السودان... مخاوف من انهيار المرحلة الانتقالية

ضغوط محلية ودولية لتجنب الانفجار
رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مركز سلاح المدرعات بعد محاولة الانقلاب الفاشلة

الخرطوم: حالة من التوتر الحاد تسود المشهد السياسي السوداني بعد أسبوعين من الإعلان عن فشل محاولة عسكرية لاستلام السلطة، إذ تصاعدت حدة الخلافات داخل مكونات الحكومة الانتقالية خصوصا بين المكون العسكري والمكون المدني، ما تسبب في إعادة الاستقطاب الثوري مقابل اصطفاف سياسي وعسكري جديد، وتكهنات باحتمالات انهيار المرحلة الانتقالية إذا استمرت معركة «كسر العظم» التي تمارس على الإعلام حاليا، فيما يتوقع محللون سيناريو التهدئة و«الخيار صفر»المتعلق بالعودة إلى منصة تأسيس النظام الانتقالي وتوسيع قاعدة المشاركين تلبيةً لضغوطات محلية وخارجية عازمة على إكمال الفترة الانتقالية، والوصول إلى نظام مدني ديمقراطي.

وتبادل العسكريون بقيادة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والمدنيون في الحكومة التي يرأسها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، تبادلوا الاتهامات بالعمل على تقويض وإفشال النظام الانتقالي، وذهب المكون العسكري إلى أبعد من التصريحات بإجراءات عملية بسحب قوات الحماية الأمنية من لجنة تفكيك نظام الرئيس المعزول عمر البشير، بينما رد المكون المدني الذي يمثل تحالفا حزبيا باسم (قوى الحرية والتغيير) بتنظيم تظاهرات حاشدة للدعم والمساندة والتهديد بتحريك الشارع مجددا وإعادة إنتاج الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس البشير والمجلس العسكري الانتقالي الذي خلفه.

وفي التاسع من سبتمبر (أيلول) الجاري وقّع عدد من الأحزاب والحركات والتحالفات السياسية ومنظمات المجتمع المدني على «إعلان سياسي»، لوحدة تحالف قوى الحرية والتغيير الذي اعتبر وقتها مخرجا للأزمة السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد منذ الإطاحة بنظام البشير في أبريل (نيسان) 2019م، بينما اعتبرته قوى سياسية أخرى تكريسا للأزمة الحالية.

رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك (أ.ف.ب)

وفي غضون ذلك التوتر، أعلنت حركات تحمل السلاح وقوى سياسية، عن تحالف سياسي مواز لـ«الحرية والتغيير»، وقال بيان صادر عن هذه القوى إن التحالف الجديد هو خطوة اضطرارية لمواجهة «القوى الصغيرة المختطفة للحرية والتغيير»والمسيطرة على القرار في الحكومة الانتقالية وفقا لرؤية أحادية.

وتضرب الخلافات تحالف قوى الحرية والتغيير التي يشار إليها اختصار بـ«قحت»، منذ إسقاط نظام الرئيس عمر البشير وتوقيع اتفاق سلام مع الحركات التي تحمل السلاح.

وأثارت هذه الأوضاع قلقا محليا ودوليا من احتمالية انهيار المرحلة الانتقالية ودخول البلاد في دوامة الاستقطاب السياسي المؤدي إلى انفراط الأمن، وبدأت العديد من القيادات السياسية والاجتماعية بإجراء وساطات بين الشركاء للتهدئة، في حين بدأت الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا اتصالاتها ولقاءاتها مع المسؤولين في السودان، وأظهر هؤلاء مساندة للحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك، لكنهم أيضا أكدوا على ضرورة توسيع القاعدة السياسية للحكومة المدنية، ومعالجة الأزمات الطارئة في شرق السودان والمناطق الأخرى، والالتزام بإجراء انتخابات عامة في نهاية الفترة الانتقالية.

