن أخرى كمصر وأربيل عاصمة إقليم كردستان العراق».

 

تجمع رجال الأعمال السوريين في العالم

وكذلك انتقد شاشمان برامج دعم الفائدة التي أطلقتها حكومة الأسد واعتبر أنها لم تكن «مفيدة»، لا سيما أن سقف القروض المالية القليلة والضمانات الصعبة دفعت الصناعيين للتفكير بالانتقال إلى أماكنٍ أخرى، على حدّ تعبّيره.

وشدد على أن «قراراتٍ كثيرة ضيقت علينا العمل، كالقرارين 1070 و1071 اللذين عرقلا الاستيراد والتصدير باعتبار أن التعليمات غير واضحة فيهما، وبالتالي البضائع متوقفة في المراكز الحدودية، بينما لا يعرف التجار كيف سيصدرون ويستوردون؟».

ووصف قرار حاكم المصرف المركزي السوري المتعلق بإعادة قطع التصدير بنسبة 50 في المائة، بأنه كان «مفاجئاً وأربك المستثمرين والصناعيين والتجار الذين لا يعرفون كيفية التعامل مع هذا القرار».

وتعد تصريحات شاشمان هي الأولى من نوعها، إذ انتقد فيها السياسات الحكومية بشدّة واعتبر أنها أدت لخسارة البلاد لعدد كبير من الصناعيين والحرفيين والتجّار.

وبدوره كشف مصدر في غرفة صناعة حلب لـ«المجلة»أن «التسهيلات التي تقدمها دول أخرى في المنطقة تساهم في خسارة البلاد لتجّارها ومستثمريها وصناعييها، فهؤلاء يواجهون الكثير من القرارات الحكومية التعسفية، إلى جانب التداعيات التي تركتها الحرب الراهنة».

وأدت الحرب السورية التي تشهدها البلاد منذ نحو عقدٍ من الزمن إلى انهيار العملة الوطنية، علاوة على انعدام المحروقات والكهرباء في أغلب المناطق، خاصة في أرياف حلب التي تنتشر فيها مختلف مصانع البلاد، ما زاد من التدهور الاقتصادي والصناعي وأثر على كل القطاعات الأخرى.

وفي هذا السياق، أوضح أكاديمي وخبير اقتصادي أن «عجلة الاقتصاد السوري لن تعود إلى سابق عهدها كما كانت قبل عام 2011، خاصة مع استمرار تشظي الاقتصاد المحلي وتوزعه بين مختلف مناطق النزاع، وهجرة الكفاءات والتجار والصناعيين ورؤوس الأموال، ونقل الصناعة السورية إلى كل من تركيا ومصر وعدم وجود بوادر للحلّ السياسي، إضافة إلى أن القطاعات الاقتصادية بكل تفرعاتها في حالة تراجعٍ دائم سيما وأن شبح الجوع والعيش تحت خط الفقر الأدنى يخيم على أكثر من 90 في المائة من سكان البلاد».

وأضاف خورشيد عليكا الأكاديمي والخبير الاقتصادي لـ«المجلة»أن «القرارين 1070 و1071 جمّدا الاستيراد والتصدير، إذ لم يتمكن العدد الأكبر من المستثمرين والصناعيين والتجّار من فهم هذه القرارات والتعامل معها، ولهذا لم يكن أمامهم سوى مغادرة البلاد، خاصة مع استمرار مشكلة الكهرباء والوقود، وأيضاً العقوبات الأوروبية والأميركية على سوريا وعدم وجود أي حل».

وكشف أن «بعض الإجراءات الحكومية الأخيرة هدفها منع التجّار وغيرهم من مغادرة سوريا، كما حصل بعد تعليق شركتي السورية للطيران، وأجنحة الشام، حجوزات الطيران إلى مصر وكردستان العراق لمدّة 3 أشهر وذلك اعتباراً من 7 سبتمبر (أيلول) الماضي».

ورداً على سؤال لـ«المجلة»حول أسباب تهرّب التجّار والمستثمرين من القرارين 1070 و1071، قال عليكا إن «القرار الأول يساهم في رفع أسعار الواردات عبر تعزيزه لحالة الاحتكار في السوق، وفي هذه الحالة لن يستفيد منه إلا بعض المستوردين الذين يستطيعون تلبية كل شروط هذا القرار، مما سيؤدي إلى احتكار بعض التجّار لسلعٍ محددة في الأسواق».

وتابع: «القرار 1070 يجعل من التاجر مقدّم خدمة فقط دون مردود يحقق له صفة التاجر أو أرباحاً مقنعة، ولهذا هو يحاول تهريب أمواله إلى الخارج ومن ثم العمل من هناك عوضاً عن مواجهة هذا القرار»، مشيراً إلى أن «الحكومة السورية تهدف من هذا القرار إلى تصدير أزمتها مع القطع الأجنبي إلى التجّار، وذلك بتحميلهم أكثر من طاقتهم ووضعهم في مواجهة عدم توفر المواد الأساسية في السوق، ولكن مع ذلك فشلت الحكومة في فرض هذه القرارات، حيث يحاول التجّار الهرب».

