يهتزّ دون أن يقع

في لبنان مثلٌ شائعٌ يقول لمن يمّر بمحنة كبيرة «الأرض بتهزّ بس ما بتوقع»،بمعنى أن الأزمة مهما قست فستمر. قد تصح هذه المقولة على النظام الطائفي اللبناني الذي مهما عصفت به المشاكل ومهما تعرض لهزاّت، تراه لا يقع. لا الحروب الداخلية- ومنها الأكثر ضراوة في 1975- ولا المحن الاقتصادية- والتي تعد الحالية منها حسب تصنيف البنك الدولي ثالث أكبر نكبة في تاريخ الاقتصادات المدّون- تمكنّوا أن يهزّوا ركنا من أركان هذا النظام الطائفي المتجذر بصلابة منذ نحو 5 قرون في منطقتنا.

هذا النظام في شكله اليوم يتمّيز بالتناقضات التي تسكنه والتي تحاول الجمع بين مبدأ الديمقراطية ومبدأ المساومات القبلية، بين مبدأ العدالة لجميع المواطنين ومبدأ التمييز المذهبي بينهم في الوظائف العامة، بين مبدأ العلمانية ومبدأ فرض الدين في قانون الأحوال الشخصية مثلا، وهذا الجمع بين التناقضات يعتبرها منظرو النظام الطائفي ميزة لها تهدف إلى الحفاظ على التوازنات الطائفية.

طبعا هذا المنطق لا يؤدي إلا للخراب، أليس هذا هو تاريخ لبنان الحديث تحديدا؟ حتى الأب الروحي لفلسفة النظام ميشال شيحا كان حذرا في الإكثار من تطبيق مبدأ التوازنات في كل تفصيل وكأنه على معرفة أن تطبيق هذا المبدأ من شأنه أن يخرب «تركيبة لبنان الفريدة». هذا كان في بدايات القرن الماضي، حيث كان الأمل كبيرا في أن تحافظ الطائفية على مقومات التفاهمات التي لن تكون عادلة دائما ولكنها لن تجنح نحو العنف والاقتتال بين برجوازية المدينة. صمد هذا المبدأ رغم المصاعب حتى انفجار الحرب الأهلية واختفاء تلك الطبقة البرجوازية التي حلّت مكانها فتّوة الأحياء.

المصالحات التي تلت هذه الحرب الأهلية أتت هي الأخرى على حساب الحقيقة؛ إذ جاءت ناقصة، لأنها لم تعالج أساسا أصل المشكلة، بل عمقت من الانقسامات الطائفية أكثر في بلد أهله في الغالب طائفيين ومكنّت مفهوم التسويات الذي جاء على حساب الدستور والقوانين.

في المحصلة؛ تنال الطائفية من العدالة غالبا، لأنها تخضعها للتسويات ولمتطلبات السياسة الداخلية. فالعدالة أن تنتهي الحرب الأهلية وأن يخلع مجرمو الحرب زيهم العسكري وأن يغسلوا أيديهم من دماء الأبرياء الذين قتلوهم فيلبسون بزات رسمية فاخرة ويعودون وزراء ونوابا ومسؤولين عن الدولة والشعب؟

أين العدالة في أن يكون مجرم زعيما ورئيس حزب وتيار؟

سيقال إنهم أبناء الحرب، وما فعلوه له مبرراته. ربما ولكن أن يتسلموا بعدها مسؤولية بناء الدولة والمؤسسات؟ عندما قرر المدعي العام لدى المحكمة الخاصة لسيراليون إصدار مذكرة توقيف بحق المجرم تشارلز تايلور الذي كان متوجها لغانا من أجل محادثات سلام مع ليبيريا، قامت الدنيا على المدعي العام ولم تقعد. سفير أميركا لدى سييراليون قال إن الذي يجب أن يحاكم هو المدعي العام. ألقى القبض على تشارلز تايلور بعدها، وحوكم كما يجب لكل مجرم سفاح أن يحاكم. وسئل المدعي العام عن سبب إقدامه على إصدار مذكرة توقيف بحق الرجل الذي كان يستعد لمفاوضات السلام في غانا، فقال إنه يؤمن أن المجرم الذي يخوض الحروب ويقتل لا يستطيع أن يخوض غمار السلام.

من ينتظر أو يأمل من اللبنانيين أن تأتيه العدالة من نظام فاسد وزعماء مجرمي حرب سينتظر طويلا.

ليس هناك أبشع من الظلم وأن يقتل الناس بسبب إهمال المسؤولين أو من إجرام الزعماء الطائفيين.

في لبنان أكثر من 150 ألف ضحية دفعت ثمنا لحرب أهلية هي نتيجة مباشرة لنظام ملتوٍ وطائفي وتسووي، منع الأمن- الذي كان وجهه في عام 1969 مارونيا- أن يُفرض على السلاح الفلسطيني الذي اعتبر يومها سنيا وعروبيا ومقاوما لإسرائيل مخافة أن تقع حرب مذهبية. وهذا ما حصل... من قتل كرامي، والمفتي حسن خالد، ورفيق الحريري، على سبيل المثال لا الحصر، لم يحاسبوا وبعضهم يشارك في الحكم في لبنان إن لم يكن يسيطر على الحكم في لبنان.

تاريخنا حافل بالتسويات التي دفعت ثمنها العدالة وبالتالي أهالي الضحايا.

وهذا ما ينتظر ملف التحقيقات بالمرفأ للأسف. لأن التوازنات الطائفية تمنع التحقيق مع رئيس وزراء سني من دون أن تطال رئيس الجمهورية الماروني مثلا، وذلك من دون الاعتبار للعدل والعدالة أو القوانين. مبدأ التسويات يتخطى هذا المفهوم. هناك أمر مؤسف آخر وهو أن الطائفية بكل عللها لها جمهور كبير ومنظرون كثر وعدد لا يستهان به من مستفيدين انتهازيين.

فما دام هذا النظام قائما على اللاعدالة من أجل الحفاظ على التوازنات الطائفية، وما دام هناك من يقبل بهذا النظام، فسنراه دائما يهتز من دون أن يقع عقابا لموت الأبرياء.

* كاتب ومحلل سياسي وباحث أكاديمي، ومستشار في وسائل الإعلام والاتصال