لكن الناشط السياسي والمحلل علاء الدين محمود قال لـ«المجلة»إن الوضع يصب حاليا في مصلحة العسكر الذين استطاعوا أن يقيموا برزخا بين تيارين سياسيين كبيرين داخل قوى الحرية والتغيير، خاصة أن القوى القديمة داخل «قحت»والمكونة بصورة أساسية من حزب الأمة القومي والمؤتمر السوداني والتجمع الاتحادي والبعث ظلت ترفض على الدوام مسألة توسيع قاعدة المشاركة وانفردت بالسلطة، الأمر الذي ولد احتقانا لدى الحركات المسلحة والأحزاب الملحقة بإعلان الحرية والتغيير، «لذلك ظل العسكر يلعبون على هذه التناقضات».

ولم يستبعد أن يكون الإعلان عن انقلاب عسكري هو محض مسرحية لإبراز دور أكبر للعسكر في الشراكة ويظهرهم بمظهر الأخ الأكبر، ويضيف قائلا: «بالتالي هذه الشراكة التي تمضي بتلك التناقضات والصراعات لا أعتقد أنها ستنجح».

ويتوقع محمود أن يدعو العسكريون إلى خوض الانتخابات وإنهاء الفترة الانتقالية، خاصة أن رئاسة المجلس السيادي من المفترض أن تنتقل للمدنيين، وهو أمر لا أظنه سيعجب العسكر ولن يكون بمقدورهم الانسجام معه، ومن الجانب الآخر يتوقع أن تعمل القوى السياسية خارج تحالف الحرية والتغيير ومعها لجان المقاومة والأجسام المهنية على التصعيد واستنفار الشارع مرة أخرى مما يجعل التكهن بما سيحدث صعبا وإن كنت أرجح ظهور موجة ثورية جديدة ضد الشراكة.

من جهته، يرى اللواء المتقاعد قمر الدين محمد فضل المولى أن الحالة السياسية التي أعقبت إعلان إفشال محاولة انقلابية «غير مطمئنة»، وهي ناتجة عن الهجوم السياسي الذي تتعرض له المؤسسة العسكرية والدعوة إلى حلها، وقال إن مثل هذه التصورات تعرض البلاد للفوضى.

ويعتقد فضل المولى في حديث مع «المجلة»أن الوضع الحالي يساهم فيه المكون المدني بشكل كبير نتيجة عدم توافقه وتكوينه من أحزاب وقوى متناقضة الأهداف والتوجهات السياسية والآيديولوجية.

 

ورأى أنه من الضروري عدم النظر إلى المؤسسة العسكرية كعدو للثورة والتغيير، معتبرا أن نهج المكون المدني في الإصلاح وتفكيك النظام السابق لا يتناسب مع المؤسسة العسكرية ونظمها ولوائحها التي تتطلب معالجة الخلل فيها معايير عسكرية محددة وحوار هادئ ومشترك بين المكونين العسكري والمدني، وأن عملية تصفية الأجندة التخريبية والسياسية تتم عبر الكشوفات والإجراءات العسكرية الرسمية وليس وفقا لأجندة سياسية أحادية.

ورأى أن الحالة السياسية تشهد حالة من السيولة الأمنية نتيجة لعدم الثقة المتبادل بين الشركاء فضلا عن النقص في مؤسسات الدولة مثل «المجلس التشريعي»الذي يمكنه إحداث التوازن داخل أروقة السلطة التنفيذية.

أما بروفسور صلاح عبد الله الدومة أستاذ العلوم السياسية في الجامعات السودانية فهو يرى أن الإعلان عن محاولة انقلابية تسبب في تأليب المجتمع الدولي ضد المكون العسكري الذي استخدم ذلك ذريعة لمهاجمة المكون المدني، وفي المقابل أحدث انشقاقا داخل الائتلاف الحاكم (قوى الحرية والتغيير)، موضحا أنها ليست المرة الأولى، حيث خرج من الائتلاف الحزب الشيوعي وتجمع المهنيين الذي كان يقود الحراك الثوري ضد نظام البشير.

