حرب الكوفيد

لم يعد خافيا على أحد أن العالم أصبح بلا شك اشتراكيا أكثر مما بشر به كارل ماركس، أو حتي الفابيين الإنجليز، منذ ما يقرب من قرنين من الزمان، مع فارق بسيط، وهو إلغاء كلمة رأس المال من فلسفاتهم وأدبياتهم واستبدالها بالوباء أو كورونا-19، الذي دوخ العالم أجمع، وجعل أغنى دولة على ظهر البسيطة تتساوى مع أفقر دولة، وكلتاهما تضرب أخماسا في أسداس، والجميع يتخبط في حيص بيص.

ولو كان كارل ماركس على قيد الحياة لاستبدل نداءه الشهير «يا عمال العالم اتحدوا»بـ«يا مصابي الجائحة اتحدوا». وكما لم يستجيب عمال العالم إليه فكذلك لن يستجيب المصابون أبدا للتفاوت في مستوى معيشة سكان المعمورة؛ فبعضهم حجز رحلة للقمرعندما تبدأ الرحلات السياحية، وكنتيجة حتمية لتقدم علوم التسويق فقد دفعوا ملايين الدولارات مقدما. بينما معظم دول العالم الفقيرة لا تستطيع شراء اللقاحات الضرورية، ناهيك عن ثمن الدواء أو الرعاية للمصابين. وبين هذا وذاك تظهر نظريات المؤامرة لتفسيرالجائحة بهستيريا لم يُعرف بعد الدوافع من ورائها فهل هو رغبة القادرين بالاستئثار باللقاح؟ أم هي عملية إبادة جماعية للغلابة لعدم جدواهم الاقتصادية.

ولأني لست من أنصار نظرية المؤامرة لتفسير التاريخ، فليس من الحكمة التوغل فيما لا يفيد، فالوباء اجتاح العالم بالفعل، وكلنا نعرف أصدقاء وأقارب لنا قضوا نحبهم ومنهم من ينتظر، ولكن ما نستطيع أن نبحث فيه هو تأثير الفيروس على الأنام من الناحية الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وهو ما لا يدخل تحت الرجم بالغيب بل هو استقراء للتاريخ واستنباط لنتائج يمكن معالجتها. إذا أُحسن الفهم ووُجدت الرغبة والإرادة الأممية للخروج من الجائحة بأقل الخسائر الممكنة بدراسة كيفية الاستفادة من معالجة هذه الأزمة لتبني خطط تنمية جديدة.

وقد تظهر نظريات جديدة لنماذج اقتصادية تطغى على النموذج الكينزي الذي ساد منذ إفلاسات ثلاثينات القرن الماضي التي انتهت بالحرب العالمية الثانية. فالجائحة مثلها مثل الحروب والكوارث الطبيعية تُحدث دائما طفرات بعضها إيجابي وأغلبها سلبي. فمن الناحية الأخلاقية والدينية قد تظهر جماعات متطرفة دينيا تعتقد أن كورونا عقاب جماعي من الله عز وجل أو على أحسن الفروض إنذار للاقتراب من الله وزيادة جرعة الإيمان، وهو ما حدث في أزمة الصواريخ الكوبية أكتوبر (تشرين الأول) 1962 عندما حبس العالم الغربى أنفاسه ثلاث عشرة ليلة قضى الناس معظمها في الكنائس ووداع بعضهم بعضا تيقنا بأن فناء العالم على وشك الحدوث كذروة للحرب الباردة، وذلك عندما أنذرت أميركا روسيا بالضرب بالصواريخ النووية إن لم تسحب صواريخها من كوبا الواقعة على بعد 90 ميلا من فلوريدا مقابل سحب أميركا لصواريخها من تركيا وإيطاليا. ثم تبع ذلك موجات من الإلحاد والفساد الخلقي ساهم فيه انتشار حبوب منع الحمل على نطاق واسع.

أما من الناحية السياسية فقد يظهر جيل جديد من الزعماء يحسنون الوقوف أمام الكاميرات والاجتماعات الافتراضية دون ثقافة عميقة أو فكر آيديولوجي. وكما أنهم زعماء افتراضيون فستكون شعوبهم من نفس العينة، وسيضمحل الولاء الوطني وسيصبح الإنسان بلا وطن ولا عنوان محدد، بل محض خيال. وعندها سيفقد الشباب الثقة في جيل الآباء والأمهات وتنتابهم روح عتية تجنح إلى الانعتاق من كل القيود، وسيتم ذلك بصورة فجة في المجتمعات الغربية. أما مجتمعاتنا العربية التي لا تزال بها بعض قيود العادات والتقاليد فيصاب الشباب بعقد نفسية مستعصية مقابل العجز النفسي عن الجنوح. فمنهم من يلجأ إلى الدين فيتلقفهم المتطرفون أصحاب الآيديولوجيات الدينية بمجرد الدخول من الباب الرئيسي. أما البعض الأخر فتجذبهم أضواء الفنون الرخيصة ودروب المخدرات ينفسون فيها عن أوجاعهم من موت أحلامهم الوردية بفعل الكوفيد. أما من الناحية الاجتماعية فتكون الأسرة هي الضحية الأولى والأخيرة فليس بعد الأسرة شيء، فهي الملاذ الآمن وهي حجر الزاوية في جدار الوطن.

إن انهيار الأسرة هو عنوان الفشل في كل شيء وتقويض لقواعد بناء الإنسان. نعم أن انهيار الأسرة  بدأ مع تفشي التكنولوجيا الحديثة من محمول ومحسوس ومشموم وانزواء أفراد الأسرة في حالة انعزالية وتفشي الخيانة الأسرية وانحراف الشباب وعدم محدودية تطلعاتهم إلى حياة الرفاهية مع ضعف الإمكانيات العلمية وتلاشي الهمة والإرادة التي كانت تجعل أعواد الشباب صلبة وقادرة على التحدي لذا فإن على علماء الاجتماع والدين الانتباه، فإن معركتهم قادمة بلا شك بعد موقعة اللقاحات في معركة الكوفيد.

* مفكر سياسي