أما فيما يتعلق بالقرار 1071، فهو يسمح للمصرف المركزي بالتصرّف في الـ50 في المائة المتبقية من قيمة البضاعة المصدّرة، وبإمكانه الاحتفاظ بها، أو أن يقوم بتمويل الواردات، أو بيعيها عبر القنوات المصرفية أصولاً.

وقال عليكا في هذا الصدد إن «القرار 1071 يهدف إلى توجيه التاجر للتعامل مع القنوات المصرفية المرخصة أصولاً وحمايته من السوق الموازية وما يتبعها من مساءلة قانونية، نتيجة مخالفة أحكام القوانين والأنظمة النافذة، وفق ما ورد فيه. وهذا يعني أن التاجر مجبر على بيع القطع الأجنبي حسب السوق الرسمية والبيع حسب أسعار وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، ما يعني بطبيعة الحال احتكار التجارة بيد فئة قليلة وإجبار بقية التجار بالخروج من السوق وإيقاف أعمالهم».

وأضاف أن «المصرف المركزي يتحكم بالتاجر المصدر والمستورد وفق قراراته حسب القنوات المصرفية أصولاً، ويرغمه على البيع في الأسواق المحلية وفق الأسعار التي تحددها وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، بمعنى آخر، على التاجر السوري أن يكسب أرباحاً ضئيلة وأن يكون معرّضاً لخسارة رأسماله، ولهذا يفضّل التخلي عن تجارته والتوقف عن الاستيراد والتصدير ومغادرة البلاد على خلفية مثل هذه القيود المفروضة عليه».

ويعاني القسم الأكبر من السوريين المقيمين في مناطق سيطرة نظام الأسد من نقصٍ حادّ في المواد الغذائية والأساسية، بسبب العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، واستغلال العدد الأكبر من التجار لمسألة العقوبات وضعف الرقابة في رفع أسعار المواد الغذائية واحتكارها.

وقال السيد أحمد العلي الذي يقطن في حيّ قديم وسط دمشق إن «بعض السلع الغذائيّة الأساسية غير متوفرة في الأسواق، بينما لا تحاول الحكومة مساعدة التجار في تأمينها، وبدلاً من ذلك تفرض عليهم شروطاً وقوانين قاسية ترغمهم على ترك البلاد».

وأضاف أن «عدداً من التجار في دمشق من الذين تربطهم صلات بالأجهزة الأمنية يحتكرون بعض المواد الغذائية الأساسية بعد استيرادها من الخارج عبر لبنان»، مشدداً على أن «نظام الأسد لا يعمل على حلّ هذه الأزمة».
وتابع:
«كمواطنين لا يمكننا الحصول على كلّ ما نريد مع الاحتكار الذي تشهده الأسواق والذي أدى لارتفاع أسعار السلع الغذائية والألبسة وغيرها من المواد الضرورية للحياة اليومية».

وكانت لجنة إدارة مصرف سوريا المركزي قد أصدرت قبل أسابيع قرارين يقضي الأول بتمويل واردات القطاعين الخاص والمشترك، من المواد التي يُسمح باستيرادها، بهدف وضعها بالاستهلاك المحلي، وثانياً إلزام جميع المُصدّرين بتنظيم تعهد إعادة قطع التصدير للبضائع المراد تصديرها قبل القيام بعملية التصدير، والالتزام بالأمانات الجمركيّة.

وبحسب رجال أعمالٍ مقرّبين من النظام السوري، فإن القرارين (1070) و(1071)، يهدفان لإيجاد الآليّات المناسبة لتمويل الواردات، خصوصاً مع وجود عقوبات دولية مفروضة عليه منذ سنوات.

والقرار (1070) يخصّ تمويل المواد الأساسيّة مثل السّكر والأرز والزيوت والأدوية وغيرها، من خلال المصارف الحكومية والأسعار التي تحددها للقطع الأجنبي، وطرحها فيما بعد في السوق المحلية وفق الأسعار التي تحددها وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للنظام.

وبحسب وكالة «سانا»الرسمية التابعة للنظام، فإن القرار يُمكنه أن يُعزّز من: «القدرة التمويلية للمستورد مع الأخذ بعين الاعتبار تأمين الاحتياجات الأخرى للمواطن من خلال اتخاذ بعض القرارات التي يستطيع المستورد من خلالها تأمين القطع اللازم لتمويل مستورداته أصولاً عن طريق شركات الصرافة المرخصة في محاولة لضبط سوق القطع الأجنبي وسعر صرف الليرة السورية».

وتطبق هذه القرارات الصادرة عن النظام في مناطق سيطرته فقط، إذ لا تُطبق في مناطق شمال وشرقي سوريا التي تقع تحت سيطرة «الإدارة الذاتية»، وتتوافر فيها المواد الأساسية المستوردة من إقليم كردستان العراق بشكل متواصل. وكذلك لا تطبق في المناطق التي تقع تحت سيطرة المعارضة المسلّحة والتي تقوم باستيراد البضائع من تركيا.

وتشهد سوريا أزمة اقتصاديّة خانقة، وارتفاعا كبيرا في سعر الدولار، ونقصا كبيرا في المواد الغذائيّة الأساسيّة، نتيجة الحرب وهروب رؤوس الأموال والاستثمارات، إضافة إلى فرض العقوبات الدولية على النظام السّوري بتهمة ارتكابه جرائم حرب.