العراق أمام اختبار جديد... والأمن أبرز التحديات

الميليشيات الإيرانية تواصل فرض قبضتها الأمنية في البلاد
البرلمان العراقي (رويترز)

بون: يترقب العراقيون إجراء الانتخابات العامة يوم العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2021 في ظل تحديات أمنية، أبرزها، تهديدات تنظيم داعش، والفصائل المسلحةـ الميليشيات، الخارجة عن القانون. فمن المقرر أن يتوجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع في 10 أكتوبر 2021، في سادس انتخابات برلمانية منذ أن أطاح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003. ومع اقتراب العراقيين من التصويت، اتخذت الحكومة العراقية، سلسلة من الإجراءات للحد من تزوير الانتخابات وزيادة أمن الناخبين خلال الانتخابات وتنفيذ تكتيكات للضغط من أجل زيادة إقبال الناخبين.

وسيتوجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع يوم 10 أكتوبر 2021 في بيئة تعمل فيها الميليشيات المسلحة خارج سيطرة الحكومة، وينفذ مسلحو تنظيم داعش هجمات متكررة، والمخاوف من التزوير الانتخابي المقترن بخيبة الأمل من النظام السياسي تهدد بإبعاد العديد من الناخبين. والشكوك حول نزاهة الانتخابات العراقية، ما زالت قائمة وربما يعود ذلك إلى احتمالات: شراء الأصوات، والتصويت الإلكتروني، وتأثير الميليشيات، والتزوير.

 

تنظيم داعش

رغم هزيمة تنظيم داعش في العراق عام 2017، فالعراق ما زال يعاني الكثير من المشاكل الأمنية، داخل أجهزة الأمن والدفاع وكذلك مؤسسات العدالة وإنفاذ القانون. الأمر يكون أكثر تعقيدا، عندما يتعلق بالقطاع الأمني والحوكمة، فما زال العراق يعاني الكثير من المشاكل الأمنية. لا يزال هناك قلق من أن تداعيات الصراع وتحديات إعادة الإعمار وإعادة الإدماج ستؤدي إلى تفكك العراق وأن التوتر الطائفي سوف يبتلي المنطقة لسنوات قادمة، وربما يتوسع إلى صراع بالوكالة بين مختلف الأطراف الدولية. بالإضافة إلى ذلك، هناك مخاوف من أن داعش، بعد أن فقدت السيطرة على الأراضي في العراق وسوريا، قد تعود من جديد، وتعيد التركيز على تنظيم الهجمات الإرهابية.

جانب من الدعاية الانتخابية للمرشحين في أحد شوارع بغداد (غيتي)

 

* هناك مخاوف من أن داعش، بعد أن فقدت السيطرة على الأراضي في العراق وسوريا، قد تعود من جديد، وتعيد التركيز على تنظيم الهجمات الإرهابية

 

الميليشيات

الجماعات المسلحةـ الميليشيات، الموالية لإيران، ما زالت تسيطر على واقع الأمن في الشارع العراقي، وربما تفرض سيطرتها في المدن العراقية، ليس كل ما يجري في العراق من عمليات قتل وخطف تتناوله وسائل الإعلام. لا يزال المواطن العراقي يشعر بأنه يعيش في بلد غير آمن وأنه مهدد، وأن الحكومة العراقية، غير قادرة على حمايته، وهذا ما يدفع الأفراد والمجموعات التوجه إلى الجماعات المسلحة، لدفع «الفدية» من أجل حل خلافاتها، أو سلامتها، أكثر من التوجه إلى مراكز الشرطة وتقديم الدعاوى القانونية.

العراق ما زالت تسوده سلطة الجماعات المسلحة والعشائر، وأحكام العشيرة، أي القبيلة، هو الدارج في المجتمعات العراقية، إلى درجة أن رجال الأمن والعدالة في الحكومة العراقية، يشعرون بأنهم غير محميين من الحكومة، ويخضعون لتعاليم «القبيلة» والفصائل المسلحة، وهذا مؤشر على ضعف الحكومة.