ورأى الدومة في حديث لـ«المجلة»أن ما وصفه بالحراك داخل الائتلاف المدني الحاكم يأتي في صالح توحيد رؤية القوى السياسية وإيقاف هيمنة بعض القوى السياسية على القرار السياسي، معتبرا أن ما يحدث داخل المكون المدني هو «مخاض أليم لكن سيعقبه وضوح رؤية»، مبينا أن القوى السياسية ستعمل على تقديم تنازلات للاتفاق وتأسيس حاضنة جديدة وعلى أسس جديدة تجنبهم وتجنب البلاد الضرر الفادح.

ويعتقد الدومة أن سيناريو المحاولة الانقلابية الفاشلة غير بعيد عن أعضاء في المكون العسكري الذين ما زالوا يوالون النظام المعزول، ويعتقد أنها بنيت على فكرة قديمة تقول: «اذهب للسجن حبيسا وأذهب أنا إلى القصر رئيسا»،وهي مقولة منسوبة إلى زعيم الإسلاميين الراحل الدكتور حسن الترابي إبان انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989م.

بيد أن الدكتور أمين إسماعيل مجذوب الخبير الاستراتيجي والمتخصص في إدارة الأزمات، يستبعد خيار الانقلاب العسكري في مجريات الأحداث، ويقول لـ«المجلة»إن أي محاولة انقلابية سيكتب لها الفشل نتيجة للرفض المحلي والدولي والإقليمي العازم على استمرار الشراكة بين المكون العسكري والمدني في الحكومة الانتقالية.

لكن مجذوب يشير إلى أن الردود التي صدرت من أطراف الشراكة تدل على أن هناك خللا كبيرا في الشراكة وأن مستقبلها في خطر.

ورأى أن الخيار المتاح هو البحث عن صيغة جديدة وتكوين حكومة مصغرة لإدارة الأزمة بعدد أقل من الوزراء وتجفيف بؤر التوتر، مشيرا إلى أن الشراكة تعاني، باعتبار أن مجلس السيادة ومجلس الدفاع والأمن وكافة المجالس التنسيقية والجلسات المشتركة بين المكون العسكري والمدني لم تستطع أن توحد توجهات الحكومة وتخلق نوعا من الثقة، مبينا أن استمرار هذا الوضع سيؤدي بالمرحلة الانتقالية إلى الانهيار.

بيد أن أمين إسماعيل مجذوب الخبير الاستراتيجي والمتخصص في إدارة الأزمات يتوقع ما سماه «السيناريو صفر»المتعلق بالحوار والتهدئة عبر الضغط المحلي أو عبر المبعوثين الدوليين، إذ يرى ضغوطا دولية من أجل الانتقال الديمقراطي، خصوصا وأن السودان أصبح منطقة حيوية للأمن الأميركي والأفريقي والأمن القومي الأوروبي في المنطقة الأفريقية، موضحا أن الخيار الأسوأ لن يسمح به محليا ولا إقليميا ولا دوليا.

بينما يرى الدكتور فتح الرحمن القاضي وهو ناشط سياسي ومستشار في شؤون العمل الطوعي والإنساني وحقوق الإنسان، أنه من الضروري وضع ميثاق جديد يتوافق عليه شعب السودان مؤشراً وهادياً للفترة الانتقالية، ونادى في حديث مع «المجلة» بحاضنة أمينة مخلصة للحكم الانتقالي يتأسس عليها نخبة من السودانيين لكي تضطلع بحكم البلاد في الفترة القادمة وإنفاذ استحقاقات التحول الديمقراطي خلال الفترة الانتقالية، معتبرا أن ما سماه الأداء العبثي الحالي سيتسبب في ضياع الثورة، وأن الخطر الأعظم يتمثل في أن نشطاء الحكومة الانتقالية يعولون على رهان خاسر وهو حماية الحكم المدني بالقوى الدولية بدلا عن التعويل على الشعب، وأن ذلك يهدد بوضع السودان تحت وصاية الانتداب الدولي.