يعاني العراق وضعاً أمنياً مضطرباً، عقب ازدياد عدد الهجمات المسلحة التي ينفذها تنظيم داعش ضد قادة عسكريين، تقابلها زيادة في عدد الهجمات الصاروخية ضد مواقع عسكرية حساسة، يُتهم بتنفيذها فصائل مسلحة موالية لإيران. الأمن في العراق لا يزال يدار بطريقة تقليدية جداً، فهو يعتمد على الانتشار الأمني المكثَّف في محاولة لمواجهة الخروقات، أكثر من اعتماده على الخطوات الاستباقية التي تحبط العمليات الإرهابية أو على الأقل تحدّ من أضرارها. وغالباً ما نجد الإجراءات الأمنية تأتي لاحقة لحدوث الخرق الأمني وليست سابقة له.

وما يثير الشكوك حول قدرة اجهزة الأمن العراقية، ونزاهة الأحزاب السياسية والحكومة، هو الترابط الموجود بين ارتفاع وتيرة الهجمات الإرهابية وعمليات الاغتيالات والقتل في العراق، مع تصاعد الخلافات السياسية بين الشركاء الفرقاء وهذا ما يجعل تأمين انتخابات نزيهة وتوفير الأمن الانتخابي موضع شك.

 

أحد مراكز المفوضية العليا المستقلة للانتخابات خلال إصدار البطاقات البايومترية في العاصمة العراقية (رويترز)

 

* رجال الأمن والعدالة في الحكومة العراقية، يشعرون بأنهم غير محميين من الحكومة، ويخضعون لتعاليم «القبيلة» والفصائل المسلحة، وهذا مؤشر على ضعف الحكومة

 

السلاح المنفلت

السلاح المنفلت، أو بالأحرى الفصائل المسلحة المنفلتة، يمكن اعتبارها أحد التحديات المحتملة في إجراء الانتخابات العراقية في العاشر من أكتوبر 2021. وما يعزز هذه الفكرة، أن سلسلة من الاغتيالات الممنهجة، تجرى ضد ناشطين سياسيين، أو موظفين يعملون في مؤسسات العدالة وإنفاذ القانون، وما يعقد المشهد أن الحكومة العراقية، لم تستطع الحد الآن من هذه العمليات الإجرامية والكشف عن الجماعات والأشخاص المتورطة، وإن كشفت عن بعض الحالات، فكانت التحقيقات ناقصة واختزلتها، في منفذي أو مرتكبي الجريمة، دون الكشف عن الجهات التي كانت وراءها.

وما يثير الشكوك حول أجهزة الأمن، أن أغلب عناصرها تدين بالولاء إلى الأحزاب السياسية والفصائل المسلحة التي رشحتها إلى هذه الوظيفة ضمن نظام المحاصصة والرشوة والمحسوبية، حيث كشفت بعض التحقيقات أن رجال أمن وشرطة كانوا متورطين في عمليات اغتيالات واختطاف. وبالتوازي مع ذلك كانت جماعات تقوم بقتل الناشطين والمعتصمين في ساحات الاعتصام.

المشهد الأمني في العراق، غير واضح ومعقد، تسيطر إيران على واقع الأمن في العراق، من خلال مسكها بالفصائل المسلحة، والأكثر من ذلك أن عناصر قاتلت إلى جانب إيران في الحرب العراقية الإيرانية في عقد الثمانينات من العقد الماضي، احتلت مناصب متقدمة لقيادة أجهزة استخبارات وأمن ودفاع.

 

* الجماعات المسلحةـ الميليشيات، الموالية لإيران، ما زالت تسيطر على واقع الأمن في الشارع العراقي، وربما تفرض سيطرتها في المدن العراقية

* ربما نجحت الحكومة العراقية في التركيز على محاربة تنظيم داعش وتوجيه الضربات لهذا التنظيم، لكنها فشلت في تعزيز الأمن الداخلي خاصة داخل المدن

 

ذراع إيران

بات الأمن في العراق «مؤدلجا» لصالح إيران دون منازع، ومهما حاولت الحكومة العراقية من فرض القانون، تجد نفسها أصلا غير قادرة على حماية نفسها، وكانت تجربة اجتياح الحشد الشعبي والفصائل المسلحة الموالية لإيران للمقرات الحكومية والمنطقة الخضراء خلال هذا العام 2021، خير مثال على ضعف حكومة بغداد.

وبعد خسارة إيران حربها مع العراق في عقد الثمانينات (حرب الخليج الأولى 1980ـ 1988)، أيقنت حقيقة، أن إضعاف العراق، والهيمنة عليه هو استراتيجية تخدم مصالح إيران. ووفقًا لهذا التصور، فإن دولة عراقية قوية، تهيمن عليها قوى قومية أو عربية، تشكل تهديدًا محتملاً لإيران. لذلك، سعت طهران دائمًا إلى ضمان عدم استعادة هذه القوات للسلطة في بغداد، وبدلاً من ذلك، دعمت إيران الجماعات الموالية لها بما يتماشى مع آيديولوجيتها. من هذا المنظور، حتى لو كانت الجماعات الموالية لإيران غير قادرة على الهيمنة الكاملة على الحكومة العراقية، فإن وجودها يُنظر إليه على أنه ضروري للحفاظ على توازن القوى في العراق، بالنظر إلى أنهم يشاركون إيران وجهة النظر السلبية تجاه وجود الولايات المتحدة وحكومتها. وفي السياق ذاته، حاولت إيران دائمًا الحفاظ على الوحدة بين مختلف الفصائل الشيعية في العراق ووضعها في مواجهة التيارات المعادية لإيران.

رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي (رويترز)

 

* كشفت التقارير من داخل العراق أن عددا من المرشحين تعرضوا للتهديد بالاغتيال إذا لم ينسحبوا من الانتخابات، خاصة المرشحين المستقلين

 

فشل الحكومة في تأمين الأمن الداخلي

ربما نجحت الحكومة العراقية بالتركيز على محاربة تنظيم داعش وتوجيه الضربات لهذا التنظيم، لكنها فشلت في تعزيز الأمن الداخلي خاصة داخل المدن، وما تشهده المدن العراقية، من حرق للمستشفيات وهدم للمباني وتخريب لأعمدة الكهرباء، وسرقة النفط العراقي وتخريبه، يمكن وصفها، بأن العراق يعيش مشكلة أمنية معقدة، أفقيا وعموديا.

وقد كشفت التقارير من داخل العراق، أن عددا من المرشحين تعرضوا للتهديد بالاغتيال إذا لم ينسحبوا من الانتخابات، خاصة المرشحين المستقلين. كذلك تعرض ناشطون لمحاولات اغتيال بعد ترشحهم للانتخابات.. التهديدات والاغتيالات دفعتهم إلى التراجع عن الانتخابات. التهديدات الأمنية من قبل تنظيم داعش تبقى قائمة وربما تكون واضحة يمكن معالجتها، بنشر القوات أو الجهد الاسستخباراتي، لكن المشكلة الأكثر تعقيدا، هي ما يجري من عمليات تزوير وضغوطات على الناخبين وربما بيع أصواتهم إلى جانب الفساد والرشوة، وهذا ربما يصعب على فرق المراقبة الدولية كشفه.

رغم أن المواطن العراقي ما زال يترقب التغيير في هذه الانتخابات، لكن باتت عملية تدوير للكراسي داخل البرلمان وكذلك الأطراف السياسية التي تتبادل في إدارة الحكومات، وهذا يعني أن الانتخابات القادمة رغم احتمال تجاوزها التحديات الأمنية، فإنها لن تأتي بجديد، ومهما كانت النتائج، لا يمكن إخراج العراق من حالة الدولة الفاشلة.